“مركز القدس للشؤون العامة والسياسية”: هل غيّرت إسرائيل فعلاً علاقتها بالحرم القدسي؟

“مركز القدس للشؤون العامة والسياسية”: هل غيّرت إسرائيل فعلاً علاقتها بالحرم القدسي؟

بقلم: نداف سرغاي – محلل سياسي إسرائيلي

إعلان رئيس الحكومة نفتالي بينت المحافظة على “حرية العبادة” لجميع الأديان في الحرم القدسي- بما فيها اليهودية، ثم تراجعه السريع عنه هو نتيجة ستاتيكو عمره 54 عاماً وضعته حكومات إسرائيل المتعاقبة- سواء من اليسار أو من اليمين- بشأن كل ما له علاقة بحقوق اليهود في الحرم القدسي واحتمالات تحقيقها.

في أساس هذا الستاتيكو هناك التفريق بين حق الزيارة الذي يمكن تحقيقه وبين حق الصلاة الذي لا يمكن تحقيقه. في الأعوام الأربعة الأخيرة، وبعد سلسلة انتهاكات كبيرة وجوهرية للستاتيكو من جانب المسلمين، مثل بناء واستخدام 3 مساجد جديدة في الحرم، وتقليص مناطق وساعات زيارة اليهود إلى المكان، وتآكل المحافظة وتطبيق قوانين التخطيط والبناء والآثار في الحرم، وإغلاق البوابات  منعاً لدخول اليهود  وغيرها، طرأ تآكل معين أيضاً على التطبيق الصارم لمنع صلاة اليهود في الحرم.

حدثت الانعطافة في فترة تولّي جلعاد أردان وزارة الأمن الداخلي وتولّي يورام هليفي قيادة إقليم القدس في الشرطة. في تلك الأعوام زاد عدد الزائرين اليهود إلى الحرم وارتفع من 5000 في السنة إلى نحو 35 ألفاً سنوياً. هذه الزيادة هائلة وتبلغ نحو 800%، لكن الفجوة بين زوار الحرم اليهود وبين عدد المسلمين لا تزال كبيرة”، نحو 10 ملايين زائر مسلم سنوياً في مقابل نحو عشرات الآلاف من الزوار اليهود سنوياً.

بيْد أن التغيير الجوهري الذي طرأ في الأعوام الأخيرة بالنسبة إلى الجانب اليهودي من الستاتيكو يتعلق بإعطاء اليهود لأول مرة إمكان الصلاة في المنطقة الشرقية من الحرم كأفراد. أحياناً كان يُعطى هذا الإمكان لمجموعات، وفي العامين الأخيرين قامت جماعات صغيرة بأداء صلاة الفجر وصلاة المغرب، لكن من دون كتاب التوراة والأشرطة السوداء التي تُلَف حول اليد والرأس، ومن دون شال الصلاة. جرت هذه الصلوات بمعرفة الشرطة التي لم تمنعها، بل قامت بحمايتها.

إلى جانب هذا الواقع واصلت إسرائيل التمسك بالستاتيكو المعروف الذي يمنع اليهود من الصلاة في الحرم. رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو كرر ذلك عدة مرات، وأيضاً وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان تمسك بهذا الستاتيكو على الرغم من تعبيره أكثر من مرة عن عدم رضاه عنه وأمله بتغييره مستقبلاً.

الستاتيكو الذي منع اليهود من الصلاة في الحرم القدسي كما هو معروف وضعه وزير الدفاع موشيه دايان في الأيام الأولى التي تلت حرب الأيام الستة [حرب حزيران/يونيو 1967]. وهو لم يُطرَح قط كتابياً، وقرار الحكومة في هذا الشأن صيغَ بطريقة غامضة وغير مباشرة. القرار الذي اتخذته في الأساس اللجنة الوزارية لشؤون الأماكن المقدسة حدد أنه عندما يأتي اليهود إلى الحرم ويريدون الصلاة هناك عليهم التوجه إلى الحائط الغربي.

هذه الصيغة الغامضة في هذا الشأن منحت الشرطة مرونة في التعامل مع كل ما له علاقة بتطبيق منع صلاة اليهود في الحرم، وأيضاً مع تطبيق حقوق زيارة المكان. كان هناك أعوام مُنعت فيها الصلاة بصورة صارمة وقاطعة (ليس كما في هذه الأيام)، وهناك أعوام كانت فيها الزيارات إلى الحرم محدودة جداً، وأحياناً كانت الشرطة لا تسمح لأكثر من 9 يهود بالبقاء في الحرم. وفقط لدى خروج مجموعة يُسمَح لمجموعة أُخرى بالدخول إلى الحرم.

الستاتيكو في الحرم شهد الكثير من الصعود والهبوط على مدار السنوات، في الأساس في الجانب الإسلامي، بحيث تصعب تسميته ستاتيكو بمرور الزمن. تحديداً البند الذي يمنع صلاة اليهود جرت المحافظة عليه باستمرار إلى حين قبل 4 أعوام.

في تشرين الأول/أكتوبر 2015 جرى مجدداً توضيح الستاتيكو المتعلق بحقوق اليهود وإمكان تحقيقه في اتصالات بين إسرائيل والأردن والولايات المتحدة. وذلك على خلفية سلسلة مواجهات بين القوى الأمنية وبين [مثيري شغب] مسلمين في الحرم القدسي. حينها أعرب مسؤولون رفيعو المستوى في الأردن وفي إسرائيل عن خشيتهم من أن تزعزع الأحداث في الحرم استقرار حُكم العائلة الملكية الأردنية. جرت هذه الأحداث في ذروة موجة الهجمات بالسكاكين التي قام بها أفراد في شتى أنحاء إسرائيل. العديد منهم حرّكتهم التهمة الكاذبة “الأقصى في خطر”. في تلك الفترة ذهب عدد من قادة الشرطة إلى الأردن للتحاور مع نظرائهم الأردنيين ومع جون كيري وزير الخارجية الأميركي آنذاك خلال ولاية باراك أوباما الثانية، والذي جاء إلى المنطقة محاولاً التوسط بين الطرفين، وهكذا وُلدت التفاهمات التي بلورها كيري بعد المحادثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن.

هذه التفاهمات هي مفتاح التصحيح الذي نشره رئيس الحكومة نفتالي بينت لإعلانه الأول هذا الأسبوع، وذلك بعد تدخّل الأردن والولايات المتحدة، وشملت أربعة بنود:

صرّح رئيس الحكومة آنذاك أمام كيري بأن إسرائيل تحترم الدور الخاص للأردن في القدس كما ورد في اتفاق السلام بين الدولتين، والدور التاريخي للملك عبد الله كحارس للأماكن المقدسة الإسلامية في القدس.

تعهد نتنياهو أمام كيري أن تواصل إسرائيل سياستها في احترام حرية العبادة في الحرم ومفادها أن في إمكان المسلمين الصلاة في الحرم، وفي إمكان غير المسلمين زيارته.

صرّح نتنياهو آنذاك بأن إسرائيل لا تنوي تقسيم الحرم وهي ترفض رفضاً مطلقاً أي حجة في أنها معنية بذلك.

رحب نتنياهو بزيادة التنسيق الأمني بين إسرائيل والأردن في الحرم القدسي، والذي يهدف إلى التأكد من أن زوار الحرم والمصلين فيه يُظهرون ضبط النفس ويحترمون الأماكن المقدسة.

جوهرياً لم تشمل هذه التفاهمات أي جديد، فقد عكست الوضع القائم، لكنها ذات أهمية كبيرة: لأنها المرة الأولى التي تعلن فيها دولة إسرائيل رسمياً وعلناً أن المسلمين يستطيعون الصلاة في الحرم وأن غير المسلمين يستطيعون زيارته. من ناحية أُخرى كانت هذه المرة الأولى التي يُنشر بيان علني من طرف الولايات المتحدة والأردن بالتنسيق مع إسرائيل ويعترف بأن من حق اليهود زيارة الحرم، لكن ليس الصلاة فيه، والأردن يعترف بذلك.

لكن في نهاية ولاية دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة وضمن إطار “صفقة القرن أُضيفَ بند هدفه ضمان حرية العبادة مستقبلاً في الحرم لليهود وللمسلمين. في هذا البند كُتب، من بين أمور أُخرى، “الأماكن المقدسة في القدس يجب أن تبقى مفتوحة ومتاحة للمصلين والسياح من كل الأديان”، و”يجب السماح للأشخاص من كل الديانات الصلاة في الحرم القدسي الشريف بصورة تحترم ديانتهم، مع الأخذ بالحسبان مواقيت الصلاة والأعياد لكل دين مثل كل العوامل الدينية الأُخرى.”

في كل الأحوال سواء كان المقصود فترة ترامب أو فترة بايدن، الواقع على الأرض وضغط الزوار اليهود إلى الحرم فعلا فعلهما، إذ نُظّمت صلوات مع قيود كثيرة للمرة الأولى بموافقة الشرطة في حدود الحرم.

من المحتمل أن يكون إعلان رئيس الحكومة بينت بشأن المحافظة على حرية العبادة (المقصود الصلاة) لكل الأديان في الحرم وُلد نتيجة رغبته في ترسيخ ذلك رسمياً في الواقع القائم. إذا كان هذا هو ما حدث فإنه كان خطأً. لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى أن ما سُمح به بصورة غير رسمية في الحرم لن يكون مسموحاً بعد الآن – في الأساس في الأشهر المقبلة.

مباشرة بعد إعلان بينت توجّه الأردن إلى إسرائيل وانتقد بشدة إعلان رئيس الحكومة. كما توجّه إلى الولايات المتحدة وطلب منها التحرك لدى إسرائيل في هذا الشأن. وورد في الحديث بين الأطراف ذكر تفاهمات كيري. نتيجة ذلك صدر تصحيح بأنه حدث خطأ وسوء فهم ولا تغيير في الستاتيكو في الحرم القدسي فيما يتعلق باليهود، وأن المقصود كان حرية الزيارة وليس حرية الصلاة.

في خلفية التصحيح السريع يوجد أيضاً البيان المشترك لكتلة راعم المشاركة في الائتلاف والجناح الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل الذي تمثله راعم سياسياً. حذر البيان من تداعيات تغيير الستاتيكو في الحرم والسماح لليهود بالصلاة هناك، كما حذر من “اقتحام مستوطنين وأعضاء كنيست المسجد الأقصى.” ونقل إلى بينت عبر قنوات غير رسمية وإلى وزير الخارجية لبيد توضيحاً مفاده أن راعم لا تستطيع الاستمرار في أن تكون شريكة في الائتلاف إذا تمسك بينت بإعلانه بشأن حرية العبادة أيضاً لليهود في الحرم، وجرى التشديد على أهمية الأقصى والأماكن الإسلامية وسيطرتها الحصرية على 144 دونماً لموقع الحرم، بما فيها الأسوار.

هذا الموقف لراعام والتيار الجنوبي هو تبنٍّ لمصطلح الإسلام الراديكالي من هذه المسألة على الرغم من أنه في الماضي، بما فيه فترة الأردن، كان هناك فارق بين أراضي المسجد الأقصى بحد ذاتها وبين مبنى قبة الصخرة وبين سائر أجزاء الموقع.

وزير الأمن الداخلي عومر بار ليف من حزب العمل أعرب عن استيائه حيال إعلان رئيس الحكومة بينت الذي جرى تصحيحه لاحقاً، في الأساس بسبب تدخّل الأردن والولايات المتحدة اللذين تحركا لدى إسرائيل للحصول على توضيحات بأن الوضع المعروف في الحرم لم يتغير.

المصدر:  مركز القدس للشؤون العامة والسياسية