“بيغن”: اضطرابات آيار/ مايو 2021 وتداعياتها

“بيغن”: اضطرابات آيار/ مايو 2021 وتداعياتها
Spread the love

شجون عربية _ بقلم: دورون متسا _ باحث في مركز بيغن، السادات للأبحاث الاستراتيجية

حوادث شهر أيار/ مايو جرى تفسيرها في الخطاب السياسي اليهودي العام من منظور ثنائي واضح. أوساط اليمين تنظر إلى هجوم العرب في إسرائيل على جيرانهم اليهود من منظور “خطاب 1948”- كنموذج آخر للصراع غير القابل للحل بين اليهود والفلسطينيين في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر. في مقابل ذلك فضّلت أوساط اليسار النظر إلى انفجار العنف على أنه من عمل مجموعات متطرفة من الطرفين ويجب ألاّ يعرقل التعايش بين اليهود والعرب في إسرائيل.

الحقيقة ليست مع هذا الجانب أو مع الجانب الآخر، وكل تفسير من التفسيرين يحتوي على جزء من صورة الواقع. تأطير أحداث 2021 في المدن المختلطة يجب أن يجري من خلال الربط العميق بين تطورات عميقة حدثت في الأعوام الأخيرة في القطاع العربي عموماً، وفي العلاقات بينه وبين الدولة خصوصاً. الأمر البارز في حوادث العنف الأخيرة أنها نشبت بالتحديد بعد فترة يمكن وصفها بفترة وردية في علاقة الدولة بالمواطنين العرب.

تطوران كبيران كان لهما تأثيرهما في علاقة العرب في إسرائيل بدولة إسرائيل في العقد الأخير. عملية الاندماج الواسعة للعرب في إسرائيل في الاقتصاد الإسرائيلي. ولقد تجلى ذلك بصورة عملية ورمزية في قرار الحكومة 922 (كانون الأول/ديسمبر 2015)، الذي خصص المليارات لمعالجة المسائل الاجتماعية- والاقتصادية المُلحة في المجتمع العربي، واعتبر دمج الأقلية العربية في الاقتصاد الإسرائيلي هدفاً وطنياً وعاملاً مهماً للازدهار.

التطور الثاني تجلى في توجّه العرب في إسرائيل نحو براغماتية سياسية وتضاؤل الاهتمام بالقضايا الوطنية. في المقابل وافقت النخبة السياسية العربية على التعاون مع حكومات اليمين من أجل الدفع قدماً بعمليات الاندماج الاقتصادي على الرغم من تعارض وجهات النظر بشأن قضية الوضع القومي للأقلية العربية في إسرائيل. التوجه نحو البراغماتية نجَم عن عدة أسباب، بينها التزام الحكومة الإسرائيلية بعملية الاندماج الاقتصادي، وتراجُع جدول الأعمال السياسي في السياق الفلسطيني، والاستقرار الأمني النسبي الذي تحقق في مناطق الضفة الغربية خلال العقد الأخير.

خلال فترة الكورونا ازداد التعاون بين الدولة وبين الأقلية العربية. وللمرة الأولى منذ أيام الحكم العسكري عاد الجيش الإسرائيلي إلى بلدات عربية، لكن هذه المرة بمهمة أُخرى- فقد جرى نشر جنود الجبهة الخلفية في كفر قاسم والطيبة وجلجوليا وفي بلدات عربية أُخرى للمساعدة في حملات التوعية من وباء الكورونا وتقديم المساعدة للمسنين والمحتاجين. على هذه الخلفية برزت ظاهرة منصور عباس التي كانت مؤشراً إلى مرحلة جديدة من التعاون مع الأحزاب الصهيونية. سعى عباس لتحويل البراغماتية العربية والتعاون الخفي للسياسيين العرب مع حكومات اليمين إلى أيديولوجيا علنية. هذه الأيديولوجيا حظيت بشرعية شعبية عندما نجح حزب القائمة العربية الموحدة (راعام) في الحصول على 4 مقاعد في الانتخابات بعد انشقاقه عن القائمة المشتركة.

عمليات الاندماج الاقتصادي والبراغماتية السياسية في علاقة إسرائيل بمواطنيها العرب تضافرت مع عمليات مشابهة حدثت في منطقة الشرق الأوسط. اتفاقات أبراهام وحركة التطبيع بين إسرائيل والعالم العربي أوجدت دينامية إقليمية جديدة تعتمد على فكرة نفعية براغماتية لتفضيل الاقتصاد ورفع مستوى الحياة ونوعيتها على القضايا المتعلقة بسياسة الهوية التي انتهجها اللاعبون المحليون.

ما الذي أدى إلى اضطرابات أيار/ مايو؟ على عكس حوادث تشرين الأول/أكتوبر 2000 لم تقع أعمال الشغب في منطقة الجليل التي تتمركز فيها الأغلبية السكانية العربية. صحيح برزت مظاهر عنف في نقاط جغرافية معينة في شمال الدولة، لكن الاضطرابات الأساسية كانت في المدن المختلطة. وبرزت في حوادث العنف الأخيرة، بالإضافة إلى مشاركة عناصر ذات ماضٍ جنائي، مشاركة السكان الفقراء الذين لم ينجحوا في الانضمام إلى عملية الاندماج الاقتصادي بين الدولة وبين الطبقة العربية المتوسطة. يذكّر هذا الأمر بـ”الربيع العربي” الذي بدأ في مصر وفي شمال أفريقيا على خلفية ثورة الشباب على عدم إشراكهم في عمليات النمو الاقتصادي في دولهم.

بالإضافة إلى ذلك، تبين أن قدرة الزعامات العربية -الإسرائيلية على مواصلة التعاون وفق نموذج الاندماج محدودة. السياسة العربية يتقاسمها عاملان- هيمنة السياسة القديمة للمحور المؤلف من القائمة المشتركة، والزعامة الجديدة لمنصور عباس الذي شكّل تحدياً لها. وبدلاً من سياسة الهوية الوطنية للأقلية العربية التي دفعت بها قدماً الزعامة القديمة منذ سبعينيات القرن الماضي، قدّم منصور عباس مقاربة سياسية ثورية بالمفاهيم التاريخية- تفضيل المصالح الاقتصادية والاجتماعية على رؤيا المساواة والمواطنة. في الأشهر الأخيرة سعت الزعامة العربية القديمة لإعادة الخطاب في القطاع العربي إلى سياسة الهوية الوطنية؛ كما أن الأحداث العنيفة في القدس وطرح مسألة “المسجد الأقصى في خطر” ساهما في توفير السبيل للعودة من الخطاب الاقتصادي – الاجتماعي إلى الخطاب الوطني.

هناك سبب إضافي لنشوب الاضطرابات له علاقة بالإطار السياسي العام، ومن ضمنه صورة ضعف الدولة وأجهزتها على خلفية أزمة الكورونا والأزمة السياسية العميقة التي أدت إلى أربع معارك انتخابية خلال العامين الأخيرين، وضعف مكانة نتنياهو السياسية الذي عمل كمحور موجّه للنظام الجديد في الشرق الأوسط في العقد الأخير؛ وعودة سياسة الهويات برعاية الإدارة الأميركية الجديدة التي أدارت ظهرها للنظام الاقتصادي النفعي الذي دفعت الإدارة السابقة به قدماً.

ما حدث في المدن المختلطة في إسرائيل هو رد فعل مضاد ثلاثي الأبعاد- اجتماعي، سياسي، ومنهجي – على وجهة النظر النفعية – البراغماتية التي وجّهت العلاقة بين الدولة والأقلية العربية في العقد الأخير. هذه النظرة واجهت تحدياً من الأعلى من طرف النخبة العربية القديمة التي عملت في إطار سياسة الهوية الوطنية، ومن الأسفل من طرف الضواحي العربية في المدن المختلطة والنقب، وعلى نطاق واسع.

وماذا الآن؟ تطرح الاضطرابات أسئلة جوهرية، ليس فقط إزاء مفاهيم بالية مثل “التعايش”، بل بصورة أساسية إزاء النموذج الذي اعتمدت عليه العلاقات بين اليهود والعرب في العقد الأخير. ضمن هذا الإطار لا شك في أن هذه الاضطرابات خرقت التوازن القائم في منظومة العلاقات بين العرب في إسرائيل وبين الدولة بصورة تشبه أحداث يوم الأرض في سنة 1976 وأحداث تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2000. حوادث أيار/مايو كانت غير مسبوقة بسبب حجم مشاركة الجمهور العربي وخطورة العنف الذي تميزت به، وكذلك بسبب الإطار العام الذي وقعت فيه هذه الحوادث في ذروة جولة قتال بين إسرائيل و”حماس”.

طوال حوادث أيار/ مايو لمّحت الحكومة إلى نيتها كبحها من خلال وسائل تُستخدم في مجال محاربة الإرهاب القومي. واستُخدمت أجهزة الأمن العام من أجل العثور على متورطين في أعمال العنف وإحباطها مسبقاً، كما استُخدمت قوات حرس الحدود في الأساس في مناطق الضفة الغربية وانتشرت في البلدات المختلطة، ولمّحت الحكومة إلى استعدادها لاستخدام قوات من الجيش لقمع الاضطرابات العنيفة.

هل من الممكن العودة إلى نموذج يجمع بين التعاون الاقتصادي والبراغماتية السياسية أم أن التوازن في علاقة العرب في إسرائيل بالدولة قد تغير وفي أي اتجاه؟ من الصعب جداً إعطاء جواب واضح عن هذا السؤال في الوقت الحالي. مع ذلك، يمكن أن نشير إلى عدد من العوامل التي يمكن أن تدفع نحو استمرار نموذج الاندماج إلى جانب عدد من العوامل التي يمكن أن تدفع نحو تفكيك هذا النموذج.

بين العوامل التي يمكن أن تدفع نحو استمرار نموذج الاندماج يمكن الإشارة إلى تأييد حزب راعام من الخارج لحكومة بينت – لبيد “إذا تشكلت”. نجاح عباس السياسي يمكن أن يؤكد صدقية التوجه البراغماتي الذي يطرحه. والمصالح الاقتصادية لكل الأطراف يمكن هي أيضاً أن تدفع في اتجاه استمرار نموذج الاندماج.

من بين العوامل التي يمكن أن تدفع نحو تفكيك نموذج الاندماج نشير إلى التداعيات الاقتصادية لأزمة الكورونا التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى تقليص نفقات الدولة، وإلى تقليصات – الأمر الذي سيعرّض استمرار تطبيق الخطة الاقتصادية الخمسية في القطاع العربي للخطر. يضاف إلى ذلك التركيبة غير المتجانسة لحكومة بينت – لبيد التي يمكن أن تشجع الخطاب القومي – خطاب سيلقى دعماً كبيراً من زعامة القائمة المشتركة التي تريد تحدي توجه منصور عباس.

 تغيّر قوة المواجهة حيال “حماس” في قطاع غزة يمكن هو أيضاً أن يؤثر سلباً في العلاقات بين المواطنين اليهود والعرب بصورة تجعل من الصعب على المنظومة العودة إلى التوازن الذي كان قائماً قبل أحداث أيار/ مايو. في هذه الظروف لاشك في أن الكليشيه المعروف “الأيام ستخبرنا” هو الأكثر صحة من أي وقت مضى في وصف الواقع الحالي للعلاقات بين العرب واليهود في دولة إسرائيل.

المصدر: مركز بيغن السادات للأبحاث الإستراتيجية 

شجون عربية