حكمة خراسان تكبح جماح التطرف في أفغانستان

حكمة خراسان تكبح جماح التطرف في أفغانستان

 

 

بقلم: د. روح الله إسلامي* – ترجمة: مصعب محمد التميمي |

 كانت أفغانستان منصة لمسرحية قوة عظمى، حيث تمت ممارسة نظام جديد لتشكيل حكومة القرن الحادي والعشرين بقيادة الولايات المتحدة، وبعد عشرين عامًا سحبت الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان، وسرعان ما احتلت حركة طالبان المزيد من الأراضي من مدينة إلى أخرى، لقد خلقت السرعة الخاطفة لاحتلال الأحياء والمدن من دون مقاومة قوية مستقبلًا غامضًا لأفغانستان. لذا فإن الحركة الإرهابية التي عايشت سابقًا تاريخًا من الحكم من دون شرعية محلية ودولية أصبحت الآن جاهزة للخضوع لمراجعة تقنية للإمارة الإسلامية، فسقطت المناطق الحدودية لإيران (فرح وهرات) في أيدي حركة طالبان وإمارة أفغانستان الإسلامية بآليات الجهاد والولاء والدوافع الكبيرة لهزيمة سكان إيران الدولة المجاورة لها، الذين تكفرهم “طالبان”.

1. عودة فترة ابن خلدون

لطالما كانت إيران مفترق طرق لقبائل (البيانگرد)، ولا يمكن لأي قوة إيقاف القبائل البدوية إذا اتحدت، إن هذه القبائل البدائية التي اعتبرت المدن علامة على الخطيئة واستخفافًا بالوصايا الإلهية، واعتبروا أي معاملة لها مشروعة.

كان عامل انتصار البدو على التمدن في ثلاثة مكوّنات: أولاً : هناك الخصائص الدموية والعرقية والقبلية التي وحدت الجماعات المجتهدة والشجاعة، وساعد التضامن القبلي والدعم في التغلب على مشاكل محاربي الصحراء.

ثانياً: هو المعتقدات المتعالية التي ظنوا أنها حظيت بموافقة إلهية، وبفكرة بسيطة، فاعتقادهم بأن الله هو المعين دائمًا والجنة هو المكان الذي ينتظرهم.

أخيرًا: إن الغنائم تجذب البداوة التي بهم، وفي عجلة من أمرهم، الى الحديقة والبيت والحياة وإنجاب أولاد فيبنون جنتهم على الأرض لا في الآخرة، فقد شكلت الروابط القبلية والمعتقدات الدينية والغنائم في حركة طالبان، وهي مجموعة من الجماعات الإرهابية عامل تقدمهم. الهياكل القبلية والتراكيب العصبية هي نفس الشكل والمحتوى التحليلي الذي يستمده ابن خلدون من دورة المجتمعات البشرية الحضارية. وحتى الآن، فإن الشعب الأفغاني محاصر من قبل الأعداء، والعصبية القبلية تجتاح المدن بسرعة كبيرة وبتحفيز.

2. فشل بناء الأمة – الحكومة

يتم كسر دائرة ابن خلدون من خلال زيادة عدد المتعلمين، وخلق طبقة وسطى وإضافة الديمقراطية إلى البيروقراطية، والسيطرة على سلطة القبائل والعشائر، وتشكيل مجتمع حزبي ومدني ونشر سيادة القانون، وإفساح المجال للدولة القومية الحديثة، استمرت نظرية ابن خلدون لعدة قرون بسبب استمرار الهياكل البدوية والهياكل القبلية، وحتى أصبحت حكومة ترويض وإنسانية ومدنية، تم إسقاطها من خلال توحيد القبائل البدائية من جديد. ومع تشكيل التقنيات الجديدة وهجوم الولايات المتحدة وحلفائها، تم تشكيل بناء أمة جديد وفقًا لعصر المعلومات والتقدم الحضاري في أفغانستان، فتم إنشاء طرق النقل، وتمكين المرأة سياسياً واجتماعياً، وتطوير الجيش والبيروقراطية الوطنية، وصنع السياسات الحديثة، فظهر المجتمع المدني والإعلام الحر. وفجأة تغير مستوى تحليل الأحداث السياسية في أفغانستان من نظريات ابن خلدون إلى الأفكار السياسية للفيلسوف جون ستيوارت ميل.

استند هذا النظام الجديد إلى سياسة عرقية وطائفية، بدلاً من أن يتجذر داخليًا ويعود إلى نزعته القبلية فأصبحت هناك القدرة على خلق تقارب سلمي بين القبائل والطوائف لكن العلاقات تدهورت مع دول الجوار. وأصبحت الحكومة في نهاية المطاف متورطة في الجدل وأحبطت القرارات الوطنية. تدريجيًا يتم استبدال حكومة بناء الدولة القائمة على الجدارة وسيادة القانون واحترام الأقليات بالفساد المنهجي والنزاعات اللغوية والدعم العرقي، لتعود في مثل هذه الأوضاع الى التوتر.

وبحسب فكر ابن خلدون، تعود للظهور في تحالف الجماعات الأصولية التي تصادف أن تكون محور الحكومة المركزية والولايات المتحدة واكتسبت الشرعية في استجواب محادثات السلام.

3. صعود اللواء الإسلامي

لقد قفز عملاق الأصولية من الزجاج وأصبح إمارة إسلامية على شكل حركة جبلية وشريرة من قطاع الطرق، فتاريخياً التقدم السريع في التأريخ البطولي سيضيف إلى الغزوات هزائم بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وأيديولوجيتهم التوسعية.

وعلى الرغم من أنهم تفاوضوا على السلام مع جيرانهم والقوى الدولية والإقليمية الكبرى، سيتم تشكيل اللواء الإسلامي في أفغانستان تحت اسم “الإمارة الإسلامية”، وعلى الرغم من أنهم حاولوا في البداية ترديد شعارات تعديلية وإعلان عفو عام باسم الأمن والسلام ومحاربة الفساد، بمجرد تولي البيروقراطية والجيش زمام الأمور، إلا أنهم سيمارسون سلطتهم في المجتمع ومن ثم ضد دول الجوار، حيث لا تعتبر عملية التنفيس الإسلامي مهمة سهلة في بلد تتمتع فيه الأمة بخبرة مدرسية وجامعة، وهي على دراية بالإنترنت والشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الحرة. ولا يمكن أن تكون مثل حكم الفترة السابقة، ففي خطوة تقنية تخفي الإمارة الإسلامية أهدافها الاستراتيجية، ولكن بمجرد إنشائها، ستعمل على اللغة الفارسية والفن والثقافة الإيرانية وإنجازات الشباب والنساء، وستؤدي متطلبات اللواء الإسلامي خطاب الإمارة إلى التنازل من أجل الحصول على السلطة الكاملة.

ولكن على عكس مؤتمر بون، فمن نتائج اجتماع الدوحة، أن الإجماع الاجتماعي لصياغة الدستور وكذلك آلية الانتخابات غير معترف به وبدلاً من ذلك الولاء وتنفيذ الأحكام يعتبر الإسلام الأصولي أمراً خالياً منه.

4. الحدود مع إيران

على الرغم من أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان سيقلل من مخاطر الهجوم المباشر وتهديد القواعد الأميركية ضد إيران، إلا أن عملية الانتقال وخاصة في فراغ السلطة الذي تم تشكيله، إذا كانت الدبلوماسية الإيرانية سلبية وتجاهلت الحكومة والشعب الأفغانيين. لذا ستصبح الإمارة الإسلامية جارة مهددة لإيران بجذورها الأيديولوجية والعرقية، حيث إن خراسان تمثل مصدر شروق الشمس والقاعدة الشرقية لإيران، وتمتد من هرات إلى بلخ وسمرقند ونيشابور وسيستان. إن الإمارة الإسلامية غير متوافقة مع الثقافة الخراسانية والإيرانية من حيث المضمون، وبساطتها البدائية

القبلية تقود حياة الشعب الأفغاني إلى فترة مظلمة. إن دائرة الحماية للغة الفارسية والثقافة الشيعية والأدب الإيراني، التي لها حضور قوي ومتعاطف في الثقافة الإيرانية العظيمة، سوف تتضاءل مع صعود حركة طالبان واستمرار احتلالها للمناطق.

واذا ما نظرنا في حالة الدبلوماسية النشطة ودعم الرأي العام وحكومة أفغانستان والسياسة الخارجية المتوازنة، كان من المفترض أن تحافظ إيران على هرات مثل الحفاظ على حياتها وممتلكاتها ومعالمها التاريخية ومنع احتلالها. وبالنظر إلى السياسات المرتبطة بالقلعة وقلة الاهتمام بالثقافة الفارسية واستبعاد إيران من محادثات السلام، يمكن فقط من خلال الدبلوماسية النشطة منع ظهور الأصولية الإرهابية حول حدود إيران.

إن حكمة خراسان من نظام الملك إلى الجويني، ومن فردوسي إلى خاجة نصير الدين الطوسي، عملت على ترويض الأوائل وتعليمهم، والآن مهمة إيران هي نفسها. الحل هو المشاركة الفاعلة في عملية السلام ودعم صياغة عقد دستوري بآلية انتخابية، وإلا سيكون في شرق البلاد الإيرانية لواء إسلامي بعصبية عرقية، الأمر الذي يخلق العديد من المشاكل الأمنية. سيؤدي الولاء والإمارة الإسلامية إلى إبادة جماعية وتغيير عرقي وفصل الشعب الأفغاني عن إيران.

ومن الناحية العقلانية والدينية والإنسانية، يجب أن تكون أفغانستان على رأس أولويات سياسة إيران الخارجية، التي يمكن بالحكمة والمعرفة تغيير اتجاه هذه اللعبة الخطرة.

*أستاذ العلوم السياسية في جامعة فردوسي في مشهد.