أنسنة الفيروس! من حيادية الطبيعة إلى قصدية البشر

أنسنة الفيروس! من حيادية الطبيعة إلى قصدية البشر

شجون عربية _

بقلم: أ. د _ صلاح عثمان _ أستاذ المنطق وفلسفة العلم/

الطبيعة لا تهتم بك؛ إنها لا تُعلن الحرب عليك، ولا تُبرم معك اتفاقًا للسلام، ولا يعنيها أن تحيا أو تموت، قد يبدو ذلك قاسيًا، لكنها الحقيقة! وبالمعنى الدقيق، الطبيعة الحية لا تهتم بأي شخص أو بأي شيء في أي مكانٍ وزمان؛ كل ما تفعله هو نقل الجينات من جيلٍ إلى جيل وفقًا للقوانين التي شرعها الله لها، وهي في مسلكها هذا لا توصف بالخير أو بالشر، ولا تعرف قصدية الإنسان المرهونة بالوعي!

بعبارة أخرى، لا توجد فيروسات جيدة أو سيئة، أو صالحة أو طالحة بطبيعتها، فالدافع الآلي لكافة الحيوانات هو البقاء والتكاثر، حتى وإن كان ذلك مصحوبًا بتأثير مدمر للمضيفين في بعض الأحيان. خذ مثلاً «جذموريات الرؤوس» Rhizocephala، وهي حيوانات بحرية طفيلية من رتبة القشريات، ومنها محار «البرنفيل» Barnacle (من مفصليات الأرجل)؛ هذه الحيوانات تستمد الغذاء طيلة حياتها من السرطانات والقشريات الأخرى، إذ يتسلل «البرنفيل» داخل «السلطعون» كبذرة، ويبدأ في الانتشار إلى كل طرف من أطرافه عبر سلسلة من النظم الحيوية المعقدة التي تتضمن إخصاء المُضيف لقطع استمرار تسلسله الجيني، مع إبقائه حيًا لسنوات كمصدر للغذاء! خذ أيضًا «صائد الرتيلاء» Tarantula Hawk، وهو دبور يعتمد في تكاثره على اصطياد عناكب الرتيلاء كمصدر غذائي ليرقاته، حيث يقوم بشلها بلسعته القوية ووضع بيضه فوقها، فإذا ما فقس البيض وخرجت اليرقات تغذت عليه حيًا شهيًا! ولا يقتصر الأمر على عالم الحيوان، بل يمتد أيضًا إلى عالم النبات، وبطرق قد لا نستطيع تصورها؛ ففي الثاني والعشرين من يوليو 2019، نشرت مجلة «نيتشر بلانتس» Nature Plants دراسة قام بها باحثون من جامعتي بنسلفانيا وولاية فرجينيا للتكنولوجيا، أظهرت أن بعض النباتات الطفيلية، مثل نبات الحامول Dodder، تقوم بسرقة المادة الوراثية من مضيفها (أكثر من مائة جين وظيفي) عبر عملية تُسمى «النقل الأفقي للمورثات» Horizontal gene transfer، وتستخدمها لزيادة فعالية امتصاص المغذيات منها، بل وشن الحرب الجينية على المضيف! قد لا يستطيع حتى أكثر كُتاب هوليود إبداعًا تخيل هذه القصص الرائعة، لكنها مع ذلك تُمثل خُبز وزبدة الحياة البيولوجية اليومية!
أما على مستوى عالمنا البشري فقد كان للفيروسات تأثيرات أدت إلى تغيير مسار التاريخ في بعض الأحيان. من ذلك مثلاً فيروس شلل الأطفال Poliovirus الذي ترجع الأدلة مبكرة على ظهوره إلى لوحة مصرية قديمة يصل عمرها إلى 3400 سنة، تُصور رجلاً ذا ساق ذابلة كعرض من أعراض شلل الأطفال. كما كشف الفحص الطبي لبقايا الفرعون المصري «سبتاح» Siptah (الذي حكم خلال الفترة من 1197 إلى 1191 قبل الميلاد) عن تشوه في القدم اليسرى يُفترض أنه بسبب شلل الأطفال، وقرر الفاحص أن الفرعون مات في سن السادسة عشرة. ومع ذلك لم يكن شلل الأطفال وباءً معروفًا حتى الثورة الصناعية التي دشنت ظروفًا جديدة ساعدت على انتشار المرض. ورغم توقف انتشاره في الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين بعد اكتشاف الطبيب الأمريكي «جوناس سالك» Jonas Salk لأول لقاح له سنة 1955، ثم تطوير الطبيب البولندي الأمريكي «آلبرت بروس سابين» Albert Bruce Sabin للقاح آخر أكثر فعالية سنة 1961، إلا أن شلل الأطفال ظل مستوطنًا في أكثر من 125 دولة حتى سنة 1988، وأدى إلى قتل أو شلل ما يقرب من 350 ألف شخص معظمهم من الأطفال. وفي سنة 2017 انخفض عدد الحالات الجديدة المبلغ عنها للمرض إلى ثماني حالات، وهو ما أغرى بعض العلماء بالإعلان عن هزيمة الفيروس، وإن كان من السابق لأوانه التسليم تمامًا بهذا الإعلان نظرًا لمعدل نجاح الفيروسات في البقاء!
ولعل فيروس الجدري Variola Virus هو أكثر الفيروسات ترويعًا للبشر من المنظور التاريخي، نظرًا لارتفاع نسبة الوفيات الناجمة عن الإصابة به (ثلث المصابين تقريبًا)، وكذلك بسبب ما يُخلفه من تشوهات في أجساد الناجين، وتكشف السجلات الطبية التاريخية أن الفرعون المصري «رمسيس الخامس» Ramses V (الذي حكم حلال الفترة من 1150 إلى 1145 قبل الميلاد) قد مات في سنٍ مبكرة جرَّاء إصابته به، كما أن ثمة أدلة على أن المرض كان منتشرًا في الصين والهند وشمال شرق إفريقيا قبل 3000 سنة، وفي أوروبا قبل 1800 سنة. وأدى نقل الفيروس إلى أمريكا الشمالية والجنوبية عن طريق الأوربيين إلى القضاء على السكان الأصليين الذين لم تكن لديهم مناعة ضده. وعلى الرغم من أن الممارس الطبي البريطاني «إدوارد جينر» Edward Jenner قد اكتشف في أواخر القرن التاسع عشر أن الأشخاص الذين تم تلقيحهم بفيروس جدري البقر Cowpox (الأخف وطأة) كانوا محصنين ضد الفيروس، إلا أن حصيلة قتلى الإصابة بالفيروس بلغت أكثر من 300 مليون شخص حتى الرُبع الأخير من القرن العشرين. وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى البدء في برنامج استئصال عالمي صارم، ليصبح العالم منذ سنة 1980 خاليًا من أي حالات مسجلة للمرض. ومع ذلك، ما زالت الولايات المتحدة وروسيا تحتفظان بعينات من الفيروس الحي في معملين مؤمنين.
قد يبدو تاريخ الفيروسات عدائيًا وقبيحًا بالنسبة للإنسان، نظرًا لسُمعتها السيئة الشائعة، فبالإضافة لما سبق كان فيروس الإنفلونزا مميتًا في الفترة من 1918 إلى1920، وقتل ما بين عشرين ومائة مليون شخص حول العالم، وما زالت سلالاته (من الأنواع A,B,C) تتطور سنويًا لتحصد أرواحًا جديدة، ولكن من خلال اللقاحات والرعاية الصحية الأفضل تم إيقافه عن الوصول إلى معدلات الوفيات التي شوهدت في أوائل القرن العشرين. وبالمثل، أصاب فيروس نقص المناعة البشرية HIV (الإيدز) حوالي 78 مليون شخص، وقتل نصفهم منذ الاعتراف به في عام 1981، لكنه لم يعد بمثابة حكم بالإعدام على من يُصاب به، لأن مزيجاً من الأدوية يمكن أن يحتوي الآن على مضادات للفيروسات الارتدادية Antiretorvirals (ومنها الإيدز) التي تعمل على تقليل معدل الوفيات. لكن هذه السًمعة السيئة لا تعكس في الحقيقة سوى وجهة نظر الإنسان العاقل تجاه الطبيعة، ولا تُنفي في الوقت ذاته أهمية وجود الفيروسات كنوع محوري من الأنواع الطبيعية!
هل يجب مثلاً أن نشكر بكتريا «إي كولاي» E. coli (أو الإشريكية القولونية) التي تعيش في أمعائنا وتساعدنا على الهضم، فإذا ما حدث لها تحول جيني وسببت لنا الأمراض خاصمناها وهجوناها؟ هل يجب أن نقول للفيروس الذي يُهاجم أجهزتنا المناعية: أنت مخطئ وشرير وعصي الدمع؟! هذه الكائنات في الحقيقة ليست نبيلة أو شريرة بمنطق القيم البشرية، وهي لا تتعمد إلحاق الضرر بنا أو قتلنا، ولا تمتلك قصدية الإنسان في أن يكون فظًا أو بلا مشاعر، لكنها تفعل ما تفعل بشكلٍ طبيعي؛ تعيش وتتكاثر كما نعيش نحن ونتكاثر! صحيح أن صراع الإنسان مع الكائنات الأخرى يُمثل أهمية بالغة له في مسيرة تطوره وصراعه من أجل البقاء والهيمنة، لكن لا يجب – من منظور علمي ومنطقي – إسقاط قيمنا ومشاعرنا على مسلكها، فالدراما الطبيعية مُحايدة، إن صحَّ استخدام كلمة مُحايدة في وصفها!
من جهة أخرى، حتى لو نظرنا إلى الفيروسات من زاوية الصراع من أجل البقاء، وخيّرنا الناس بين محو جميع الفيروسات من على وجه الأرض بعصا سحرية وبين الإبقاء عليها، لاختار معظم الناس التخلص منها دون تردد، وخاصة الآن في ظل جائحة فيروس كورونا، لكننا نكون بذلك قد ارتكبنا خطأ قاتلاً. وفي هذا الصدد يقول «توني جولدبيرج» Tony Goldberg (أستاذ علم الأوبئة بجامعة ويسكونسن ماديسون الأمريكية): «لو اختفت الفيروسات فجأة من الوجود سينعم العالم بحياة رائعة لنحو يوم ونصف اليوم فقط، وبعدها سنموت جميعًا، إذ أن الفيروسات تؤدي أدوارًا مهمة للعالم تفوق ضررها بمراحل»! ولا غرو، فالغالبية العظمى من الفيروسات لا تُسبب أمراضًا للبشر بقدر ما تُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي وتعزيز فرص البقاء للبشر فوق سطح الأرض. من ذلك مثلاً أن الفيروسات تقتل نحو عشرين بالمائة من الميكروبات، ونحو أربعين بالمائة من البكتريا في المحيطات يوميًا، بما يضمن وجود ما يكفي من العناصر الغذائية للعوالق المنتجة للأكسجين للقيام بمعدلات عالية من التمثيل الضوئي، ما يؤدي في النهاية إلى الحفاظ على استمرار الحياة الأرضية. كذلك تتجه طرق العلاج الجديد إلى استخدام الفيروسات كقذائف مجهرية موجهة لتدمير الخلايا غير المرغوبة، ومواجهة أنواع معينة من البكتريا الضارة التي فشلت الضد حيويات (المضادات الحيوية) في التصدي لها. ليس ذلك فحسب، بل إن العناصر الفيروسية تُمثل ما نسبته 8٪ من الجينوم البشري، وتنطوي جينومات الثدييات بشكل عام على ما يُقدر بمائة ألف من بقايا الجينات فيروسية المنشأ. وفي سنة 2018، قام فريقان بحثيان بشكل مستقل باكتشاف مذهل مؤداه أن ثمة جينًا ذا أصل فيروسي يشفر بروتينًا أساسيًا في بناء الذاكرة طويلة المدى عن طريق نقل المعلومات بين الخلايا في الجهاز العصبي!
كثيرٌ من الناس قد يرون (بالمعنى الديني) شيئًا خيريًا في الطبيعة، أو على الأقل قد يرون غايةً تُوجه العلاقات البينية بين الأحياء، ودليلاً لا يقبل الطعن على وجود الخالق وتدبيره المُحكم والمُتقن للكون والحياة، مصداقًا لقوله تعالى «إنا كل شيء خلقناه بفدر» (القمر: 49)، وهذا صحيحٌ بلا شك، لكن ثمة مفهومًا مغلوطًا للطبيعة يشترك فيه المؤمنون والمشركون والوثنيون، ومعهم الآن السياسيون؛ ألا وهو المفهوم الأسطوري المؤطر للطبيعة كقصة درامية ملحمية قوامها النوايا الشخصية المتنافسة، أو فلتقل النظر إلى الطبيعة لا كنسق من القوانين الموضوعية المُحايدة، بل كنسق من النوازع المتضاربة بين الإنسان وكافة الأنواع الأخرى في بيئته. هذه النظرة تغفل في الحقيقة عن أن الإنسان – شأنه شأن كافة الأنواع الحية – جزءٌ من الطبيعة، وتدميرها يعني تدميره، ولئن كان الخالق عز وجل قد سخر لنا الطبيعة بكل ما فيها، فقد حذرنا في الوقت ذاته من إفسادها أو العبث بتوازناتها استجابةً لأطماعنا. وإلا كان رد الفعل – المُحايد أيضًا – عنيفًا!
لقد كانت السياسة وما زالت معينًا لا ينضب للمفاهيم المغلوطة المستخدمة لتشكيل الوعي الشعوبي، ومن داخل هذا المعين خرجت التصريحات بأننا نخوض حربًا شاملة ضد العدو الماكر اللامرئي، وأننا سننتصر في النهاية! ولم يتقدم عالمٌ أو فيلسوف لكي يُخبر هؤلاء أن الحرب – بمعناها الدقيق – لا تُشن إلا ضد عدو فعلي يتعمد إلحاق الضرر بنا وقتلنا، وأن الفيروسات بأنواعها قد تكون مُرعبة حين تحصد الأرواح، لكنها ليست شريرة أو خيَّرة، وحين نضع تفسيرنا لها في إطارٍ قيمي، فمعنى ذلك أننا نتقهقر إلى الخلف لقرونٍ طويلة، لنلقي بأنفسنا في غيابة التفسيرات الأسطورية السابقة على الفلسفة والعلم والأديان السماوية. هكذا وجدنا مثلاً من يربط بين خطايانا البيئية وانتشار الأمراض (حيوانية المنشأ) كعقابٍ تُمارسه الطبيعة ضدنا عن وعي، أو بالأحرى كغضبٍ يستحوذ على الطبيعة فتعمد إلى تأديبنا، غير مُدركين أنه وإن كانت إساءة استخدام الإنسان للبيئة تُمثل وزرًا أو عصيانًا للخالق الذي نهانا عن العبث بالتوازن الكوني، إلا أن طفرات الفيروسات، والتطفل الحيواني، والافتراس، والانقراض، والموت، والتكيف، والصراع من أجل البقاء، … إلخ، ليست عقوبات على الإطلاق، بل هي الطبيعة المحايدة تعمل وفقًا لقوانينها، وقد كانت تعمل وستظل تعمل بكافة آلياتها إلى أن يشاء الله! وبعبارة أخرى، نحن لا نعبد الطبيعة، وإنما نعبد الله خالق الطبيعة؛ نحن نُصلي ونصوم ونُزكي ونُضحي تقربًا إلى الله وليس تقربًا إلى الطبيعة، ولئن كنا نؤمن بأن ثمة خالقًا للطبيعة فإن هذا الإيمان يستدعي أول ما يستدعي إعمال العقل بُغية فهم قوانين الطبيعة، والاهتمام بالبحث العلمي لدرء المخاطر التي نتعرض لها وفقًا لمنطق تلك القوانين!
لا شك أن مجرد تخيلنا لوجود عدوٍ خفي أو مرئي يُنازعنا البقاء من شأنه أن يدفعنا إلى تجاوز أنانيتنا، والمبادرة بتقديم التضحيات الصعبة كالتباعد الاجتماعي، وإعادة ترتيب أولوياتنا، وتصحيح سياساتنا البيئية، والارتقاء العقلاني فوق صراعاتنا؛ ولا شك أيضًا أن استحضار مفهوم الحرب الشرسة من شأنه أن يُسهم في تغيير القلوب والعقول، وتقوية المعتقدات، وإعلاء المصلحة العامة؛ لكن علينا في الوقت ذاته أن نستخدم قوتنا التخيلية بعناية ومسؤولية، وأن ندرك بوضوحٍ أن الله لا يُعبد بالجهل، وأن البحث العلمي هو سبيلنا الوحيد لقراءة واستيعاب وتطويع قوانين الطبيعة. علينا أن نكف عن إسقاط قيمنا ومشاعرنا على كافة الأنواع الأخرى التي تحكمها غريزة البقاء، وأن ندعم بقوة أرباب العلم في مختبراتهم، وأن نكون ممتنين لأطبائنا وكافة العاملين في مجال الرعاية الصحية … وعلى الإجمال، عليننا أن نسعى إلى انتصارٍ للإنسانية على نوازعها، وانتصارٍ للعقل على ما يتشربه من مفاهيم مغلوطة، وانتصارٍ للعلم على الجهل، وانتصارٍ للدين الصحيح على الخرافة، لا إلى انتصار قومي نحصد به الغنائم السياسية والاقتصادية!