رغم كل شي، عقبال العايزين

رغم كل شي، عقبال العايزين

 

شجون عربية _ بقلم: كارمن جرجي، كاتبة لبنانية

لفتني ما قرأت منذ بضعة أيام عن ولادة طفلةٍ للأمير السابق هاري وزوجته ميغان وقد أسمياها “ليليبت” تيمُناً بالملكة إليزابيث وديانا، أميرة ويلز الراحلة، ديانا التي إستحصلت على محبّة واستعطاف ودعم العالم بأسره نظراً لإنسانيتها وأعمالها الخيِّرة وأيضاً نظراً لما عايشته من تحدّيات فرضتها عليها القواعد الملكية وغيرها من مشاكل عائلية…

يذكر أن ديانا تزوجت من الأمير تشارلز عام 1981 وقد أقاموا زفافاً ملكياً أسطورياً ما زالت كلفته تعتبر الأعلى في العالم، إذ بلغت 110$ مليون، وقد حضره نحو 600 ألف شخص ونُشر عبر شاشات التلفزة ليحصد حوالي 750 مليون مشاهدة.

حفل الزفاف أو عقد القران يُعتبر من العادات والأعراف القديمة حيث يتباهى الشريكين به ويُخصِّصوا له مبالغ طائلة، وخاصة في العالم العربي، وأحياناً تصل الى حدّ البذخ والمغالات.

في لبنان تتراوح كلفة حفل الزفاف ما بين 5.000$ الى  10.000$ كمعدّل عام ويمكن أن تصل الى ما فوق ال 100.000$ للطبقة الإجتماعية الميسورة. إلّا أنّ هذه المعايير قد تغيّرت مؤخراً بسبب الأزمة الإقتصادية التي تعتبر واحدة من أسوء الأزمات في العالم، والتي ألمّت باللبنانيين وأثّرت على غالبيتهم حيث خسرت الليرة اللبنانية حوالي 80% من قيمتها، وبذلك أصبح اللبناني عاجزاً عن تأمين حاجياته أو التمتّع بأدنى مظاهر الحياة ومن ضمنها الزواج الذي يعتبر واحداً من أهمّ مقوماتها وسرّاً مقدساً من حقّ كل إنسان، ولكنه بات من غير الممكن على الثنائي الإرتباط وذلك بمعزل عن جائحة الكورونا وإنّما بسبب عدم القدرة على شراء منزل أو تأمين مقومات الأسرة الناجحة والمستلزمات الضرورية لذلك.

من الملحوظ عدد الأزِفّة التي تمّ تأجيلها أو إلغائها مُؤخراً، فقد سجّل المجتمع اللبناني تراجُع واضح لمعدّل الزواج وبالتالي الولادات بنسبة تقارب ال 14.5% عن السنة الماضية، وبلغت الولادات معدّل 2 للأسرة الواحدة، وهذا بحدّ ذاتهِ يُؤثّر على المعدّل الديموغرافي في لبنان، إذ بات فرد واحد يخلِف أويحلّ مكان الأُسرة الواحدة ممّا أدى الى زيادة نسبة الكهول وكبار السنّ مقابل إنخفاض عدد الشبّان وصغار السنّ فبات جليّاً إختلال الهرم السكاني بشكل عام. جرّاء ذلك أصبحت نسبة المستهلكين أعلى بكثير من نسبة المنتجين ممّا أدّى الى أزمة إقتصادية إضافية وخاصة مع هجرة العائلات والفئة العاملة في قطاعات معيّنة الى الخارج نظراً لعدم قدرتهم على الإستمرار في ظلّ الغلاء المعيشي الفاحش ولعدم قدرتهم لتأمين غدٍ أفضل لهم ولأولادهم وتأمين حاجياتهم التي تعتبر من أبسط حقوق الإنسان.

وبالعودة الى الكلام عن الأعراس، وعن الأشخاص الّذين قرّروا المضِيّ قِدَماً بهذا الحدث وعدم تأجيل زفافهم رغم كل الظروف، فنلاحظ أنهم ينتمون لفئات إجتماعية ميسورة أو لأنّهم سبق وأسّسوا لحياة مستقبلية في وقت سابق، أو لأنهم ذهبوا مع الحلّ الصعب وهو السكن مع الأهل.

وقدّ أكّد الإختصاصيون أن هذه التجربة قد تنجح في بعض الحالات بغضّ النظر عن النقص الذي قد تعاني منه الحياة المشتركة للزوجين، الّا أنّه في كثير من الحالات إنّ الزواج في ظلّ هذه الأوضاع يتعرّض لضغوط كبيرة ولا يصمد طويلاً بسبب إختلاف الآراء ووجهات النظر والتدخُلات في الأمور الخاصة من قبل كل من الفريقين: الزوجان والأهل، فتدخل الخلافات الى البيت وفي بعض الأحيان يضطرّ الزوج الى أخذ موقف حياديّ بين “الحمى والكنّة” ممّا قد يُؤدّي الى تفاقم الخلاف وزيادة حدّته.

 إنّ إحياء هذه المنظومة الإجتماعية القديمة التي كانت سائدة في الأيام السابقة حيث كان التعايش أسهل ومألوف وأيضاً كان ضرورة ملحّة حتّى يتوصّل الشريكان للمِضيّ في حياة مُستقِلّة، أمّا اليوم فقد تغيّرت عقلية الشبّان الذين إعتادوا على الإستقلالية وباتوا يسْعَوْنَ الى الإنفصال عن الأهل بأسرعِ وقت ممكن لتفادي التدخّل في خصوصياتهم وقراراتهم ويومياتهم، وأصبحوا يريدون الحريّة بما فيها القدرة على الحكم الذاتي وخاصّة فيما يتعلّق بالناحية المادية. وعندما أصبح هذا الأمر صعب البلوغ، كما يحصل في لبنان، ينتُج عنه الهجرة العائلية لتأمين مصدر الرزق، أو هجرة ربّ البيت، وهذا من شأنه أن يخلِق تحدّيات أُسريّة لها مفاعيل مهمّة على استمرارية إستقرار العائلة وعلى إكتفائها وسعادتها.

وما هي السعادة سوى التمتّع بالصحّة والقدرة على التواصل الإجتماعي مع الأصدقاء والأقارب وتبادل الأحضان والإختلاط بالسعداء، والنجاح في فرص العمل، والشعور بالبحبوحة والأمان، والتحكّم في أفكارنا ومشاعرنا وانفعالاتنا قدر الإمكان؟؟

ولكن للأسف الشديد حتى لو تجنّبنا عرض نظرة تشاؤمية إزاء هذا الموضوع، الّا أنّ الواقع يفرض نفسه، فكل هذه المقوِّمات غير متوفّرة لللبناني، إمّا بسبب الضائقة الماديّة الخانقة التي تشهدها البلاد أو بسبب الأوضاع السياسية التي تأخذ الجميع الى الهاوية والى حفرة لا قاع لها. فلم تكفي جائحة الكورونا التي أحزنت العديد من العائلات وأوجعتها ووضعت العديد منها في دائرة الخطر وأيضاً دفعت غالبية الأشخاص للإنعزال الإجتماعي وتوقّي أشدّ درجات الحذر عند التواصل مع الآخرين.

وعلى الرغم من أنّ السعادة يمكن تطويرها بالممارسات اليومية على مدار الوقت، الّا أنها مرتبطة شِئْنا أمّ أبيْنا بالظروف الراهنة. ونظراً “للجوّ المشحون والظرف المرهون”، تنحسِر فرص بلوغها على الرغم من نسبيتها ونظرة بعض الناس اليها بطريقة معتدلة وواقعية.

لا بدّ من القول أنّه ما من أمل قريب المدى لللبنانيين سوى بأعجوبة، فهل نؤمن بالعجائب؟ ليس لدينا سوى قدرة الخالق الذي خلق لنا هرمون الكورتيزول الذي تفرزُه الغدّة الكظرية والذي من شأنهِ أن يُنظِّم وظائف الجسم ويُنشّط دورة الدمّ وأداء القلب ويُحسّن الجهاز المناعي والحالة المزاجية لدى الإنسان عند التعرُّض للضغط والتوتُّر الشديد وبذلك يمكن للجسم والعقل مواجهة الظرف الراهن والتحدّيات القائمة وفي النهاية لا شيء يبقى على حاله.

وكما قال الإمام الشافعي:

” يا صاحب الهمّ إنّ الهمَّ منفرجٌ

أبشر بخيرٍ فإنّ الفارجَ الله

…إذا بليت فثقْ بالله وارضَ

ما لك غير الله من أحد

فحسبك الله في كلّ لك الله”