“يديعوت أحرونوت”: مسيرة الأعلام يمكن أن تخرّب ترميم العلاقات مع إدارة بايدن

“يديعوت أحرونوت”: مسيرة الأعلام يمكن أن تخرّب ترميم العلاقات مع إدارة بايدن

شجون عربية _ بقلم: رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي

  • في المؤسسة الأمنية يقدّرون أن الأحداث المضطربة المرتقبة هذا الأسبوع في القدس يمكن أن تؤذي العلاقات التي يجري العمل على إعادة بنائها بين إسرائيل وإدارة بايدن. وبالاستناد إلى مصدر أمني رفيع المستوى، تتخوف الولايات المتحدة من مسيرة الأعلام، ومن أحداث أُخرى يمكن أن تؤدي إلى تأجيج مشاعر الفلسطينيين، وأن تعرّض للخطر وقف إطلاق النار الهش بعد عملية “حارس الأسوار”، الذي وظفت الولايات المتحدة جهوداً كبيرة من أجل التوصل إليه. خلال الزيارة القصيرة التي قام بها وزير الدفاع بني غانتس في نهاية الأسبوع إلى واشنطن، أوضح له مضيفوه اهتمامهم بإعادة بناء علاقات ثقة بين إسرائيل والولايات المتحدة والفلسطينيين، وليس مفاقمة المواجهات، ومن المعقول الافتراض أنه إذا تصرفت إسرائيل بخلاف رغبتهم، فإنها يمكن أن تخرّب العلاقات مع إدارة بايدن.
  • بشأن كل ما يتعلق بعملية “حارس الأسوار” في قطاع غزة وما تلاها، وجد غانتس في واشنطن تفهماً كبيراً لحاجات إسرائيل الأمنية ورؤيتها للخطوات المقبلة بشأن الموضوع النووي الإيراني. وأوضح وزير الدفاع الأميركي أيضاً التزام إدارة بايدن، مثل سابقتها، بالمحافظة على التفوق النوعي -العسكري الإسرائيلي في مواجهة التهديدات الإقليمية وإيران ووكلائها ومجموعات مسلحة أُخرى. المؤشر إلى ذلك استعداد الولايات المتحدة لإعطاء إسرائيل ما تريد في مجال السلاح الدقيق، الجوي والبري.
  • كما أشار غانتس إلى التزام إدارة بايدن بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد صواريخ تُطلَق عشوائياً من غزة على مواطنين إسرائيليين. وهذه إشارة واضحة إلى أن إدارة بايدن لا تؤيد تلقائياً كل عملية عسكرية تقرر إسرائيل تنفيذها. التأييد الأميركي مضمون فقط عندما تتحرك إسرائيل للدفاع عن نفسها ضد اعتداءات تستهدف جبهتها الداخلية المدنية والمواطنين العزّل. في مثل هذه الحالة ستقدم الولايات المتحدة لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً ومعنوياً أيضاً كما فعلت في العملية الأخيرة. لكن ما لم يُقَل – والذي لا يقلّ أهمية – هو أن تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل ليس في جميع الحالات وليس من دون شروط، وهذا مثير للاهتمام.
  • وزير الدفاع الأميركي كرر طبعاً تعهُّد الرئيس بايدن ملء مخازن المنظومة الاعتراضية لصواريخ القبّة الحديدية مجدداً، والذي نقص في الجولة الأخيرة، لكنه لم يتعهد تأييد الشروط التي وضعتها إسرائيل لإعادة إعمار غزة (المحافظة على الحد الأدنى من الوضع الإنساني في غزة، والرد بضراوة على كل خرق لاتفاق وقف إطلاق النار من طرف “حماس” والتنظيمات الأُخرى في القطاع، واشتراط إعادة إعمار غزة بحل قضية الأسرى والمفقودين، وتعزيز السلطة الفلسطينية).
  • في المقابل، حرص وزير الدفاع الأميركي على أن يوضح للحكومة الحالية في القدس، وأيضاً للحكومة المقبلة، أن بايدن يؤيد حل الدولتين، لكن أوستين شدّد على أن هذا يمكن أن يحدث فقط بعد عملية متواصلة من بناء الثقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيين. بحسب أوستين، ليس لدى الولايات المتحدة رغبة في الضغط على إسرائيل في مسألة حل النزاع، لكن ذلك يمكن أن يحدث في المستقبل.
  • لقد تجاهل غانتس كلام أوستين الواضح على ما يبدو كي لا يمس بفرص تأليف حكومة التغيير مع بينت وساعر. في الوقت عينه اقترح غانتس على الأميركيين تعلّم الأساليب التي استخدمتها إسرائيل في غزة ونجحت بواسطتها في ضرب الأهداف الاستراتيجية لـ”حماس” بدقة، مع التسبب بأقل ضرر ممكن للسكان الأبرياء. في نهاية الاجتماع لمّح أوستين إلى أن إدارة بايدن تؤيد بصورة غير مباشرة الحكومة الجديدة التي ستؤلَّف وتتمنى لها النجاح. غانتس الحذِر قال شكراً، مكتفياً بذلك.
  • السبب الأساسي لدعوة غانتس هو على ما يبدو الانطباع لدى كبار المسؤولين الأميركيين بأن الاتفاقات النهائية مع الإيرانيين تقترب، والولايات المتحدة تريد حماية نفسها من الناحيتين السياسية والعسكرية. وبينما تدرك إسرائيل أن إيران والشرق الأوسط لم يعودا على رأس سلّم أولويات واشنطن، تتخوف إدارة بايدن من الانتقادات التي ستوجَّه إليها من جانب أنصار الحزب الجمهوري الذين يعارضون عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب. لإحباط هذه الانتقادات يريد بايدن أن يثبت أنه تشاور مع إسرائيل وأخذ برأيها في أثناء المفاوضات الدائرة في ڤيينا بشأن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران. السبب الثاني لهذه الدعوة هو إدراك الولايات المتحدة أن لدى إسرائيل قدرات عملانية واستخباراتية تسمح لها بتصعيد التوتر في الخليج الفارسي وتحدّي الإيرانيين، الأمر الذي يمكن أن يمس بالمفاوضات الدائرة بوساطة من الاتحاد الأوروبي.
  • الأميركيون يريدون مفاوضات سريعة، وبعد الانتخابات الرئاسية في إيران في 18 حزيران/يونيو الجاري يتخوفون من أن يضع الرئيس المقبل- في حال فوز المرشح المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي- عراقيل في وجه الاتصالات. الهدف الثالث للأميركيين هو إجراء محادثات نزيهة مع إسرائيل قبل إنهاء الاتفاق من دون التعهد أنهم سيقبلون مشورة إسرائيل التي تتخوف من بنود خفية في الاتفاق الذي يجري العمل عليه تمس بأمنها.
  • المفاجىء كان غانتس الذي أوضح لنظيره الأميركي لويد أوستين ولوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن إسرائيل لا تعارض – بالتأكيد ليس علناً – استئناف الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، بل تطالب فقط بإدخال تحسينات وتعديلات تجعله أفضل وأكثر نجاعة وأقل عرضة لخرق القيود المفروضة على التطوير النووي والصواريخ، مسألةٌ الإيرانيون خبراء فيها. مع ذلك أضاف غانتس تحفظاً يتفق فيه مع تصريح بنيامين نتنياهو في الأسبوع الماضي وهو أن إسرائيل ستواصل العمل بصورة مستقلة لإحباط المشروع النووي الإيراني وضربه حتى بعد التوصل إلى اتفاق بين الدول العظمى وبين إيران.
  • قال غانتس في تصريحاته العلنية بعد الاجتماع بوزير الدفاع الأميركي إن “إسرائيل ستواصل تطوير قدرات تسمح لها بالدفاع عن نفسها في ضوء خطورة التهديد”، وهو بذلك يلمّح إلى الولايات المتحدة بأنها إذا لم تعط إسرائيل ما تريده في المجال الأمني المتعلق بإيران، فإن إسرائيل ستفعل ذلك بنفسها. لكن في الوقت عينه أكد غانتس لمحاوره إنه بعكس نتنياهو (وأيضاً حكومة التغيير التي ربما ستؤلَّف في إسرائيل) ينوي إجراء حوار مع الإدارة الأميركية على الرغم من عدم الاتفاق معها، من دون وسائل إعلام، ومن دون خطوات تحريضية.
  • وتعهد غانتس بـ”حوار مفتوح داخل أبواب مغلقة” لا يحرج الإدارة الحالية ولا يقدم ذخيرة لخصوم بايدن السياسيين. لا شك في أن المواقف التي عبّر عنها غانتس في واشنطن تم تنسيقها مع نتنياهو الذي وافق على ما يبدو على وقف المواجهة الصاخبة والإعلامية مع إدارة بايدن. من المحتمل أيضاً أن هذه هي النصيحة التي قدمها له رئيس الموساد المنتهية ولايته يوسي كوهين الذي يؤيد أيضاً تخفيف التصعيد مع الولايات المتحدة ولا يرى فائدة من معارضة جارفة لاستئناف الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران. يدرك كوهين، بحسب المقربين منه، أن من الأفضل الآن تحسين الاتفاق لا محاولة إلغائه. ومن المعقول أنه جرى تبليغ لبيد وبينت بالمواقف التي سيعرضها غانتس في واشنطن ووافقا عليها.
  • وزير الدفاع الأميركي لويد أوستين لم يخفِ الخلافات في الرأي بين الإدارة الأميركية الحالية في واشنطن وبين إسرائيل. وقال في تصريح له بعد محادثاته الطويلة مع غانتس إنها كانت “محادثات بناءة وصريحة”، اختار تحديداً كلمة frank التي تدل في اللغة الدبلوماسية على الاختلاف في الآراء بين الطرفين.
  • يظهر من كلام أوستين وجود خلافات بين الإدارة الأميركية الحالية وبين الحكومة الإسرائيلية الحالية في نقطتين مركزيتين: الأولى تتعلق بإيران – الأميركيون استمعوا وسجلوا ملاحظات غانتس ويوسي كوهين ومائير بن شبات المتعلقة بالاتفاق الآخذ في التبلور في ڤيينا – لكنهم لم يتعهدوا الأخذ بها وتطبيقها. أحد المطالب الإسرائيلية التي طُرحت منع تصنيع صواريخ قادرة على حمل رأس حربي نووي، وهذا اقتراح إسرائيلي من عدة اقتراحات لتحسين الاتفاق مع إيران لم يتعهد الأميركيون الموافقة عليه. ويبدو أنهم عرضوا على غانتس مسودة الاتفاق الذي جرت بلورته واستمعوا إلى ملاحظاته وملاحظات مساعديه.
  • النقطة الثانية موضع الخلاف تتعلق بالمساعدة الأميركية للقدرات الإسرائيلية لضرب إيران. بخلاف إدارة ترامب وأوباما، اللتين عبّرتا عن استعدادهما الكبير لمساعدة إسرائيل على العمل لإحباط وعرقلة مشروع السلاح النووي الإيراني، فإن الإدارة الحالية في واشنطن ليست مستعدة للتعهد بمساعدة إسرائيل على تطوير قدرات تسمح لها بضرب المشروع النووي الإيراني والصواريخ الإيرانية. وليس المقصود هنا قدرات سرية بل قدرات عملانية وعسكرية تريد إسرائيل التزود بها من الولايات المتحدة في حال قفزت إيران نحو سلاح نووي.
  • سلسلة الاجتماعات القصيرة والمكثفة التي أجراها غانتس في واشنطن سمحت بالتقدير أن الإدارة الأميركية وإسرائيل مهتمتان بفتح صفحة جديدة في العلاقات، وعلى ما يبدو سيكون الحوار القاسم المشترك والأساسي الذي سيجري عليه بناء منظومة العلاقات الجديدة بين واشنطن والقدس. شكلت المحادثات في نهاية الأسبوع الماضي في واشنطن نموذجاً واضحاً عن الطريقة التي بواسطتها تملأ الدبلوماسية العسكرية والأمنية الفراغ الذي تشهده الدبلوماسية التقليدية بعد العداء الواضح بين الإدارة الجديدة وبين نتنياهو.

المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية

شجون عربية