رقصة الدراويش .. وما علاقتها بالتصوف؟

رقصة الدراويش .. وما علاقتها بالتصوف؟

 

بقلم: براءة يوسف |

الرّقص الصّوفي أو المولوي هو من الطقوس التي يتبعها العديد من الأشخاص (الدّراويش) للوصول إلى حالة الوجد، وتفجير الطاقة الرّوحية الكامنة في أعماق النفس الإنسانية. هو نوع من أنواع الذكر والتّقرب من الله، واللجوء إلى التّأمل أثناء الدّوران، لينتقل المشارك روحياً وفكرياً إلى عالم آخر بعيداً عن عالم الماديات.

كيف تأسست الطريقة المولوية وما دلائلها

ظهرت الطريقة الصّوفية منذ القرن الثّالث عشر الميلادي على يدّ جلال الدّين الرّومي، يُطلق على ممارسيها مصطلح “الدّراويش” والذي يقصد به هنا الشّخص الذي يمتلك فكراً صوفياً قائماً بحد ذاته على التّواضع والبساطة والمعرفة بالأمور الرّوحية الخارجة عن نطاق العالم المادي. انتشرت المولوية بشكل واسع في عهد الدّولة العثمانية، ثم انتقلت إلى مصر وسوريا وبعض البلدان الأخرى.
ترتبط الرّقصة المولوية بحسب ممارسيها بدلائل كونية معينة من مثل دوران الأرض والكواكب حول الشّمس، وتعاقب الفصول الأربعة، حيث أنها لا ترتبط بسن معين فقد تختلف أعمار المشاركين فيها، كما أنها لا تعتبر مهنة أو عملاً بحد ذاته، إنما هي إرث اجتماعي وطقس من طقوس التّعبد والتّجلي مع الخالق.
كيف تأسست المولوية وما دلائلها

طريقة ممارسة الرّقصة الصّوفية

تعتبر الرقصة المولوية من الرّقصات الصّوفية الأكثر انتشاراً وروحانية، حيث يقوم المشاركون في هذه الرّقصة بارتداء تنانير طويلة، بيضاء اللون عادة، يحيط بها حزام غالباً ما يكون أحمر اللون، بالإضافة إلى القبعة الأسطوانية الشّكل على الرّأس، ثم تبدأ طقوس المولوية بالدّوران حول النّفس عكس اتجاه عقارب الساعة بالاتساق مع حركة الكون، مع رفع اليد اليمنى للحصول على الطاقة والنور الإلهي وطلباً للرحمة من الخالق، وخفض اليسرى إلى الأسفل لإعطاء الأرض هذه الطاقة والتخلص من الخطايا والشهوات الدنيوية.
أما العينان فإما أن تنظران إلى الأرض أو تغمضان، والرأس يكون منحنياً على الكتف. يكون الدوران بثبات القدم اليسرى التي تدور مكانها، بينما تلتف القدم اليمنى على أطراف الأصابع حولها في تتابع مستمر، حيث يدل ثبات القدم اليسرى على الشريعة الثابتة. أما القدم المتحركة فتدل على الحياة الدنيا ومتغيراتها المستمرة.
للأناشيد الدّينية وصوت الإيقاع والأدعية دور كبير في تمكين الدّراويش من الوصول إلى الحالة الرّوحانية التي يطمحون لها.
ممارسة الرّقصة الصّوفية

المولوية إرث اجتماعي تتوارثه أجيال

لقرن من الزمن، لا تزال عائلة دمشقية تتوارث طقوس الرّقصة الصّوفية جيلاً بعد جيل، وهي عائلة الخراط المؤلفة من عشرين مولوياً، أكبرهم يبلغ التسعين من العمر، أما الدرويش الأصغر فيبلغ ثلاثة أعوام.
يقول مؤيد الخراط لشجون عربية إنه بدأ بممارسة الرقص الصوفي من عمر السنتين، فقد كانت طفولته في مجالس الذكر والمناسبات، فبدأ بالتدرب آنذاك على يدّي جده وأبيه ليصاحبه اليوم ولده أحمد كأصغر درويش في العائلة.
يضيف مؤيد أن ممارسته لهذه الطقوس كفيلة بتخليصه من الطاقة السلبية كما تجعله بعيداً عن عالم الماديات، فهي صلة وصل بين العبد وخالقه.
المولوية إرث اجتماعي

رنا جرجاني فتاة تمارس الرّقص الصّوفي

تقول رنا جرجاني وهي فتاة تمارس رقصة الدراويش: قال جلال الدين الرومي “إن طرقاً عدة تؤدي إلى الله، أما أنا فقد اخترت طريق الموسيقى والرّقص”، وكانت هذه هي حالتي.
الرّقصة الصّوفية تقتصر على الرّجال في أغلب بلدان العالم الإسلامي، لكنها لم تعد حكراً على الرّجال فحسب، فهذا ما أثبتته الشّابة رنا جرجاني البالغة من العمر سبع وثلاثين عاماً، وهي من النّساء القلائل اللواتي يمارسن الرّقص الصّوفي، عرفت هذا الطّقس الرّوحاني منذ الرابعة عشر من عمرها عندما زارت وطنها الأم إيران برفقة والديها، حيث استغلت تواجدها هناك لتعلم الرّقص الصّوفي والتّدرب عليه من خلال المشاركة في العديد من المناسبات التي أُقيمت في إيران وتركيا.
بعد انتقالها إلى فرنسا برفقة عائلتها تخلت رنا عن عملها كممثلة وبدأت تكرّس وقتها لممارسة الرّقص الصّوفي الذي يعطي بحسب تعبيرها “معنى للوجود”.
رنا جرجاني و الرّقص الصّوفي
قامت جرجاني بأول عرض لها منذ عشر سنوات على خشبة المسرح، كانت تظن بأن أداءها لم يكن على نحو جيد وأنها اخترقت القواعد في اللاوعي، لتعود بعد ذلك وتستأنف الدّوران لتتلقى دعماً وتصفيقاً حاراً من الجمهور.
تقول رنا إن الرّوح في الرّقصة الصّوفية ليست ذكراً أو أنثى، وإن أداء المرأة لهذه الرقصة لا يتعارض مع روحانية الطقس وتجليه.
كثيراً ما أثار انشغالها التّناقض في ارتداء الرّجال للتنانير (وهي رمز أنثوي)، في الأماكن العامة لأداء الرّقصة الصّوفية، بينما تؤديها النساء في الخفاء، فتقول: “في أوروبا أنا محظوظة لأنني قادرة على التّعبير عن نفسي بشكل فني وحرّ”.
في الآونة الأخيرة ونتيجة لانتشار جائحة كورونا التي تسببت بإغلاق المسارح وأماكن التّجمعات العامة، لجأت رنا إلى إعطاء دروس لتعليم الرّقصة الصّوفية عبر تطبيق “زوم”، حيث لاقت إقبالاً كبيراً من قبل الطلاب الذين يرغبون بحسب تعبيرها في اكتشاف أعماق ذواتهم والوصول إلى الحالة الرّوحانية من خلال التّأمل.
رنا جرجاني فتاة تمارس الرّقص الصّوفي

رنا جرجاني وهي تؤدي الرقصة الصوفية.