كتاب الإمام علي ع وعهده إلى مالك الأشتر…وإلى كل مالك بعده

كتاب الإمام علي ع وعهده إلى مالك الأشتر…وإلى كل مالك بعده

بقلم: فرح موسى

يقول الحق علي بن أبي طالب ع لقول رسول الله ص:”الحق مع علي، وعلي مع الحق.”.فالحق يدور معه حيث دار،وقد قال الحق وتم الكلام صدقًا وعدلًا،قال:”ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء،وأقل معونة له في البلاء،وأكره للإنصاف،وأسأل للإلحاف،وأقل شكرًا عند الإعطاء،وأبطأ عذرًا عند المنع،وأضعف صبرًا عند ملمات الدهر،من أهل الخاصة،وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء أهل العامة.فليكن صغوك معهم وميلك إليهم…”.فالحق يقول:إن أهل الخاصة ممن تورموا بالفساد والإفساد لا يعوّل عليهم في نصرة الدين ولا في جهاد الأعداء،فهؤلاء كانوا مشكلة علي ع في زمانه ولم يتقرب منهم أبدًا،بل كان حربًا ضروسًا عليهم لما أحدثوه من فساد في الدين والدنيا،وقد بيّن لمالك الأشتر أن هؤلاء لا يشكلون رافعة لأي نهوض اجتماعي أو سياسي أو حضاري،لكونهم جامعين لمساويء العيوب،ولهذا نجد الإمام يصرف مالك عنهم للاهتمام بالعامة من الناس،وهي الفئة التي يستند إليها في تحقيق الأمن والعزة والنهوض،فضلًا عن كون العامة من الناس هم أهل الحمية والصبر والجهاد.فهذا البند من عهد الإمام ع واضح في دلالته لجهة أن عامة الناس هم الذين يركن إليهم،سواء في تحقيق النصر،أو في حمايته.أما أهل الخاصة،فهم،كما وصفهم الإمام بما لا مزيد عليه؛فحريُّ بكل مَن يدعي الولاية والولاء لهذا الإمام العظيم أن يقتبس من نوره،وأن يأخذ بتعاليمه لإشادة صرح الحق في كل زمان.فأهل الخاصة هم غالبًا ما يكونون أهل فساد،يكنزون الذهب والفضة،ويسرقون أموال الناس،فإذا كان لا بد من وجودهم في مجتمع ما فليكن هذا الوجود مراقبًا ليحال بين هؤلاء وبين أن يكون لهم دور أو وظيفة في إدارة شؤون المجتمع،وقد علمنا أن هؤلاء لا يخلو منهم مجتمع أو دولة أو حزب،ولا يتورعون عن الاستثمار في العزة والكرامة والدماء لحساب قذارة نفوسهم ودناوة مصالحهم!فعلى كل مالك في عصره،إن وجد،وقد وجد ولا تخلو منه أمة،تمامًا كما لم تخل الأرض من حجة،أن يقدم عامة الناس في حسابات الربح والخسارة دونما اعتبار لما قد تمليه مصالح الخاصة،فلا يقال:إن تأسيس الإمام في هذا المجال لاحظ لما ينبغي أن يكون عليه الوضع السياسي أو الاجتماعي،وإنما هو تأسيس واقعي تقوم عليه مبتيات وتحولات كل اجتماع بشري،فكلام الإمام ع له من الواقعية ما يجعل منه أساسًا وركيزة لكل عمل سياسي ناجح،وإلا استحالت العدالة في الأرض،ولم تجرِ على أذلالها السنن،وقام أهل الخاصة بإحباط كل أمل ،كما فعلوا ويفعلون ،في كل واقع يتمتعون فيه بفرص النماء والتمكن لإدارة شؤون العباد والبلاد.إن أهل العامة هم العماد فليكن العمل معهم والميل إليهم لحماية مصالح الأمة،فإذا لم يعمل مالك الأشتر مع هؤلاء فلن تكون لديه قدرة وإمكانية مواجهة الأعداء،وقد تعلمنا من تجاربنا المعاصرة أن الناس الفقراء هم الذين صنعوا حياة الأمة وجعلوها خير أمة بما أتيح لهم من اهتمام وعناية.فهم العدة للأعداء،فلا ينبغي تركهم لبلاءات الدنيا على النحو الذي يذهب بعزتهم وكرامتهم بعد أن استووا على منابر الحق والنور!فأهل الخاصة،كما يقول الإمام ع،لم تؤهلهم الحياة ولا الأديان ليكونوا أهل حظوة وقرار،إذ كيف يكون لهم ذلك وأكثر منابت الفساد والإفساد تعود إلى مرابعهم،فلا حجة لأحد أمام الله تعالى أن يترك العنان لهؤلاء كي يمعنوا في الأرض فسادًا،وقد جعلهم الله تعالى على حد قتل النفوس،كما قال تعالى:”من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا..”.إن الإمام يدعو واليه مالك وكل والٍ ينتمي إلى مدرسة الإمام ع أن يكون على حذر مما يؤسس له هؤلاء في إدارة شؤون المجتمع،وخصوصًا في أوقات الشدة والبلاء وتفاقم الأزمات الاجتماعية،حيث نجد أهل الخاصة دائمًا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير،ويأخذون بعرض هذا الأدنى لتكون لهم مفازة في المال والسلطة،فكيف يمكن لمالك ،لأي مالك،أن يكترث لهؤلاء وهو يعلم أن هؤلاء يقتلون الناس جميعاً بما يؤسسون له من نماذج حياتية تدفع بالناس إلى مزيد من الفقر والمجاعة في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الناس على أشد حالات القوة في مواجهة الأعداء،،..وهكذا،فإن معنى الأخذ بيد العامة يفترض مسبقًا التربص بأهل الخاصة ليحال بينهم وبين محاولاتهم لإدارة شؤون المجتمع،أو لوضع السياسات العامة التي من شأنها التأثير السلبي على توجهات الناس في مواجهة ما يحدق بهم من مخاطر داخلية وخارجية.فأهل الفساد من الخاصة ليسوا هم الذين يركن إليهم بعدما تبين لنا من تجاربهم أنهم يستثمرون في الأديان لتكون لهم وظيفة الهداية والرعاية والقيام بشؤون الناس ،وهذا ما يدعو الإمام الى المنع منه لئلا تتهاوى مصالح الأمة الدينية والدنيوية تحت بروق مطامعهم!فيا مالك الزمان خذ من مالك علي ع ما جعله على سيف عزته،واكتب على جبين الدهر سره؛أنه كان على حد الحرب سيفًا،وعلى نور القلب حبًا،فاستحق الولاية دهرًا.والسلام.