أيّة سياسة خارجية لتونس في ضوء قيادة أردوغان

أيّة سياسة خارجية لتونس في ضوء قيادة أردوغان

بقلم: توفيق المديني /

رغم أنّ القومية الأتاتوركية التي تبنت أيديولوجية الحداثة الغربية بكل مفاهيمهاالسياسية والثقافية، جسدت القطيعة مع الرابطة العثمانية التي كانت عند الخلافة والسلطنة والإمبراطورية المترامية الأطراف ،فإنّ رئيس النظام التركي رجب اطيب أردوغان يريد استعادة نزعة الهيمنة “للعثمانية الجديدة “في منطقة المغرب العربي،إِذْ إِنَّ هذه العودة ليست وليدة الارتجال بل هي نتاج وصول تاريخي لحركات الإخوان المسلمين إلى الحكم في كل من تونس ، وليبيا، ومصر، وانتقال مركز قيادة حركة الإخوان المسلمين من القاهرة إلى إسطنبول، عقب الزلزال المصري الذي حصل في 30يونيو2013.
وتأتي الزيارة المفاجأة والمريبة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تونس يوم الإربعاء 26ديسمبر الجاري ، والتي رافقه فيها كل من وزيري الخارجية مولود تشاووش أوغلو، والدفاع خلوصي أكار، إضافة إلى رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة فخر الدين ألطون، والمتحدث باسم الرئاسة ابراهيم قالن،وبدعوة من الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد،والتي طغت عليها السرية، حيث تعمدت رئاسة الجمهورية التونسية ممارسة التعتيم الإعلامي حول زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في ما سمته المستشارة الأولى لرئيس الجمهورية لشؤون الإعلام، رشيدة النيفر، “زيارة غير معلنة”،ونددت نقابة الصحفيين التونسيين بالسياسة الانتقائية التي انتهجتها دائرة الإعلام برئاسة الجمهورية، بسبب عدم سماحها سوى لوكالة الأناضول التابعة لتركيا بتغطية حدث الزيارة، وبعض وسائل الإعلام المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين والمقربة من تركيا وقطر في تونس، وتأتي هذه الزيارة في سياق الهجوم الديبلوماسي الذي يقوم به أردوغان لكي يصبح اللاعب المحوري في الأزمة الليبية التي تشهد تطورات بشقيها العسكري والسياسي ناتجة عن حرب طرابلس و تعثر تنفيذ المبادرة الأممية و بالذات توقيع مذكرتي التفاهم ، البحرية – الأمنية – العسكرية.
ويرى المراقبون المتابعون للأزمة الليبية أن الرئيس التركي أردوغان يريد تعزيز نفوذ تركيا في ليبيا ، وفي البحر المتوسط، بعد أن أصبح المتحدث باسم حكومة الوفاق التي يرأسها فايزالسراج مع القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والصين بهدف إيجاد تسوية شاملة في ليبيا، تسوية تضمن مصالح تركيا سواء على الجغرافيا الليبية أو في شرقي المتوسط.
الرئيس قيس سعيد وعدم امتلاكه رؤية للسياسة الخارجية
لقد كشفت سياسة “العثمانيين الجدد” التي يقودها أردوغان في المنطقة العربية، و البحر المتوسط، منذ ما بات يُعْرَفُ ببداية “الربيع العربي” في سنة 2011،عن غطرسة إقليمية تلامس حدود”البلطجة”، تقابلها سياسة خارجية تونسية غير فاعلة، بل مرتبطة بالمحور الإقليمي التركي-القطري -الغربي، للأسباب التالية:
أولاً: جاءت زيارة أردوغان لتونس، بعد توقيع حكومة فايز السراج بليبيا المعترف بها دوليًا، اتفاقًا أمنيًا لترسيم الحدود البحرية مع تركيا في نهاية شهر نوفمبر 2019.وكانت كل من مصر وقبرص واليونان أولا ثم روسيا في وقت لاحق قد أدانت الاتفاق الموقع بين الطرف الليبي والطرف التركي وسط تطورات ميدانية متسارعة تعيش على وقعها البلاد وتصعيد عسكري متوقع من الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر. وكانت روسيا أعربت عن قلقها البالغ، إزاء احتمال نقل تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا، وفق الاتفاق الأمني الذي أبرمته أنقرة مع حكومة فايز السراج أواخر الشهر الماضي.وقال مصدر في الخارجية الروسية، إن موسكو قلقة بشدة من احتمال إرسال تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا، وفق ما نقلت “رويترز” عن وكالة
وترى كل من مصر واليونان وقبرص أنّ الاتفاق يتيح لتركيا المطالبة بحقوق مناطق واسعة في البحر المتوسط، اكتشفت فيها أخيرًا ثروات هائلة من الغاز والنفط ما يشكّل تهديدًا لهذه الدول ولاقتصادياتها أيضا. وتطفو على السطح مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية لا فقط بين قوات الجيش الليبي وقوات حكومة الوفاق بل أيضا مواجهة عسكرية بين تركيا ومصر وباقي الدول الرافضة للاتفاق البحري الأخير الموقع بين السراج واردوغان. فقد أعربت مصر عن إدانتها الشديدة للاتفاق ووصفته بانه “يفتقر للشرعية” كما أعلنت موقفها الداعم للجيش الليبي بقيادة المشير حفتر بكل وضوح .
وأكدت القاهرة أنَّ “السراج لا يملك صلاحية عقد اتفاقيات دولية، كما أنَّ الأمر بحاجة إلى موافقة البرلمان وهو ما لم يحصل”.وترى مصر أنَّ “الاتفاق تم توقيعه بشكل شخصي من قبل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة طرابلس”. هذا الموقف المصري الجاد يراه مراقبون دليلاً على قرب اندلاع مواجهة سياسية وقد تكون عسكرية بين الجانبين المصري والتركي خاصة أن القاهرة تعتبر حدودها البرية مع ليبيا خطًا أحمر.
لاشك أنّ لهذه الاتفاقية الموقعة بين رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، وطرف من الأزمة الليبية بقيادة فايز السراج،تداعيات كبيرة على الأمن القومي لتونس بأبعاده العسكرية والاقتصادية في ظل عالم فرضت فيه العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة ، والصراع التنافسي الإقليمي و الدولي تغيرات في التحالفات، وحوَّلت بلدانًا إلى أوطان بلا سيادة وطنية، ولعلَّ هذا الأمر ينطبق على تونس.
فالرئيس التونسي قيس سعيَّد هلَل كثيرًا للغزو العثماني الجديد الذي يقوم به أردوغان إلى منطقة المغرب العربي ،عبر بوابة الأزمة الليبية ، منتهجًا سياسة النعامة التي تصر الديبلوماسية التونسية على انتهاجها إزاء الأزمات الإقليمية في المنطقة،وهو مايراه المحللون والمراقبون بأنه تواطؤ مكتوم من السلطات التونسية مع الحلف التركي القطري-الإخواني،واعتراف صريح بعجز الديبلوماسية التونسية عن ممارسة دورها في التعبير عن السيادة الوطنية للدولة التونسية ، إزاء القضايا الإقليمية، لاسيما حين يتعلق الأمربالأزمة الليبية القائمة على الحدود التونسية ، ولها تداعيات مباشرة على الأمن القومي التونسي.
فمن وجهة نظر السلطات التونسية ،جاءت زيارة أردوغان لتقديم تطمينات للجانب التونسي، المتضرر الأكبر من أي تدهور أمني في ليبيا.فأردوغان قال بِأَنَّ مذكرة التفاهم العسكري مع السراج لن تضر بالمصالح التونسية، وهو ما يبدو أن الرئيس قيس سعيَّد قد اقتنع بها من خلال تأكيده، خلال المؤتمر الصحافي، أن هذه المذكرة ثنائية ولا تمس بالحدود التونسية ولا مصالحها. وقال إِنَّ “الآفاق واسعة للتعاون بين تونس وتركيا، في إطار تحقيق التوازن في كل المجالات”، مشيراً إلى أنَّهُ بحث مع أردوغان العلاقات الثنائية بين البلدين، وجرى التركيز على تطوير التعاون في كافة المجالات. وكان الرئيس التونسي قد أعلن، الإثنين الماضي، عن مبادرة هدفها دعوة “كلّ الليبيين للجلوس إلى طاولة الحوار بهدف التوصل إلى صيغة توافقية للخروج من الأزمة الراهنة في إطار الاتفاق السياسي الليبي واحترام الشرعية الدولية”. وأوضح سعيّد، في المؤتمر الصحافي المشترك، أن “الوضع يزداد تعقيداً في ليبيا” وأنه “وجد كل الدعم من طرف الرئيس (أردوغان) لهذه المبادرة”.
ثانيًا:إنَّ أردوغان يلعب دور القرصان البحري الجديد في البحر المتوسط ، مدفوعٌ بأطماع تركية دفينة في الهيمنة على المتوسط لضمان نصيب تركيا من ثروات الغاز الهائلة المكتشفة في السواحل الشرقية و الغربية من البحر المتوسط،إِذْ تنعدم الثروات الطاقية في مياه تركيا الإقليمية،وهو مادفعه إلى إبرام الإتقاق الأمني التركي-الليبي،الأمر الذي قاده إلى الصدام مع العالم، لا سيما مع بروز مواقف وتحالفات إقليمية ودولية في مواجهة التحدي التركي. فالرفض الداخلي والإقليمي والدولي للاتفاق قابله إصرار تركي ليبي على المضي قدما في تنفيذه بعد مصادقة الطرفين التركي و الليبي رسميا عليه . علاوة على ذلك زادت تركيا من حدة التوتر السائد بإحالتها لاتفاق ثنائي يشمل تزويد حكومة السراج بقوّة للردّ السريع في حال طلبت طرابلس ذلك وهو ما قابله المشير خليفة حفتر بإعلان حالة النفير العام وإطلاقه الضوء الأخضر لدخول العاصمة طرابلس بعد أشهر من غياب الحسم في المعركة .
على صعيد متصل وللمرة الثانية خلال أقل من شهر، استقبل الرئيس التركي رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج بعد أيام من تلويح رجب طيب أردوغان بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعمه.ويهدد القرار التركي في حال تمت المصادقة عليه بإشعال الشرارة الأولى لحرب مؤجلة في ليبيا وفي منطقة المتوسط عامة. كانت أنقرة وطرابلس وقعتا أواخر الشهر الماضي اتفاقا أمنيا وعسكريا موسعا كما وقعتا على نحو منفصل مذكرة تفاهم حول الحدود البحرية تعتبرها اليونان انتهاكا للقانون الدولي.
وفي وقت سابق أرسلت تركيا الاتفاق البحري إلى الأمم المتحدة لإقراره بالمصادقة ، وبالتوازي أحالت الاتفاق العسكري لإرسال قوات عسكرية الى ليبيا على أنظار البرلمان التركي في خطوة تصعيدية من جانب أنقرة رغم التحذيرات الدولية والرفض الداخلي في ليبيا وأيضا من الجانب المصري . ويرى مراقبون ان هذا الاتفاق المثير للجدل بين الجانبين التركي والليبي والذي قابله رفض من الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر وداعميه على الميدان وأيضا من حلفائه الإقليميين وخصوصا مصر، سيجعل من تركيا تسير نحو تركيز موطئ قدم طالما بحثت عنه في شرق المتوسط رغم المعارضة الدولية. وأعلنت كل من مصر واليونان وقبرص استنفارًا سياسيًا وعسكريا اثر ما اعتبرته محاولة تركية لزعزعة أمنها والاستحواذ على ثروات طبيعية ليست من حقها. فالتدخل العسكري التركي في الأزمة الليبية سيشعل الحرب في كل المنطقة،وستمس هذه الحرب مباشرة الحدود التونسية ، وستجعل من مصر و الجزائرطرفين رئيسيين فيها.
فكيف يساند الرئيس قيس سعيد حكومة فايز السراج،وهي طرف رئيس في الأزمة الليبية، ولا تحظى بإجماع وطني ليبي، وحتى حكومتي فرنسا و إيطاليا اللتين اعترفتا بها في البداية، لم يعد فايز السراج معترفًا به من قبل هاتين الدولتين الغربيتين، في حين يرفض الرئيس سعيّد استقبال حكومة صالح عقيلة المتمركزة في شرق البلاد، بينما سيستقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الزعيم الليبي خلال الأسبوعين القادمين.
وليس جديداً انحياز أنقرة إلى حكومة فايز السراج ، فمنذ إعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر هجومه على العاصمة طرابلس، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دعمه لفايز السراج ،وتأكيده أنَّ بلاده “لن تسمح لأحد بالسيطرة على ليبيا”، قبل أن تتناقل وسائل إعلام دولية ومحلية صور مدرعات تركية في موانئ تابعة لحكومة الوفاق يبدو أنها وصلت كدعم تركي لقوات الحكومة، رغم عدم إعلان الأخيرة لها رسمياً.كذلك تحدثت وسائل إعلام عن بدء تدفق أسلحة تركية مجدداً خلال الأسابيع الماضية، منها دفاعات جوية مكّنت قوات الحكومة من إسقاط طائرة حربية تابعة لحفتر جنوب الزاوية في الثامن من الشهر الجاري.
ثالثًا:إِنَّ زيارة أردوغان لتونس، جاءت في ضوء بروز معوقات وعراقيل تحول دون تفعيل الإتفاق الأمني و العسكري بين أنقرة وطرابلس ،لا سيما أن أولى عراقيل تنفيذ الاتفاق تتعلق بالعوامل الميدانية.فالفارق كبير بين فاعلية دعم مصر جارة ليبيا والدعم الإماراتي الذي امتلك قواعد مبكراً داخل ليبيا، وبين تركيا البعيدة حدودياً عن ليبيا وتفتقر إلى قاعدة عسكرية داخل ليبيا، أو قريبة منها تساعدها على تحصين قواتها وجنودها، وأسلحة، ولا سيما الطيران، وهو ما تمتلكه الإمارات مثلاً من خلال قاعدتي الخادم والخروبة.
وبما أنَّ ليبيا تعيش كل أشكال التدخل والفوضى السياسية والعسكرية ،ومرتعًا للميلشيات المسلحة، فإنّ زيارة أردوغان إلى تونس تدخل في إطار حاجة تركيا الحصول على تسهيلات من تونس، عبر مطار جربة، بهدف تدفق الأسلحة و الإرهابيين السوريين و التونسيين بوصفهم جنودًا مرتزقة لإشراكهم في القتال في ميلشيات فايز السراج في طرابلس، خصوصًا أنَّ منظومات الدفاع الجوية الروسية الحديثة والطيران المسيّر الإماراتي الحديث مكّنا حفتر من فرض حظر جوي في سماء طرابلس ومصراتة، ما يجعل أي أسلحة تصل إلى موانئ أو مطارات سلطة الحكومة هدفاً سهلاً لقوات حفتر.
وإذا كان بإمكان تركيا تزويد حكومة السراج المتمركزة في طرابلس بأسلحة نوعية ومنظومات دفاع متقدمة، بالإضافة إلى خبرات عسكرية للتخطيط والهجوم، فإنَّها ستصطدم بموانع قانونية ،لأنَّ أي اتفاق يجب أن تصادق عليه الجهات العليا المكونة من غرفتين، هما مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ولكون مجلس النواب متشظياً لقسمين: الأول في طبرق والآخر في طرابلس، فإنّ ذلك لا يعطي للحكومة حقاً في توقيع الاتفاق بل مذكرات تفاهم، وهو ما سيعوق تسجيلها لدى الأمم المتحدة كاتفاق رسمي، ما يعني افتقادها للكثير من الفاعلية القانونية.
رابعًا:إَنَّ زيارة أردوغان تأتي في ظل الهجوم الاستراتيجي الكبير الذي يشنه الجيش العربي السوري وحلفاؤه في الشمال الغربي لسورية، من أجل استكمال تحرير محافظة إدلب ،حيث تم تقسيم هذا الهجوم إلى مراحل، عبر إعادة السيطرة، كمرحلة أولى، على الطريقين السريعين M4 وM5، الرابطين بين حلب واللاذقية وحلب وحماة وصولاً إلى دمشق، ما يعني تحرير مدن وبلداتٍ ذات كثافة سكانية، مثل معرّة النعمان كبرى مدن محافظة إدلب،والتي أصبح الجيش العربي السوري على مقربة 4كيلومترات منها.
ومن المؤكد إِنَّ أردوغان بعد أن تيقن من إِنَّ قرار حسم معركة إدلب والقضاء على الارهاب فيها قد اتخذ من قبل القيادة في سورية، وخاصة أن تلك المجاميع الارهابية سواء في إدلب أو ريف حلب الغربي تشكل وبشكل دائم مصدر خطر وتهديد على السكان المدنيين في القرى والمناطق المجاورة لها، إضافة إلى إِنَّ قرار الحسم هناك يعتبر بمثابة حرق ورقة ابتزاز بيد السلطان العثماني الجديد أردوغان ، الذي عمل جاهدًا على عرقلة تقدم الجيش العربي السوري، وقدَّم جميع أنواع الدعم ل”جبهة النصرة” الارهابية وباقي الفصائل هناك، واتخذ من اللجوء ورقة ضغط ضد الدول الأوروبية للوقوف إلى جانبه، فيما يطالب أردوغان الذي عجز عن إيقاف تقدم الجيش العربي السوري في أعماله ضد المجموعات الإرهابية، ولم يفلح في تقديم الدعم لهم، ومَدِّهِمْ بأسباب الصمود، أمر مرتزقته من الإرهابيين بالتوجه على دفعات إلى ليبيا، من أجل دعم ميليشيا السراج أو دعم معظم مواقعها في طرابلس.
وأكّدت وكالة”ستيب الإخبارية” السورية المقربة من الإرهابيين الذين تدعمهم تركيا في سورية، أنّ أنقرة ستدفع للمقاتل المرتزق ألفي دولار شهريًا، حال الموافقة على الانتقال إلى ليبيا ومساندة ميليشيات السراج.وهكذا فتحت هزيمة أردوغان في سورية الباب أمام النظام التركي لتدخل أكبر في ليبيا.. وذلك بعد إعلان حكومة الوفاق الليبية موافقتها على تفعيل مذكرة التفاهم للتعاون الامني والعسكري مع النظام التركي.ويسعى النظام التركي لمواجهة قوات المشير المتقاعد خليفة حفتر الذي يلقى دعمًا من دول منافسة لتركيا. واستغلت انقرة الفرصة، فصادق برلمانها سريعا على مذكرة التفاهم، التي تنص على إنشاء قوى استجابة سريعة لنقلِ الخبراتِ والدعمِ التدريبي والاستشاري واللوجستي من الجانب التركي. كما تَشمَلُ المذكرةُ التعاونَ في المجالِ الاستخباراتي والعملياتي، وتنفيذَ المناورات المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب، والهجرةَ غيرَ الشرعية، وأمنَ الحدود.
وفيما عبرت روسيا عن بالغ قلقها من احتمال نشر القوات التركية في ليبيا،اتهم رئيس النظام التركي رجب اردوغان موسكو وزعم بدعم مرتزقة من قبلها يقدمون الدعم لحفتر. ودخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد حدة الصراع في ليبيا زاعماً ومتهماً بدوره مرتزقة روس يزيدون الصراع دموية.وتحول النزاع في ليبيا إلى حرب بالوساطة بين قوى اقليمية وتسبب بانقسامات بين القوى الكبرى، الامر الذي أثر سلبا على احياء العملية السياسية في ليبيا.
المعارضة القومية الديمقراطية التونسية والدورالتركي
بعد أن كان المبدأ الذي يتحكم في السياسة الخارجية التركية يقوم على “تصفير المشكلات” مع دول الجوار، وهو مبدأ كانت نتائجه الإيجابية واضحة بجلاء لكل متابع، عند النظر إلى وضع تركيا قبل سنة 2011، لكن مع بداية ما بات يعرف في الخطاب السياسي بـ”الربيع العربي” الذي أودى إلى تنامي العنف تحت ستار الدين في العديد من البلدان العربية (الإرهاب التكفيري الذي يعكس الهجمة غير المسبوقة للعنف ، برأسماله الرمزي والمادي، وبممثليه من “حماة المقدس” من السلفية والإخوانية والتيارات التكفيرية و(جهاديي) الموت وقطع الرؤوس وبعض الإسلام التقليدي والرسمي)، تحولت تركيا إلى قاعدة استراتيجية و جبهة عدوان متقدمة على سورية، حتى إن الجميع بات يتحدث عن انبعاث “الإمبراطورية العثمانية الجديدة “المستندة هذه المرّة إلى تنظيمات “الإخوان المسلمين”، التي وصلت إلى السلطة في ثلاث بلدان عربية مع بداية سنة 2012، وشرعت في ممارسة العنف ضد سورية مستقوية بالدعم الإقليمي التركي والخليجي.
ولم تكتف تركيا بذلك، بل عملت على تقديم كل الدعم اللوجستي والعسكري والمالي إلى الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمات مثل “جبهة النصرة “ممثلة تنظيم “القاعدة” في سورية وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وهي تنظيمات قائمة في عقيدتها على التكفير ورفض الآخر، أي آخر، ومرتبطة بالمخطط الأميركي- الصهيوني الذي يستهدف تفكيك كل الدول الوطنية العربية في منطقة الشرق الأوسط، وتقسيمها على أساس طائفي ومذهبي وعرقي،غير أن الصمود السوري المستند إلى قوة محور المقاومة و التحالف الاستراتيجي مع إيران وروسيا، المناهض لسياسة الهيمنة الأمريكية والصهيونية على الشرق الأوسط، أسهم إسهامًا كبيرًا في تكسير وتحطيم موجات العنف والعدوان المتتالية التي شهدتها سورية خلال السنوات التسع الماضية، ولا تزال.
لقد دعم نظام أردوغان الإرهاب، أو استخدمه لخدمة مخططاته الإقليمية التوسعية،إِذْ أسرت تركيا نفسها في شهوة “إسقاط” الدولة الوطنية السورية، بل مارست سياسات دينية/ مذهبية متعصبة، جعلتها تقرأ المشهد بصورة خاطئة، فعناد تركيا “لإسقاط” الدولة السورية، كان سببًا لكتابة وصفات علاج خاطئة، أدت إلى دعمها غير المحدود للتنظيمات الإرهابية، من دون حساب أن هذا الموقف العدواني يتناقض مع المصالح الوطنية التركية.
لقد شعرت تركيا بأن المنطقة باتت تتهيأ لتشكيل البيئة الملائمة لإنتاج حلول سياسية تتناسب مع موازين القوى المتشكلة في سورية بعد المواجهات العسكرية الطاحنة التي كانت ترجمة ميدانية للصراع بين المشروع الأمريكي- الصهيوني الاستعماري الاحتلالي المعتمد على أدوات إرهابية وتكفيرية وتفتيتية في المنطقة، والمشروع المعتمد على محور المقاومة والذي يجد سندًا قويًا له في روسيا وإيران، والذي أثبت قدرة حقيقية على الصمود، وفي الانقضاض والملاحقة لتنظيمات الإرهاب التي يستعملها المشروع العدواني في إطار حربه على المنطقة،فتركيا تعرف، أو عليها أن تدرك أنَّ المشروع الذي عادته وحاربته وأملت بأن تقيم مجدها على ركامه، هو المشروع الذي انتصر في سورية .
إِنَّ ارتماء السياسة الخارجية التونسية في رؤيتها لمعالجة أزمات المنطقة، ومنها الأزمة الليبية في أحضان المحور التركي-القطري-الإخواني، تجعل مكونات المجتمع المدني ، ومنها المعارضة القومية الديمقراطية التونسية تتساءل ،هل يمتلك الرئيس التونسي قيس سعيّد استراتيجية وطنية وفكر سياسي راديكالي لتحويل الدولة الوطنية التونسية من موقع خاضع للسيادة الرأسمالية الأوروبية -الأمريكية إلى موقع متمرد على هذه السيادة،و إعادة فتح الحقل التاريخي العربي المقاوم للمشروع الإمبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني ،لا سيما أنَّ إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطيةالتعددية في تونس هو التحول إلى ثورة وطنية جذرية قادرة على التحرروالانعتاق كليًا من الحقل السيادي للهيمنة الإمبريالية الغربية الأوروبية والأمريكية.
فهل يستطيع الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد قيادة حركة التمرد على السيادة الأمريكية-الأوروبية المهيمنة على الدولة التونسية في عصر العولمة الليبرالية المتوحشة، وقطع حبل الولادة السرّي الذي يربط الدولة التونسية بالحقل السيادي الأوروبي -الأمريكي ،وتحقيق السيادةالوطنية للدولة التونسية ، لكي تصبح تونس نموذجًا يحتذى به في تحقيق إعادة بناء الوطنية الديمقراطية التعددية، عربيًا؟
إِنَّ المعيار الوطني والقومي الحقيقي لموقف رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيَّد،للدفاع عن رؤية جديدة للسياسة الخارجية التونسية ، يتمثل في الموقف من الأزمة السورية ، إِذْ يُعّدُّالتدخل الإقليمي والدولي المناصر للحركات الجهادية التكفيرية والمعارضة السورية السبب المباشر لإطالة أمد هذه الأزمة، نظرًا لتعارض و تشابك هذه الأطراف مع بقاء النظام السوري ، تجلى في الساحة السورية جسامة الصراعات الداخلية والإقليمية و الدولية، وخطورتها على فكرة الدولة الوطنية ،ذاتها، وكيانها القانوني والسياسي.
فلا يزال الشعب التونسي وكل مكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية باستثناء الإخوان المسلمين وممثلهم حركة النهضة في تونس وحلفائهم من الإسلاميين المتطرفين، يعتبرون انحياز الديبلوماسية التونسية إلى المحورالإقليمي التركي- القطري -الإخواني بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، كطرف ضعيف في هذه المعادلات الإقليمية، خطيئة تاريخية كبرى في تاريخ الديبلوماسية التونسية، طيلة مرحلة ما بعد الاستقلال و لغاية ثورة 2011، لجهة إقحام تونس في الشؤون الداخلية لدولة عربية ، والحال هذه سورية، التي تربطها أحسن العلاقات مع تونس في ظل التاريخ المعاصر.
خاتمة:
من الواضح أنّ مقاربة الرئيس قيس سعيّد للأزمة الليبية التي تزداد تعقيدًا من يوم إلى آخر ومعها تتضاعف الأخطار المحدقة بالمنطقة والعالم انطلاقًا من ليبيا، التي أصبحت اليوم دولة فاشلة ومنهارة ،ومرتعًا للميليشيات المسلحة التي لاتؤمن بإعادة بناء الدولة الوطنية التوافقية، وفي ظل انحياز الديبلوماسية التونسية لحكومة فايز السراج، وعدم انفتاحها ودعوتها للمشير خليفة حفتر، ولممثلي حكومة طبرق في الشرق الليبي،و استقباله للسلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان الذي يريد إشعال حرب جديدة فيى المنطقة ، بدعمه للميليشيات الإخوانية المساندة لحكومة السراج، واستقدامه الإرهابيين السوريين والتونسيين الذين كانوا يقاتلون في سورية إلى ساحة المعركة المقبلة في طرابلس، تبدو مقاربة خاطئة على طول الخط، وتعكس تخبطًا لدى الرئيس سعيّد في إدارة السياسة الخارجية التونسية .
وكشفت زيارة السلطان العثماني الجديد أردوغان، أنّ الرئيس قيس سعيّد غير مُسْتَعِدٍ للقيام بمراجعة الأداء الدبلوماسي للخارجية التونسية، والقيام بتصحيح تاريخيّ فيه ، لجهة العودة إلى التقاليد التونسية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، واتخاذ قراروطني سيادي تونسي من جانب رئيس الدولة بإعادة العلاقات الديبلوماسية السورية – التونسية كاملة ، بوصفهااستجابة حقيقية لمطلب شعبي تونسي،طالبت به مختلف الأحزاب السياسية التونسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية، ومنظمات المجتمع المدني وعمودها الفقري الاتحاد العام التونسي للشغل ،ورفض أي حل عسكري للأزمة الليبية، وأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية الليبية، باعتبار أنَّ التسوية لن تكون إلا بين الليبيين أنفسهم، والتأكيد على أنْ يَضُّمَ الحوار كافة الأطراف الليبية، مهما كانت توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية.
فالأزمة في ليبيا تبقى اليوم الخطر الأكبرعلى تونس و الجزائر ومصر،وهذه الدول مطالبة بلعب دور إقليمي فاعلٍ لمساعدة الأطراف الليبية من أجل إيجاد حلٍّ وطني لهذه الأزمة،قبل أي طرف آخر، تركي كان أو غربي .لاسيما أَنَّ ما يَهُمُّ السلطان العثماني الجديد أردوغان، لا يتجاوز حدود ضمان مصالح تركيا الجيوستراتيجة وضمان هيمنتها في البحر المتوسط،ودعم نظام إخواني على حدود تونس،وتحويل ليبيا إلى معسكر للتنظيمات الإرهابية،بل وإلى قاعدة عسكرية متقدمة ،وبوابة لتعزيز سلطة الإخوان في كل من ليبيا وتونس، وتثبيت أقدام تركيا ، بعد أن حققت ديبلوماسيتها اختراقًا كبيرًا في القارة السمراء عبراتقاقيات اقتصادية و أمنية.

مجلة البلاد اللبنانية:تصدر أسبوعيًا عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان، العددرقم 212، تاريخ الجمعة 27ديسمبر 2019