في الاجتماع السّياسيّ والمدنيّ العَربيّ المُعاصِر

في الاجتماع السّياسيّ والمدنيّ العَربيّ المُعاصِر

 

* بقلم: الخبير الاقتصادي نبيل علي صالح

الحداثةُ مُصطلحٌ يُشير إلى فترة زمنيّة في تاريخ الغرب الحديث تحرَّرت فيه أوروبا من هَيمنة السلطة الدينيّة المُفارِقة، وانطلقتْ حركةُ التنوير لتحرير العقل من سجونها، ومُحاولة إعطائه موقعَ القيادة لمُجمل النشاط الإنسانيّ، وبدء مَسيرة الإبداع والابتكار والتقدُّم في كلّ مجالات الفاعليّة البشريّة..

كانت الحداثةُ ردَّ فعلٍ على الإعاقات الكنسيّة الطويلة التي كبّلت (وأعاقت حركة) الناس في عالَم الغرب، وقيّدتهم بأصفادها الهويّاتيّة المُغلَقة، وجَعلَتْهم يعيشون في مستنقعات التخلُّف والجهل القروسطيّة، وشلّت وجودهم في سعيهم للتطوّر والبناء الحضاري. وكان العقلُ والتفكيرُ العقلاني هو سلاح الحداثة الأساسي والوحيد في مَعركتها ضدّ موروثات التخلُّف الماضوي. حيث تمَّت من خلاله إعادة تنظيم العمران الفكري والنفسي للإنسان الغربي، لتشتعل نهضة إنسانيّة عمليّة واسعة مكَّنتْ أوروبا – بعد مخاضاتٍ تاريخيّةٍ وصراعاتٍ مُجتمعيّةٍ طويلة وعسيرة – من وضعِ الأسس والّلبنات الأولى لتقدُّمها الحضاري المدني والإنساني الحديث.

فقد قام الغربُ عبر تاريخه الحديث بترسيخ ثقافة العقل والعِلم والوعي العَمَلي في نفوس الناس، وفي سلوكهم اليومي، بهدف الخروج من حالة الوصاية والقصور العقلي التاريخي الذي كان مُسيطِراً على مُجتمعاته، وعملَ على تمكين الوجود الفردي، أي تعميق حسّ الإنسان وانتمائه لذاته وفكره وعقله، أساساً ومِحوراً للحياة والوجود.

وعلى هذا الطريق نشأتْ ثقافةُ حقوق الإنسان المُقدَّسة، وتمكَّن “الإنسان – الفرد” من السَّير على طريق الحياة والوجود بلا وصايةٍ من أحد، وانطلق هذا الفرد لبناء مجاله المُجتمعي السياسي المُتوازن والعادل والمُتساوي والمُستنير بوعيه وإرادته المُدركة وخياره العقلاني وقراره الحرّ.

إنّه العِلم والحريّة والقيَم الحقوقيّة، وهذه من أهمِّ مبادئ الحداثة التي لم نعِها في مُجتمعاتنا سوى كتمظهراتٍ شكلانيّةٍ لا معنىً لها، وبخاصّة أنّنا نعيشُ اليومَ في زمن المَعرِفة والمعلومة والقوّة الصناعيّة الماديّة البحتة. زمن لا قيمة فيه للفرد الكسول والمُجتمع المُتثاقل والأُمّة المُتطفّلة على غيرها. زمنٌ شرطُ الإبداعِ وعلَّةُ التطوُّر فيه، كسْرُ القوالب الجامدة، وهتْكُ أستار المُحرّمات التقليديّة والسياسيّة، ونشْرُ الفكر التداولي والتشارُكي المُنفتِح، وإتاحةُ الفُرص أمام الجميع للتعبير والتفكير الحرّ الخلّاق بلا قيودٍ ولا أغلال ذاتيّة أو موضوعيّة. وحتّى في منزلِكَ لم تعُد قادراً على مُمارَسة دَور الأب المُهيمِن المُتسلِّط على أولادك وأسرتك، أو أن تتعاطى معهم بذهنيّة الإلغاء والتحريم والانغلاق والمنع والحجب والإقصاء والقمع.. وإذا ما سلكتَ معهم على هذا الطريق، فإنّك لا محالة ستُواجه فشلاً ذريعاً في التربية والتعليم، وستُنتِجُ أسرةً مُحطَّمة ومُفكَّكةً وعالةً على نفسها ومُجتمعها. وربّما ستخسر أولادك. هذا على نطاق الأسرة، وهي أصغر خليّة اجتماعيّة، فما بالك على نِطاق ومستوى المُجتمع والدولة والأُمّة ككلّ؟!

من هنا، كيف سينجح أيّ مُجتمع في تقبُّل مَعايير الحداثة العقليّة والعلميّة وبنائها، فيتطوّر ويزدهر في حال بقيت مناخات القسر والكبْت والحرمان والإقصاء ورفْض الآخر سائدة فيه ومُهيمِنة عليه، بل وتتطوَّر أشكالها وتقاليدها المغلقة والمانعة؟ وهل العلّة تكمن في الفكر أم في السياسة؟.. وهل الفكر (التراثي) الديني يمنع ويُقيِّد؟!! ثمّ ألا يتحمَّل أوصياء الفكر ونُخب السياسة مسؤوليّةً أكبر في منْع الحداثة العِلميّة والعقليّة بمعناها البنيوي المَعرفي العميق من التجذُّر في بنياتنا الاجتماعيّة والمَعرفيّة العربيّة والإسلاميّة؟!

سؤال الحداثة والتنوير

يُمكن القول هنا، إنّه بعد مرور مدّة زمنيّة طويلة نسبيّاً على انطلاق تجربة التنوير والحداثة الغربيّة (التي تحوَّلت كما قلنا إلى نماذج واقعيّة حيّة، بكلّ ما وَصلت إليه من مُكتشفات واختراعات ونتاجات ماديّة ضخمة، وما حقَّقته من إنجازات وتطوُّرات علميّة فريدة تجلَّت واقعيّاً في بناء حضارة مدنيّة إنسانيّة فاعلة ومُنتجة، أَلهمت الوجود الإنساني كلّه)، لمْ يفلح العرب في إنضاج قيَمهم الحداثيّة وتظهيرها على مستوى تحقيق أيّ استثمارٍ إيجابيٍّ فعّالٍ ومُنتجٍ لها. فما زالَ سؤال الحداثة والتنوير الأساسي – وعموم أسئلة النهضة العربيّة المُتمحوِرة حول البحث في أسباب تقدُّم الغرب وتأخُّر العرب والمُسلمين – سؤالاً إشكاليّاً بامتياز في داخل الفضاء السياسي والمَعرفي العربي والإسلامي، على الرّغم من مضيّ عقود عديدة على طرْحه من قِبَلِ مُفكّري النهضة العربيّة الأوائل (من رفاعة الطهطاوي وفارس الشدياق إلى بطرس البستاني وشبلي شميّل وفرح أنطون وسلامة موسى وغيرهم)؛ كما لا يزال هذا السؤال يحظى باهتمام مفكّرين وباحثين آخرين ممَّن اشتغلوا على قضايا التنوير والنهضة لاحقاً، وذلك بالنَّظر إلى عدم تمكُّن العرب من ولوج عالَم الحداثة العقلي والعِلمي، وتأخُّرهم في اللّحاق بركب الحضارة المدنيّة والعِلميّة الكونيّة حتّى الآن، وبقائهم في حالة جامدة من عطالة العقل والفكر، غيّبتهم عن ساحة الوجود والتأثير في الحياة العالَميّة، ومَنعتهم من الحضور والإنتاج والفاعليّة الحضاريّة الذاتيّة، ليركضوا ويلهثوا وراء تُرهّاتٍ وأباطيل وإشكالات تاريخيّة وثقافيّة لا حصر لها، تَستخدمهم أسوأ استخدام، وتُوظِّفهم لصالَح معانيها الرمزيّة الفاقدة للمنطق والحضور والفعل الحقيقي. فكانت النتيجة هي هذا التأثير السطحي والفاعليّة المحدودة والإنتاج الفكري والعقلي والعِلمي العربي والإسلامي الضعيف وغير النَّوعي، وهذا الدَّور المُنفعل والحضور البسيط والمَكانة الدوليّة المُتدنّية جدّاً في سلّم درجات المَعايير الحضاريّة التنمويّة وغير التنمويّة، ليقتصرَ حضورنا على انتشار قيَم ومَظاهر الاستهلاك السلبي وثقافته في اجتياحها لمُجتمعاتنا لتزداد غربتها وتغرّبها، وهَيمنة عقليّة الشراء لمُنتجات “الغربي المتقدِّم” وتقنيّات الآخر من دون وعي لثقافته وفلسفته وقيَمه الحضاريّة التي كرَّسها بوصفها تقاليد وخطوطاً ثابتة عريقة، شكَّلت – ولا تزال – نواظمَ ومَعايير وتقاليد سلوكيّة عالَميّة راسخة، حول كيفيّة نجاحه العَمَلي المُذهل وآليّته في الإنتاج العقلي والفلسفي الضخم الذي كان وراء كلّ ما جرى فيه من تقدُّمٍ عِلمي وتقني وصناعي لاحق، انطلقَ وتمحورَ حول العقل والإبداع العقلي فقط.

تحدّيات الحداثة وأسئلة التنوير

إنّ تحدّيات الحداثة وأسئلة التنوير تفرض علينا – في سياق العمل على تطوير النواظم المَعرفيّة المُحدِّدة لمُجتمعاتنا – امتلاكَ أجوبةٍ عمليّة واضحة ومُحدَّدة ومؤطَّرة ومُتَّفق عليها بين النُّخب المُثقّفة والتيّارات الفكريّة القائمة، بهدف بلْورة وتكوين وعي عِلمي ومَعرفي وفلسفي، وتوافقات مُشترَكة بين كلّ تلك الاتّجاهات العاملة على الأرض. فإنّ غيابَ الإرادة المُجتمعيّة الحرّة الجامِعة – أو على الأقلّ إقامتها على القسر، وعدم التوافُق بين الجماعات السياسيّة القائمة – لن تُحقِّق أيّ غايات نبيلة في بناء مُجتمعاتنا العربيّة الإٍسلاميّة وتطويرها على أُسس ومَعايير سياسيّة وثقافيّة جديدة قد تُمكِّننا من الإجابة العَمليّة عن أسئلة العصر، وتغيّراته المُتواصِلة..

والإشكاليّة إذاً تكمنُ أساساً هنا، في مدى قابليّة اجتهاد المُفكّرين وعُلماء الدّين الإسلامي في النّص التاريخي الثّابت، وتحريكهم مياهِ مُستنقعاتنا الفكريّة الراكدة، من خلال عملهم على بناء توافقات مَعرفيّة وعَمليّة جديدة غير مسبوقة حتّى لو كانت صادمة، لها عمقها المُجتمعي، وتَنطلق من صميم الدّين الإسلامي، تقدّمُ لنا هذا الدّين كحالةٍ حَضاريّة إنسانيّة في الفكر والإحساس والمُمارَسة، غير قابلةٍ للتجيير والاستخدام السياسويّ.

والإسلام – الذي أثنى على العِلم والعقل ومَدَحَ العُلماءَ والعُقلاء، وتحدَّث عن أهميّة الوجود العقلي في آياتٍ قرآنيّة كثيرة تربو على الخمسين آية، مُعتبِراً العقل قاعدة التجدُّد والبناء وأساس التطوُّر الحضاري – لا يعيش مشكلة عمليّة أو أزمة مَعرفيّة كبرى تجاه أيّة أفكار حداثيّة عقلانيّة مدنيّة، فهو دين إنساني ورسالة إنسانيّة في المبدأ والمنطلق والوسيلة والغاية، وهو يؤيِّد حريّة الناس، ولا يضع حدّاً أمام خيارات البشر، ويَرفض احتكار السلطة من قِبَلِ أيّ إنسان أو مجموعة أو فئة تحت أيّ مسمّى كان، ولا يتبنّى “التراتبيّة الإكليروسيّة” الدينيّة المعروفة.. ولا يحصر السياسة والحُكم في اتّجاه أو طبقة محدَّدة.

ولو قمنا بمُراجَعةٍ سريعة لتاريخنا الثقافي العربي والإسلامي، سنجد أنّه لم تتكرَّس حالة “طبقيّة” خاصّة برجالات الدّين المُسلمين، بل كلّ ما يُمكن مُلاحظته – على امتداد ساحات هذا التاريخ – هو وجود مَشايِخ ومُفتين وعُلماء دين كانوا يُفسّرون النصوص، ويشرحون الأحاديث، ويقدّمون الفتاوى، فيُخطئون فيها ويُصيبون، ويتصرّفون في الواقع من حيث إنّهم أفراد ينتمون إلى دائرةٍ حضاريّة واحدة، ويندمجون في واقعهم، ولم يقدِّموا أنفسهم أو لم يُقدَّموا كفئة صاحبة امتياز “بطركي” خاصّ، على الرّغم من وجود بعض المَظاهِر الخاصّة القليلة لتلك الحالة الدينيّة الأرثوذكسيّة المُتناثِرة في داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي هنا وهناك، ولكنّها بقيت حالاتٍ نادرة، غلب عليها الطابعُ الذاتيّ لا العامّ، وهي محصورة كمّاً ونَوعاً.

إنّنا نعتقد أنّ الحداثة والإسلام يلتقيان في فكرة الحريّة والاختيار الفردي الحرّ فقط، وأهميّة الحقوق الإنسانيّة، على الرّغم من وجود نصوص دينيّة – غير مُحكمة – عديدة توحي بعكس ذلك عندما يتمّ تفسيرها وتأويلها على هذا النحو القدري الجبري، بهدف الإبقاء على حالة “النقاوة والأصالة الدينيّة” و”صفاء الهويّة النقيّة” المزعومة، والتي لم تَجِد لها أصداء قويّة في الواقع العربي المُجتمعي العامّ.. حيث إنّ العرب والمُسلمين مُندمجون كليّاً في حداثة العصر الماديّة، ولو من باب تبنّي حداثة الشكل دون حداثة المفهوم والنسق الثقافي والفلسفي الحضاري الذي أنتجها، فهذا الأخير يحتاج إلى وقتٍ طويل، ودونه مُراجعات نقديّة وحفريّات مَعرفيّة عسيرة.. المُهمّ أنّ اجتماعنا السياسي والمدني العربي والإسلامي بدأ يتغيّر سياسيّاً لتبنّي خيارات وآليّات عمل سياسيّة تقوم على فكرة الديمقراطيّة والتداوُل السلمي للسلطة، وهذا أمرٌ حيوي وتطوّرٌ نوعي كبير للغاية، يجب التأسيس الجدّي عليه.. ومردّه أساساً إلى حالة الانفتاح على تيّارات الغرب الثقافيّة والسياسيّة المُعاصِرة، والتفاعُل الكبير الذي نجمَ عن احتكاك كثير من نُخب الحالة الإسلاميّة ومُفكّريها مع واقع الغرب السياسي والفكري الحديث، ورؤيتهم عن كثب للنجاحات الباهرة التي حقَّقتها تجربة الغرب “المَدني” الأوروبي والأميركي على صعيد العِلم والتجربة والتقنيّة والتطوُّر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مُقارنةً بالطبع مع تأخُّر مُجتمعاتهم، وتخلُّفها الاجتماعي وارتكاسها الحضاري الكبير.

طبعاً نحن عندما نتحدّث بهذه الطريقة الحسنة والمُنفتحة عن الحداثة لا ننسى أنّ للحداثة مثالب وسلبيات كبرى، لا يُمكن قبولها في مجالنا الحضاري الإسلامي، ولاسيّما منها تلك الروح الماديّة النفعيّة المُسيطِرة، وأنّ إيجابيّتها الجوهريّة تكمن في إيقاظها لبواعث العقل، وإعادة الروح لقيَم الحريّة والحقوق الإنسانيّة، وهذا ما يجب أن نُعيد اكتشافه في تراثنا وفكرنا مُجدّداً لنُطبّقه بوعيٍ ومسؤوليّة في سلوكيّاتنا ومُمارساتنا الخاصّة والعامّة.. وما عدا ذلك لم تتمكَّن الحداثةُ من إضفاء معنىً روحيّ وجوديّ على وجود الإنسان في الحياة، بل اقتصرت على البُعد والجانب المادّي الذي باتَ في الغرب أساس الفكر ومَصدر القيمة.

*كاتب وباحث سوري