العنف اللفظي أكثر اشكال العنف أذية

العنف اللفظي أكثر اشكال العنف أذية

 

بقلم:  بيسان خلف _ كاتبة وصحفية فلسطينية

وقع تأثير كلمات الآخرين على أنفسنا كثيراً ما يحرك مشاعر سلبية أَو إيجابية داخل نفوسنا، فبعض الكلمات قادرة على جعلنا أناس أكثر نشاط وقوة مندفعين اتجاه تحقيق دوافعنا وطموحاتنا في الحياة، وكلمات أخرى تدمرنا وتأكل أحلامنا، وتترك داخلنا مشاعر سوداء لدرجة تجعلنا غير قاردين على تقبل ذواتنا، مما يسبب لنا الأذى النفسي.

لعل أحد أكبر أشكال الأذى النفسي، يكمن في “التعنيف اللفظي”، اتجاه الأطفال أو النساء، والذي يتمثل بالإذلال، والذّم، والشّتم بألفاظ بذيئة تقلل من شأن الآخر، والتهديد، والرهاب النفسيّ، وكَيلِ الاتهامات له، وقد يكون بدايةً للعنف الجسدي أيضاً، كما يُعد القذف، والتشهير، وتشويه السمعة، والإفادات الكاذبة المُتعمَّدة بحق شخصٍ ما نوعاً من أنواع “العنف اللفظي”.

سنتعرف أكثر في هذا المقال على تجارب شخصية للعنف اللفظي، وما الآثار التي يتركها على الأشخاص بمساعدة أطباء وخبراء في علم النفس، بالإضافة إلى سبل الحد من تلك الظاهرة التي انتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة

العنف اللفظي ضد المرأة

المرأة بحاجة دائمة للكلام اللطيف، سواء كانت أماً أو زوجة أو أختاً أو حتى ابنة، تحب سماع عبارات الإطراء الرقيقة، لكي تصبح أكثر سعادة وإقبالاً على الحياة، وعطاءً في المنزل والعمل.

الطبيب النفسي السوري “جميل ركاب”، تحدث لمجلة شجون عربية، عن آثار التعنيف اللفظي اتجاه المرأة، قائلاً : تعاني المرأة من آثار طويلة الأمد على صحتها النفسية نتيجة التعنيف اللفظي، وخاصة إذا بدأ العنف في مرحلة مراهقتها كونها تكون في هذه المراحلة سريعة التأثر والحساسية اتجاه كلام الآخرين.

وأضاف: التعنيف اللفظي يضاعف من خطر الإصابة بالاكتئاب والاضطرابات النفسية الآخرى، وخاصة مشاكل الرهاب الاجتماعي، لأنها تفقد ثقتها بنفسها بحيث تصبح منطوية على ذاتها وتخشى نظرات المجتمع لها، نتيجة خدش حيائها وغرورها الأنوثي بعبارات بذيئة، وغالبية الفتيات تخاف من اللجوء للطبيب النفسي بسبب قلة التوعية اتجاه الصحة النفسية مما يضاعف المشكلة، ويضاعف الأمراض التي ستعاني منها مستقبلاً.

وتابع: يحتاج علاج العنف اللّفظيّ ضدّ المرأة إلى الكثير من الخبرة والتّدريب من قبل أخصائيي الصحة النفسيّة، لكن معرفة الأسباب الكامنة وراء الاعتداء اللّفظي يساعد كثيراً في العلاج، وهناك بعض  النساء تتقبل الاعتداء اللّفظيّ لأنّها تحب شريكها وتخاف فقدانه، وهنا نأتي إلى حالةٍ نفسيّةٍ مُعقّدة جداً “عندما تحبّ الضحيّة جلّادها”؛ والتي تعود جذورها إلى الموروث المجتمعيّ الخاطئ، الذي عزّز ثقافة الاستكانة والخنوع لدى النساء.

تحدثت إلينا الطالبة في كلية الآثار في جامعة دمشق “نور الحموي”، 25 عاماً (اسم مستعار) عن تجربتها مع العنف اللفظي، قائلة: “داخل عائلتنا المحكومة من قبل السلطة الذكرية تعرضت لشتة أنواع العنف الجسدي منذ الطفولة لمرحلة المراهقة ولم أبالي، ولكن بعد المراهقة أتخذ تعنيف سلطة عائلتنا شكل أخر، تمثل بالشتم بألفاظ بذيئة تخدش حيائي الأنثوي، لدرجة أصبحت أشكك في أخلاقي ونظرة الآخرين لي، وتدريجياً انسحبت من المجتمع وأهملت جامعتي وعملي كمدرسة في ثانوية”

وأضافت: “كثيراً ما جلست مع نفسي أتسائل هل أنا حقاً كما يصفون، ما افقدني ثقتي في ذاتي والآخرين، وبعد أن شعرت بالوحدة وضياع المستقبل لجأت إلى طبيب نفسي لأتخلص من هاجس الشك الذي زرعوه داخلي، والآن أواصل جلسات علاجتي بسرية تامة خوفاً من كم شتائم هائل يثير نفوري حتى من الطبيب”.

التعنيف اللفظي ضد الاطفال

كثيراً ما نسمع أن مستقبل الشخص يرتبط بطفولته، من خلال زرع المبادئ والأخلاق داخل الطفل والتي من شأنها أن تجعله شخصاً سوياً مستقبلاً، ولكن ماذا إذا تعرضت الطفل للعنف اللفظي؟!.

تقول المرشدة النفسية في إحدى مدارس العاصمة دمشق “هند الرفاعي”، لمجلة شجون عربية، إن الأطفال الذين تعرضوا للعنف اللفظي في أسرهم، غالباً ما يصابون بتشوهات في بنيتهم النّفسيّة، وقد يكونون أكثر عرضة لاتباع الممارسات الخاطئة في أسرهم المستقبليّة خاصة إذا كانوا ذكور، كما أن العنف اللفظي بين الأبوين داخل الأسرة يؤدي إلى انعدام شعور الأطفال بالأمان، مما يسبب مشاكل نفسية لا حصر لها.

كيف يمكننا الحد من العنف اللفظي

وحول إمكانية الحد من ظاهرة العنف اللفظي في المجتمع، يرى الباحث الاجتماعي “عبدالله عبدالله”، في تصريح لمجلة شجون عربية، أن المجتماعات العربية بالتحديد بحاجة إلى إعلام توعوي، يصحح العديد من المفاهيم الخاطئة داخل المجتمع، فنحن اليوم بحاجة نشر ثقافة الكلمة الطبية، بدلاً من الألفاظ النابية التي نتبادلها يومياً بداعي المزاح وحتى المديح، داخل الأسرة الواحدة وبين الأصدقاء.

وأضاف: في تجربة أجريتها بين صديقين، جعلت أحدهم يتصل بالآخر ويتكلم معه بعبارات لطيفة ويمدح به، ما أثار استهجان الطرف الآخر وأغلق الهاتف في وجه صديقه وأرسل له رسالة نصية تحتوي ألفاظ بذيئة ظناً منه أن صديقه يستهزئ به.

وتابع قائلاً: يجب نشر ثقافة مجتمعة جديدة بمساعدة وسائل الإعلام عن طريق بث برامج وحملات توعية مكثفة وخاصة السوشل ميديا، كونها متابعة من فئة الشباب، وبالنسبة للعنف اللفظي ضد المرأة فأعتقد أن الفتيات ككل هن ضحية ثقافة مجتمعية خاطئة، عززت قوة الرجل لإرضاء رجولته الناقصة، وجعلت المرأة كائناً ضعيفاً غير مدرك لقوته.