التعايش بين الأديان والمذاهب.. واقع الحاجة ووَهْم التطبيق

التعايش بين الأديان والمذاهب.. واقع الحاجة ووَهْم التطبيق

«إن التعايش الإسلاميّ المسيحيّ ثروةٌ يجب التمسُّك بها». مقولةٌ أطلقها رمزٌ من رموز الوَعْي والانفتاح في لبنان، السيّد المغيَّب موسى الصدر. وقد تلقّاها من المسلمين والمسيحيّين على السواء ـ كما سائر المقولات الإشكاليّة ـ فريقان:
الفريق الأوّل: رأى صحّتها وتلقّاها بالرضا والقبول، وحاول أن يطبِّقها سلوكاً وعملاً، من خلال الانفتاح على الآخر الدينيّ، والحوار معه، لا ليصير المسلم مسيحيّاً أو المسيحيّ مسلماً؛ بل لأجل أن يفهم بعضهم بعضاً، ويتعرَّفوا على القواسم المشتركة التي تجمعهم، فيستفيدوا منها في تعايشهم السِّلْميّ، وبناء مجتمعهم الواحد، القائم على المحبّة والألفة والسلام والرحمة ونُكْران الذات والعَدْل والمساواة و…
الفريق الثاني: ذهب إلى اعتبار هذه الدعوة مجرّد مقولةٍ سياسيّة، لا واقعيّة لها حاضراً، ولا مستقبلاً، وإنّما هي خطابٌ انفعاليّ في لحظة قوّةٍ حادثة، الهدف منه تطمين الآخر الدينيّ لا غير. ولذا فقد رفضوا تسييل هذا الخطاب في خطواتٍ عَمَلانيّة، وأبقَوْه ضمن الشعارات الرنّانة التي يُتغنَّى بها بين حينٍ وآخر.
ومن نافل القول: إن مثل هذه الدعوة إلى التعايش بين أهل دينين تستلزم الدعوة إلى التعايش، بل الوحدة بين المسلمين أنفسهم، وهو ما دعا إليه السيّد الخميني(ر) بعد ذلك. وانقسم الجمهور مجدَّداً في تلقّي تلك المقولة إلى فريقين، كاللذين تقدَّما…
ولا شَكَّ في أنّ هذا الانقسام حول الوحدة الإسلاميّة أشدُّ خطورةً وفَتْكاً في عالمنا العربيّ والإسلاميّ من الانقسام حول التعايش الإسلاميّ المسيحيّ أو الإسلاميّ اليهوديّ أو المسيحيّ اليهوديّ.
مراد الدُّعاة إلى التعايش والوحدة
والذي يُؤْسَف له هذا الفَهْم الخاطئ لكلام الدُّعاة إلى الوحدة بين المسلمين، سنّةً وشيعةً وغيرهم.
ويمكن لكلّ متأمِّلٍ في كلماتهم أن يكتشف مرادهم من هذه الوحدة، وأنها لا تعني على الإطلاق أن يتخلّى أحدٌ عن مذهبه؛ تحقيقاً للوحدة…
وإنّما المطلوب أن يأتي الجميع إلى كلمةٍ بل كلماتٍ سواء، وما أكثرها!
المطلوب أن يتفهَّم كلٌّ من الفريقين أو الفِرَق هواجس الآخر ومخاوفه، فيقابله بما يبعث الطمأنينية في نفسه، ويستشعر الرأفة والرحمة في أخيه في الدِّين
عَقَباتٌ وأخطاءٌ في التطبيق
إنّ الناظر إلى المشهد الإسلاميّ والعالميّ اليوم يرى أنّه رغم صدور مثل هذه الدَّعَوات من شخصيّاتٍ وازنة، ولدَعَواتها صدىً في العادة، إلاّ أن هاتين الدَّعْوَتين بالذات لم تَلْقَيا مثل هذا القبول والانتشار…
فرغم الزيارات التي يقوم بها بعضُ رجال الدِّين، والقِمَم الروحيّة التي يعقدونها بين فترةٍ وأخرى، وعند النوازل والملمّات، ورغم الكثير من المؤتمرات التي تدعو إليها دولةٌ هنا وهناك، فإنّنا لم نصِلْ بَعْدُ إلى ما يرتجيه المسلمون والمسيحيّون على السّواء من هذه القِمَم والمؤتمرات.
هي قِمَمٌ متلاحقة ومؤتمرات دَوْريّة منتظمة، ولكنّ التشنُّج والتطرُّف والخَوْف بين المسلمين وغيرهم، وبين أهل المذاهب من المسلمين، هو هو لم يتغيَّر، وسرعان ما يظهر عند أيّ حادثةٍ عارضة، مهما كانت صغيرةً وبسيطة. فأين المشكلة؟
لا أعتقد أن المشكلة الأساس تكمن في صدق النيّة، وإنما تتجلّى في الأداء التنظيميّ لهذه القِمَم والمؤتمرات، فمن وَحْي العمل السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ المتعثِّر في البلاد الإسلاميّة، وحيث لا نستفيد من كامل الطاقات الكامنة، وحيث تسود العَجَلة والارتجال، وحيث يتبوّأ المواقع الرئيسة مَنْ لا أهليّة له؛ لمجرّد أنه صاحب مالٍ أو شهرةٍ أو قرابةٍ أو ولاءٍ وتَبَعيّةٍ، من وَحْي ذلك كلِّه يتمّ التعاطي مع آليّات ووسائل التقريب بين المذاهب والأديان.
ومن هنا فإننا ندعو إلى اعتماد آليّةٍ علميّةٍ جامعةٍ للدَّعْوة إلى مثل هذه القِمَم والمؤتمرات، تلحظ الكفاءة العلميّة للمَدْعُوِّين، وما سيساهمون به فيها من ورقاتٍ بحثيّةٍ عميقة، وقابلةٍ للتنفيذ، ولو في مراحل محدَّدة، ووفق خطّةٍ متكاملة، مع عدم تغييب أحدٍ من العلماء والمفكِّرين، عن قصدٍ أو غير قصدٍ.
ضرورة الانفتاح العلميّ والفكريّ
ولكنْ قبل هذه المؤتمرات والقِمَم نجد أنّه من المهمّ جدّاً، بل الضرويّ الذي لا غنى عنه، ولا نجاح إلاّ به، أن ينفتح علماء ومفكِّرو ومثقَّفو كلّ دينٍ أو مذهبٍ على ما عند الآخرين من أفكارٍ ورؤى ومعارف في تراثهم الدينيّ والفكريّ والثقافي… فكم من داعيةٍ إلى الحوار، أو متحاورٍ بالفعل، وهو لم يقرأ أمّهاتِ الكتب في تراث الآخرين؟! كم من شيعيٍّ يدعو إلى الحوار، بل يعتقد أنّه في طَوْر الحوار مع أخيه السُّنِّيّ، وهو لم يقرأ «صحيح البخاري» أو «صحيح مسلم» أو «سنن ابن ماجة» أو غيرها؟! وكم من سُنِّيٍّ كذلك لم يقرأ «الكافي» أو «مَنْ لا يحضره الفقه» أو «تهذيب الأحكام» أو غيرها؟!
ولئن كان هذا من العَقَبات أمام الحوار الإسلاميّ الإسلاميّ بكلّ مذاهبه وتيّاراته فإنّه يمثِّل عقبةً كبرى أمام الحوار الإسلاميّ المسيحيّ مثلاً، وما سيؤول إليه من تعايشٍ وتفاهمٍ.
فالمسلم ـ وحتّى الأغلب من علماء المسلمين ـ لا يعرف عن المسيحيّة سوى أنّه قد تمّ تحريفها وتزويرها، وأنّه لا يُحتَجّ بكتب الإنجيل الشائعة والمعروفة، وكأنّه ليس فيها إلاّ خاطئٌ ومحرَّفٌ وموضوع.
وفي المقابل نرى المسيحيّ لا يعرف شيئاً عن الإسلام، ولا يميِّز بين مذهبٍ وآخر، ولا يعترف باختلاف المجتهدين واحتمال خطئهم. فبمجرّد أن يسمع رأياً لأحدهم يحمِّله للإسلام وجميع المسلمين، ويتعامل معهم على هذا الأساس.
إن التعايش بين الأديان والمذاهب حقٌّ وحقيقة، ستفرض نفسها في نهاية المطاف، ولن تستقرّ الحياة بدونه، فلنسارِعْ إليه اليوم قبل الغد، بنيّاتٍ صادقة، ونفوسٍ واثقة، وآليّاتٍ صحيحة؛ لنقطف ثماره الطيِّبة في العاجِل والآجِل.