عقدين على اغتيال أبو علي مصطفى

عقدين على اغتيال أبو علي مصطفى

 

بقلم: د.عقل صلاح*

تحل اليوم الذكرى السنوية العشرون لاستشهاد الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (أبو علي مصطفى) الذي استشهد يوم الاثنين الموافق 27آب/أغسطس2001، في مكتبه بالبيرة الذي استهدف بصاروخين من الطائرات الإسرائيلية. إن الهجمة الشرسة من قبل الاحتلال على الشعب الفلسطيني وقياداته من خلال اغتيال الأمناء العامين للتنظيمات واعتقالهم ما زالت مستمرة ومتواصلة. فقد اغتالت إسرائيل الشهيد المفكر فتحي الشقاقي سنة 1995 في مالطا، والشيخ الشهيد أحمد ياسين سنة 2004، والرئيس الشهيد ياسر عرفات سنة 2004، ومئات القادة وآلاف الشهداء، ومازال أكثر من خمسة آلاف أسير فلسطيني وعربي في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

حياته الشخصية والتنظيمية

ولد مصطفى علي العلي الِزبري في 15أيار/مايو 1938، في عرابة، قضاء جنين، اجتاز أبو علي دراسته الأساسية في بلدته، ثم انتقل سنة 1950 مع بعض أفراد أسرته إلى عمان، وبدأ حياته العملية وأكمل دراسته فيها، انتسب إلى عضوية حركة القوميين العرب عام 1955، وتعرف إلى بعض أعضائها من خلال عضويته في النادي القومي العربي في عمان، شارك وزملائه في الحركة والنادي في مواجهة سلطة النظام أثناء معارك الحركة الوطنية الأردنية ضد الأحلاف، ومن أجل إلغاء المعاهدة البريطانية- الأردنية، ومن أجل تعريب قيادة الجيش وطرد الضباط الإنجليز من قيادته وعلى رأسهم جلوب، اعتقل لعدة شهور في نيسان/أبريل 1957 إثر إعلان الأحكام العرفية في الأردن، وإقالة حكومة سليمان النابلسي ومنع الأحزاب من النشاط، ثم أطلق سراحه، ليعاد اعتقاله بعد حوالي أقل من شهر وقدم لمحكمة عسكرية بتهمة مناوئة سلطة النظام والقيام بنشاطات ممنوعة والتحريض على سلطة النظام وإصدار النشرات والدعوة للعصيان، وصدر عليه حكم بالسجن لمدة خمس سنوات أمضاها في معتقل الجفر الصحراوي، وتم إطلاق سراحه في نهاية عام 1961، وعاد لممارسة نشاطه في الحركة وأصبح مسؤول شمال الضفة التي أنشأ فيها منظمتان للحركة “الأولى عمل شعبي، والثانية عسكرية سرية”، وفي عام 1965 ذهب بدورة عسكرية سرية في مدرسة أنشاطي الحربية في مصر، وعاد منها ليتولى تشكيل مجموعات فدائية، وأصبح عضوًا في قيادة العمل الخاص في إقليم الحركة الفلسطيني، اعتقل إداريًا لعدة شهور في سجن الزرقاء العسكري في حملة واسعة قامت بها المخابرات الأردنية ضد نشطاء الأحزاب والحركات الوطنية والفدائية في سنة 1966، وأطلق سراحه بدون محاكمة.

قيادة الكفاح المسلح

في أعقاب حرب حزيران الـ1967 قام وعدد من رفاقه في الحركة بالاتصال مع الدكتور جورج حبش لاستعادة العمل والبدء بالتأسيس لمرحلة الكفاح المسلح، وكان هو أحد المؤسسين لهذه المرحلة ومنذ انطلاق الجبهة الشعبية، قاد الدوريات الأولى نحو فلسطين عبر نهر الأردن، لإعادة بناء التنظيم وتشكيل ونشر الخلايا العسكرية وإدخال السلاح للضفة والقطاع، وإرسال مجموعات فدائية إلى فلسطين، ودخل خلال تلك الفترة مرتين إلى فلسطين متخفيًا، وكان ملاحقًا من قوات الاحتلال واختفى لعدة شهور في الضفة، وفي بدايات التأسيس تولى مسؤولية فلسطين المحتلة في قيادة الجبهة، ثم المسؤول العسكري لقوات الجبهة في الأردن إلى عام 1971.

وأصبح عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1968، وعضوًا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية ومسؤولًا للشؤون العسكرية فيها عام 1969، وقاد عناصرها المسلحة إبان المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والسلطات الأردنية بين عامي (1970-1971). غادر الأردن سراً إلى لبنان إثر انتهاء ظاهرة وجود المقاومة المسلحة في أعقاب حرب تموز 1971، وانتخب نائبًا للأمين العام للجبهة عام 1972، وتولى مسؤولياته كاملة كنائب للأمين العام حتى عام 2000، وشارك في مقاومة الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، وخرج مع عناصر المقاومة الفلسطينية إلى سوريا. وانتخب في المؤتمر الوطني السادس أمينًا عامًا، وعاد للوطن في نهاية أيلول/سبتمبر1999.

سياسة الاغتيالات

تزخر التنظيمات الفلسطينية بقادة عظام قدموا أرواحهم وأفنوا زهرة شبابهم من أجل فلسطين. فكان للجبهة الشعبية نصيبًا كبيرًا، فالاحتلال يضرب الجبهة بلا موانع إبتداء من اغتيال رأس الثقافة الوطنية غسان كنفاني سنة 1972، وقائد خطف الطائرات الدكتور وديع حداد سنة 1978، وعشرات القادة الشهداء، ليصل سقف الاغتيالات للأمين العام، الذي استطاع تجسيد الروح الكفاحية والوحدوية على المستوى الشعبي والوطني وعلى المستوى الرسمي من خلال علاقاته المتينة مع الرئيس الشهيد عرفات حيث كان أبو علي على يقين وقناعة تامة بأن الرئيس عرفات لا يمكن أن يتنازل عن الثوابت. فعندما حدث لقاء على عجل بناء على طلب من الرئيس أبو علي مصطفى، وعاد الرفيق إلى مكتبه وكتب للمكتب السياسي بأن الرئيس عرفات لايمكن أن يحمل القلم ويتنازل عن الثوابت الوطنية مهما كلف الثمن حتى لو قتلوه. فبعد أن رفض الرئيس عرفات التنازل والتوقيع بدأ مسلسل الاستهداف، وصولًا لتصفيته جسديًا.

نجاة أبو علي من محاولتين للاغتيال

الحادثة الأولى، حدثت عند خط الغور قرب القواعد العسكرية الفلسطينية، حيث كان أبو علي مصطفى يقود مركبة من منطقة كريمة إلى منطقة الشونة الجنوبية، تعرض لقصف مدفعي عنيف، حتى أن أفراد الموقع الذي وصل إليه ذهلوا من وصوله سالمًا، فأخبرهم أنه اختبأ في حقل موز ومشى بسرعة كبيرة والقذائف تتساقط حوله.

أما الحادثة الثانية، فكانت في بيروت، حيث انضم أحد المتطوعين للثورة وكان يعمل على حاجز تفتيش قريب من منزل أبو علي، قام العميل بادخال سيارة لكراج تجليس أسفل البناية التي يقطن فيها أبو علي، وبعد أن اطمأن أخرجها وتم تفخيخها وإعادتها للكراج، مما أثار الشبهات، وتم التحقيق معه واعترف بنيته تفجير البناية بناء على طلب ضابط المخابرات الإسرائيلي أبو جعفر.

عنوانًا للوحدة الوطنية

كان أبو علي يحظى باحترام وشعبية واسعة ليس فقط من قبل التنظيمات الفلسطينية وإنما من قبل عامة الشعب. يتصف الرفيق بالصدق والبساطة والتقشف، فكان يذهب لسوق الخضار ليشتري بنفسه، وكان يسير في الشارع بدون مرافقين. وفي مرة خرج المرافقين معه وهم يحملون السلاح، اعترض قائلا ” أنا ليس عندي مشكلة مع الشعب، وهذا السلاح لامبرر له أبدًا فالاحتلال عندما يريد الوصول لنا لا أحد يمنعه”.

هذا هو القائد الوحدوي الذي قدم حياته للوطن، كان يقول للرفاق عندما يطلبون منه الاختفاء “تبقى من عمري ثلاث سنوات أعطيها للشعب ” ملغيًا بهذه المقولة سنين حياته الستين في العمل الثوري الشاق.

أبو علي مصطفى إنسان متواضع بكل شيء، قنوع يعيش حياته بتقشف يطلب قبل نهاية الشهر سلفة من أجل استكمال باقي الشهر، راتبه لايتعدى راتب موظف عادي في أي مؤسسة، وبيته مستأجر وحياته بسيطة، القائد الشعبي البسيط الحاسم الصارم يختلف بكل شيء عن القادة الفلسطينيين يطبخ بغياب زوجته ويرتب البيت، لايوجد عنده خدم وحشم، كل شيء عنده في مكانه، أنيق ومنظم ووقته موزع بدقة ولايحب إلا الجد والاجتهاد، دقيق في مواعيده، يسأل عن الرفاق وأهاليهم والمطاردين وأحوالهم ويتصل مع أهالي الشهداء، وعندما تنتهي المكالمة يبكي، إنه مدرسة بكل شيء، والعلاقات السياسية ركيزة في حياته.

كان أبو علي على يقين بأن الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين هي المقاومة بكافة أشكالها، فخطه السياسي كان واضحًا حيث كان معارضًا لاتفاق أوسلو العبثي، إلا أنه كان يدعو للمحافظة على منظمة التحرير ويطالب بإعادة بنائها على الأسس والثوابت الوطنية. وكان قائدًا وحدويًا تربطه علاقات طيبة مع كافة القوى والفصائل الفلسطينية وبالأخص مع الرئيس عرفات.

الحكيم

وبمناسبة الذكرى الـ20 لاستشهاد أبو علي سأتناول نبذة مختصرة عن أمناء الجبهة العامين– مثلث النقاء الثوري- عن حكيم الثورة الفلسطينية والشهيد أبو علي مصطفى والأسيرالقائد الثوري أحمد سعدات. إن الكتابة عن هذا المثلث الثوري لاتفي بحقهم، أخط هذه السطور بناء على تجربتي وعملي المباشر مع الشهيد أبو علي والأسير سعدات ومن خلال الاتصال مع الحكيم بحكم عملي، إضافة لما كنت أسمعه واطلع عليه بخصوص الحكيم. فحكيم الثورة هو الذي جسد وشق مفهوم الوحدة الوطنية وأسس دعائم العمل الوطني وأعطى الدروس في ذلك، ولعل حادثة تمثيل الثورة الفلسطينية خير مثال، حيث طلب من الحكيم إلقاء كلمة الثورة الفلسطينية بظل وجود القائد ياسر عرفات، إلا أن الحكيم عندما صعد للمنصة في قاعة اليونسكو في بيروت قال جملته الشهيرة “إن كلمة الثورة الفلسطينية……..لايلقيها إلا أخي ورفيق دربي قائد الثورة الفلسطينية ياسرعرفات”، هذا هو الحكيم الذي خط مع رفاقه النهج الثوري والوحدوي، حكيم الثورة الذي تعرض للعديد من محاولات الاغتيال والخطف من قبل الاحتلال والمضايقة والاعتقال من قبل الرجعية العربية. الحكيم الذي قدم الاستقالة الطوعية ليكون الأمين العام الفلسطيني الأول الذي يتنازل طوعًا عن ترأس الحزب من أجل فتح المجال أمام القيادات الشابة في قيادة الجبهة. الحكيم الذي قدم استقالته وبقي بقلب الجبهة والوطن يتابع ويتصل ويطمئن على الجبهة والرفاق والوطن والشعب وأخبار المقاومة والأسرى والعدوان على القطاع الحبيب. وقد اتصل الحكيم في يوم من الأيام في الصباح الباكر قبل خروجنا إلى المكتب وطلب من الرفيق أبي علي الحذر وأن يفكر جديًا بما يطلبه الرفاق -الاختفاء- ولكن الضحكات تعالت ورد عليه أبو علي بأن أخبارنا ستكون مفرحة وسنلقن شارون درسًا قاسيًا إذا أقدم عليها، فالجبهة لاتفرط بقادتها.

الأسير

القائد أحمد سعدات الذي اشتهر بمعادلته الشهيرة “العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس” الذي أطلقها في ذكرى التأبين. هذا هو سعدات الذي كان يسير في شوارع رام الله وكل أجهزة العالم تلاحقه كان لايحسب حساب لهم وكل همه الجبهة أن تكون عند حسن ظن الشعب. سعدات الذي قبل ما لايقبله أي مسؤول تنظيم في العالم، قبل الاختفاء والاعتقال من أجل إعلاء صوت الوطن، وأقسم برد الاعتبار للجبهة الشعبية والوطن، سعدات الذي شكل مدرسة ثورية ووحدوية وأخلاقية في السجون وكان ومازال قدوة الاسرى ومعلمهم. لقد أعطى الاحتلال درسًا قاسيًا عندما أضرب مع رفاقه لمساندة إضراب أسرى حركة فتح حيث وجه طعنة لإدارة السجون التي حاولت الالتفاف على قيادة الإضراب بالتفاوض معه، فكان موقفه منطلق من منظور وحدوي هدفه الحفاظ على وحدة أسرى فتح بأن هناك قائدًا للإضراب تفاوضوا معه واسمه مروان البرغوثي تعرفوه جيدًا، مجسدًا بذلك نهج الحكيم وأبو علي في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية.

هذا هو سعدات هو أول أمين عام في عهده يتم تصفية وزير إسرائيلي، والأمين العام الوحيد الذي اعتقل في سجون السلطة الفلسطينية، وبقيت بوصلته موجة نحو الاحتلال على الرغم من تجرعه مرارة الموقف الفلسطيني الرسمي للسلطة.

اغتيال رحبعام زئيفي

لقد تمادت إسرائيل في اغتيالاتها للمناضلين الفلسطينيين والعرب في الداخل والخارج، ولم يمس أحد من قادتها. ولكن عندما رفعت إسرائيل مستوى الاغتيال ليصل للرجل الثاني في منظمة التحرير كانت قد وجهت ضربة قوية ليس فقط للجبهة بل للشعب الفلسطيني ولقيادته، ففي 17 تشرين أول/أكتوبر 2001 قامت خلية تابعة لكتائب أبو علي مصطفى باغتيال زئيفي بمسدس كاتم للصوت في أحد فنادق القدس المحتلة، ثأرًا لدماء الشهيد أبو علي بعد حوالي شهرين على اغتياله من قبل قوات الاحتلال. فبهذه العملية رفعت الجبهة من سقف استهدافها، وكسرت معادلة حصانة قادة دولة إسرائيل، فلو طبقت قاعدة سعدات “الرأس بالرأس” من قبل الفصائل الفلسطينية لفكرت إسرائيل مليون مرة قبل اغتيال قيادات الشعب الفلسطيني.

ويرى سعدات في عملية اغتيال زئيفي بأنها عملية وإن كانت غير مسبوقة فإنها جاءت استمرارًا لمنهج الجبهة الكفاحي وردًا على اغتيال الأمين العام، والإنسان الرمز، والوطني، والقومي. مضيفًا بأنه لم يكن بالإمكان السكوت دون رد نوعي يعيد الاعتبار للجبهة وشعبنا وأمتنا، فقد كان الذراع العسكري للجبهة بمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه، فهذه العملية النوعية أعطت دفعة معنوية هائلة لشعبنا ولقوى المقاومة.

*كاتب فلسطيني وباحث مختص بالحركات الأيديولوجية