الدكتورُ أحمدُ مختار العبادي كما عرفتُه

شجون عربية – بقلم الدكتورة: دعاء الشريف – كاتبة ومؤرخة من مصر/

الدكتور أحمد مختار العبادي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، عالم جليل اشتهر في مجال تاريخ المغرب والأندلس، وكان من الرعيل الأول الذين ابتعثوا إلى إسبانيا بعد إنشاء المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد سنة 1951، بعدما كانت البعثات قاصرة على فرنسا وانجلترا وألمانيا وايطاليا، فاقترب من الأماكن التي دارت على رحاها الحوادث، وشاهد ما تركه الأجداد من حضارة زاهرة مازالت شذاها وعبيرها يفوح رغم ابتعاد الأزمان، وقد تولى الدكتور العبادي عدة مناصب منها وكيل معهد الدراسات الإسلامية في مدريد لمدة عامين، كما تولى رئاسة قسم التاريخ في جامعة بيروت العربية في لبنان.
وقد حصل الدكتور العبادي على كثير من مظاهر التكريم، فحصد عدة جوائز منها: جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1986، كما كرّمه اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة ضمن ندوته السنوية (تاريخ الوطن العربي عبر العصور) في 2006، وفى المؤتمر السنوي (14) للجمعية المصرية للدراسات التاريخية عام 2014، حيث تم اختيار الدكتور العبادي مؤرخا للعام ذاته ومنح درع الجمعية تقديراً له.

وقد أمد الدكتور العبادي المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات التي دلت على تفرده في مجاله، وتنوعت بين التأليف والتحقيق، ومن أهم مؤلفاته “دراسات في تاريخ المغرب والأندلس”، “تاريخ البحرية الإسلامية فى المغرب والأندلس”، “صور من حياة الحرب والجهاد فى الأندلس ” وغيرها من الكتب والأبحاث.كما شارك الدكتور العبادي في تحقيق بعض الكتب، مثل: كتاب “أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام” القسم الثالث الخاص بتاريخ المغرب العربي للسان الدين بن الخطيب، فضلاً عن نشره لمخطوط “خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف” للسان الدين بن الخطيب.
وقد تتلمذت على يدِ أستاذي الدكتور العبادي في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، فسجلتُ رسالةَ الماجستير تحت عنوان “كورة شذونة منذ الفتح الإسلامي وحتى سقوطها في أيدى النصارى الإسبان القشتاليين” 92-663 هـ / 711-1264م، تحت إشرافه بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور/ كمال السيد أبو مصطفى أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في كلية التربية بجامعة الإسكندرية، وقد قمت بطباعةِ الرسالةِ في كتاب تحت عنوان “كورة شذونة في العصر الإسلامي دراسةٌ في التاريخ السياسي والحضاري” 92-663هـ / 711-1264م، فقام الدكتور العبادي بكتابة مقدمة الكتاب ، وأشاد بموضوع الكتاب فقال: “إن هذا الكتاب يعالج فترة تاريخية إسلامية مبكرة فى تاريخ الأندلس كان يشوبها أحياناً الغموض والاختلاف فى روايات بعض مؤرخي، ورواة المشرق والمغرب، وقد استطاعت الباحثة أن تتقصى الحقائق من مختلف المصادر والأبحاث، والمراجع العربية والأوروبية، وبعض كتب النوازل والفتاوى الفقهية ، وبحوث المستشرقين الإسبان وغيرها، وأن تقدم للقارئ عملا علميا جادا وجديدا ومفيدا لهذه الفترة التاريخية المبكرة والغامضة أحيانا فى تاريخ الأندلس .. “.
أما رسالة الدكتوراه فكانت بعنوان “المجتمعُ القروي في الأندلس” في القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين، كانت أيضا تحت إشراف سيادته بالاشتراك مع الاستاذ الدكتور كمال أبو مصطفى، لكن الدكتور العبادي – رحمة الله عليه – توفى قبل مناقشتي للرسالة ، واستكمل الإشراف الاستاذ الدكتور إبراهيم عبدالمنعم سلاة استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية .
وقد أحاطني أستاذي برعايتِه وتوجيهِه ونصائحِه الغاليةِ التي كان لها أبلغُ الأثرِ في إخراجِ هذه الدراساتِ، كما أمدنى بالعديدِ من الكتبِ الإسبانيةِ والعربيةِ ، فأكسبني منهجَه في البحثِ والتقصي عن الحقيقةِ.
كان الدكتور العبادي- رحمةُ اللهِ عليهِ – حريصاً على العلاقات الودية الراقية، فكان ذا وجهٍ بشوشٍ، متواضعاً صاحبَ شخصيةٍ تمزجُ بين البساطةِ والعلمِ، والبعدِ عن التعالي، فكان المعلمَ والمربي والقدوةَ.
كما أنه صاحبُ منهجيةٍ مميزةٍ قائمةٍ على التقصي، والبحثِ عن المعلومةِ، والتأكدِ منها وتوثيقها، وكيفيةِ التعاملِ مع الحدثِ التاريخي وتحليلِه، والمقارنةِ بين الرواياتِ، وعدمِ التحيزِ في الكتابةِ.
وكان استاذُنا ملتزماً ويحافظُ على المواعيد، ويحرصُ دائما في محاضراتِه على الحفاظِ على لغةِ الحوارِ وعلى استخدامِ الأساليبِ التشويقية، بالإضافةِ إلى التفاعلِ الإيجابي مع الجميعِ فضلا عن حرصه على الاستفادةِ من كل مامرَّ به من سفرِ إلى إسبانيا والدولِ العربيةِ وتجاربِه الشخصيةِ فكان كلما تتاح له الفرصةُ يقصُ علينا بعضَ هذه التجاربِ ويقدمُ لنا الدروسَ المستفادةَ منها والنصائحَ الغاليةَ فكان لديِه القدرةَ على تحويلِها إلى دروسٍ حياتيةِ نافعةٍ بكلِ تميزٍ وإبداعٍ على المستوى العلمي والشخصي.
لعل من أبرزِ صفاتِ استاذنَا الهدوءُ والهدوءُ هنا ليس الهدوءَ السطحي المفتعلَ أو المتصنعَ أنه أعمقُ من ذلك، الهدوءُ هنا هو التماسكُ، الصفاءُ الداخليُ والروحيُ المبنيُ على فلسفةِ فهمِ الحياةِ، وقدراتِ الذاتِ الهائلةِ ، ممايجعلُ تأثيرهَ على كلِ من يحيطُ به قوياً.
كما تميز استاذُنا بحسنِ الاستماعِ والإصغاءِ لمن حوله فيستمعُ ويحترمُ اراءَ الاخرين ويعطي كل باحثٍ قدرهَ وقيمتَه ، فيقدمُ النصحِ البناءِ ولم يتوانَ عن تقديمِ المساعدةَ لنا وحثنا دائما على المضي قدماً والنظرِ إلى الأمامِ وتذكيرنا دائماً أن باستطاعتنا تحقيقَ أهدافنا ، مما يشعلُ بداخلنا الحماسَ والطاقةَ الإيجابيةَ .
أما على المستوى الإنساني فكان استاذى يمتلكُ قدرةً كبيرةً على تحويلِ المشاعرِ السلبيةِ والإحساسِ بالضيقِ والحزنِ إلى طاقةٍ إيجابيةٍ خاصةٍ إذا كان الشخصُ قد مرَّ بأحداثٍ قد ألمت به ، فأتذكرُ أننى عندما مررت بفاجعةَ وفاة أخى الأكبرِ وكنت قد سجلتُ موضوع الدكتوراه فوجدته الأبَ الحاني الذى قدمَ لي الدعمَ المعنوي والنفسي بكل أشكالِه، لاسيما وأنى قد مررت قبل عدة سنوات من هذا الحدث بوفاة أخى الثاني فى حادثً أليم، فبعث في نفسي الطمأنينة مرة أخري وأنى قادرةٌ على تحقيقِ طموحاتي مهما كانت الظروفُ والمعوقاتُ والمشاعرُ الحزينةُ التى كنت أشعرُ بها .
لعل العنصرَ النفسي الخفي – ولنسميه العنصر الروحي – وهو أساسُ شخصيةِ الدكتورِ العبادي ، كان له من التأثير القوي كالإشعاعاتِ النافذةِ الجميلة التى تطوي المسافاتِ وتقربُ الأبعادَ وتفعلُ فعلَها المغناطيسي الجاذَب الذى يسبي العقولَ ويكفلُ للشخصيةِ الاستقرارَ النفسيَ والثبات.
ستظل هذه اللحظاتُ والمواقفُ عالقةً فى ذاكرتي، وستظل بصماتُه واضحةَ الأثرِ علي شخصيتي، وستظل ذكراه العطرةُ، شاهدةً على سمو قدرِه وعلو مكانتِه، رحم اللهُ الاستاذَ العالمَ الجليلَ الاستاذَ الدكتورَ/ أحمد مختار العبادي شيخُ المؤرخين وجعل علمه في ميزان حسناته.