العلاقات اللبنانية الصينية بين المصالح الاقتصادية والعقبات السياسية

العلاقات اللبنانية الصينية بين المصالح الاقتصادية والعقبات السياسية

بقلم: حسن صعب –
أثيرت منذ إعلان الصين عن مبادرتها الكبرى والتاريخية “الحزام والطريق”، في العام 2013، والتي لاقت تجاوباً واسعاً على المستويين الإقليمي والدولي، مسألة التوجّه شرقاً من قِبل عدة دول في المنطقة ،مثل العراق وسوريا ولبنان، بهدف الاستفادة من منافع هذا المشروع الضخم، وبما يُسهم في إخراج تلك الدول من دائرة الأزمات المختلفة والخطيرة التي تتخبّط فيها منذ عقود.
والمبادرة الصينية التي قامت على أنقاض طريق الحرير القديم، تهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارّة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية. ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسككاً حديدية ومناطق صناعية.
هذا المشروع الصيني العملاق تشارك فيه 123 دولة؛ وتريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والوسطى.
(من الصين للعالم.. كل ما تودّ معرفته عن طريق الحرير الجديد، الجزيرة نت، 26/4/2019).
وفيما يخص لبنان تحديدًا، فقد تَمثّل تاريخ العلاقات الصينية- اللبنانية في توقيع الاتفاق التجاري بين البلدين بتاريخ 31 كانون الأول من العام 1955، بُغية المساهمة في تدعيم الصداقة بين شعبي لبنان والصين عن طريق العلاقات التجارية والتعاون الاقتصادي بين بلديهما، وذلك على أساس المساواة والمنافع المتبادلة؛ هذا التعبير حرفياً كان في صلب خطاب الرئيس الصيني السيد شي جي بينغ عندما أطلق في العام 2013 مبادرة “الحزام والطريق” لبناء شبكتي تجارة وبُنية أساسية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر طرق التجارة البريّة والبحريّة القديمة.
تركّز مبادرة “الحزام والطريق” على التنمية الاقتصادية ولا تتدخل في السياسة؛ تعتمد على التعاون المنفتح ولا تشارك في الحمائية؛ تلتزم بالمنفعة المتبادلة والفوز المشترك ولا تشارك في لعبة القواعد الصفرية؛ تتبع القواعد الدولية ولا تستنبط قوانين جديدة..
وإدراكاً لأهمية هذه المبادرة، تمّ التوقيع في أيلول 2017 على مذكّرة تفاهم بين حكومة جمهورية الصين الشعبية وحكومة الجمهورية اللبنانية حول “الترويج المشترك للتعاون في إطار الحزام الاقتصادي لطريق الحرير ومبادرة طريق الحرير البحرية للقرن الواحد والعشرين”. وتنص المذكّرة على تعاون الجانبين في مجالات ذات اهتمام مشترك ، منها النقل واللوجستيات والبنى التحتية والاستثمار والتجارة، والطاقة المتجددة والتبادل الثقافي بين الشعوب، والصحة والرياضة.
سبق هذه المذكّرة التوقيع على العديد من الاتفاقيات بين البلدين في شتّى المجالات، أبرزها: اتفاق النقل البحري (1996)، تنشيط وحماية الاستثمارات المتبادلة (1997)، اتفاقيات تعاون اقتصادي وتجاري وفني (1997- 2016)، اتفاق نقل جوي مدني (1997)، اتفاق ثقافي (2002-2005)، واتفاقيات عديدة في هذا المجال أثمرت بتاريخ 2 كانون الأول 2019 بوضع حجر الأساس لإطلاق أشغال مشروع إنشاء المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار) في ضبيه، والذي تموّله جمهورية الصين الشعبية بهبة عينية تقدّر ب 60 مليون دولار، على مساحة تقدّر بـ 28 ألف متر مربع، على أن يتم الانتهاء من تنفيذ المشروع خلال مدة لا تزيد عن الـ 3 سنوات، في مجالات السياحة (2011 و2018)، اتفاقية تبادل إنشاء مراكز ثقافية (2020).
(تُعرف الصداقة عند الشدائد… 49 عاماً على العلاقات الديبلوماسيّة اللبنانيّة الصينيّة، وارف قميحة، النهار، 10/11/2020).
ورغم هذه العلاقات اللبنانية – الصينية المتنامية ، لم يُحسم لبنانياً بعد خيار التوجه شرقاً بشكل عام، أو نحو الصين بالخصوص ، لأسباب سياسية ترتبط بطبيعة النظام الطائفي ، كما بالحسابات الفئوية والمصالح الاقتصادية والتجارية الخاصة ببعض الجهات أو القطاعات الفاعلة في هذه المجالات؛ فضلاً عن تأثير الفساد والبيروقراطية الإدارية في إعاقة أي تعاملات أو صفقات كبرى بين الصين وغيرها من الدول مع الدولة اللبنانية.
فقد “حوّل البعض العلاقة بين لبنان والصين من الاقتصاد الى السياسة، سواء الذين أخذوا المسألة إلى الحد الأقصى لحلّ المشكلة الاقتصادية بالدعوة إلى انتقال لبنان بكليّته شرقاً من الجانب الأميركي إلى الجانب الصيني ، أم بالتحذير من تداعيات التوسّع في العلاقات مع الجانب الصيني تجنّباً لعدم إغضاب الجانب الأميركي. وفي الحالتين يجري نقل العلاقة من المصالح الوطنية إلى المنافع الأيديولوجية؛ في حين أن التعامل مع الصين لم يكن يوماً حجر عثرة لا مع البلاد العربية ولا مع لبنان، لا في التجارة ولا في الثقافة ولا حتى في السياسة، حيث الصين إلى جانب الاتفاقيات الثقافية والتربوية والفنيّة التي عقدتها مع لبنان، ساهمت في بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان؛ ولديها عشرات المشاريع الكبرى في العديد من الدول العربية، ودون أن تكون هذه الدول تتّجه إلى الجنوح شرقاً ،أو أن تخشى أي غضب أو عقاب أميركي. والدليل أن الصين ناشطة في مشاريع تكنولوجيا وكهرباء وطرقات وسياحة في مصر، وموانئ في الجزائر، وصناعة في المغرب والكويت، واتصالات وبترول في السعودية، وطاقة وزراعة في الإمارات ..
ولم يحصل أن هدّد الجانب الأميركي بعقوبات ضد لبنان في حال أن لبنان قَبل العروض الصينية، مع الملاحظة أن العلاقات التجارية الصينية – اللبنانية متطوّرة باستمرار، ولصالح الصين، التي تبلغ صادراتها للبنان حوالي 2مليار دولار سنوياً، مقابل 60 مليون دولار فقط الصادرات الصناعية من لبنان إلى الصين”.
(لماذا تحويل علاقة الصين ولبنان من الاقتصاد إلى الأيديولوجيا؟! ذو الفقار قبيسي، موقع صحيفة اللواء، 22حزيران 2020).
وفي السياق ،فإن للبنان دوراً مميّزاً على طريق الحرير،والصين مهتمة بجعل لبنان مركزاً تجارياً للتجارة العربية، ولعبور الصين إلى المنطقة عبره، ومحطة لعبور الصين إلى سوريا بهدف إعادة الإعمار، كما تقول الدكتورة تمارا برّو، الباحثة في الشأن الصيني.
وتضيف :أما بالنسبة إلى نوايا الصين تجاه لبنان، فالصين دولة عظمى يحتل اقتصادها المركز الثاني عالمياً، ولبنان دولة صغيرة يعاني من مشاكل اقتصادية وعجز تجاري كبير؛ ولكنه بالمقابل يتمتع بموقع جغرافي هام جداً كبوّابة باتجاه الشرق العربي من ناحية وباتجاه أوروبا من ناحية أخرى. كما يمتلك إمكانيات مهمة، كالعنصر البشري الخبير والمدرّب والقطاع المصرفي المتطور؛ بالإضافة إلى انفتاحه على الجميع، وبلد نفطي يستعد للانضمام إلى الدول المنتجة للنفط. وهذا يعني إمكانية وجود تقاطعات اقتصادية وتجارية كبيرة بين البلدين ،إذا ما تمّ استغلالها ستعود بالنفع على الصين وعلى لبنان..
وتتابع : كانت الصين قد قدّمت عدة عروض للحكومة اللبنانية، منها القيام بمشاريع تنموية بأكثر من عشرة مليارات دولار، تنظيف نهر الليطاني، حل أزمة الكهرباء، المشاركة في قطاع النفط والغاز، تحويل لبنان إلى مركز مالي صيني إقليمي، توسيع ميناء طرابلس، وغيرها من المشاريع؛ ولكن للأسف الجانب اللبناني لم يُبد حماساً حول هذه المشاريع بسبب رفض الولايات المتحدة الأمريكية لأي دور صيني في لبنان.
وتؤكد الباحثة برّو أن الصين لا تسعى إلى أن يكون لها منطقة نفوذ في المنطقة، بل هي تقيم علاقاتها مع دول الشرق الأوسط على أساس المنفعة المتبادلة والكسب المشترك والتنمية المشتركة ومعادلة رابح رابح. (العلاقات اللبنانية – الصينية “التنّين الحذر” إلى أين ؟ ، شبكة تحقيقات أون لاين، لا تاريخ نشر).
ويلفت سفير جمهورية الصين الشعبية المعيّن حديثاً في لبنان، تشيان مين جيان، إلى أن الحكومات اللبنانية
المتعاقبة ، وكذلك الأحزاب في لبنان، كانت قد أعربت عن استعدادها الإيجابي لتعميق التعاون العملي مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق ؛ وهو يشدّد على أن الجانب الصيني يسعى دائماً إلى التعاون مع الجانب اللبناني ضمن مبادرة الحزام والطريق، مع الالتزام بتحقيق المنافع المشتركة من خلال التشاور المكثّف والمساهمة المشتركة من دون أية شروط سياسية.
(السفير الصيني في لبنان يؤكد على تعميق وتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، منتدى التعاون الصيني-العربي، وكالة شينخوا،28/7/2021).
تنبغي الإشارة هنا إلى أن الجهات التي تقلّل من تأثير الصين عالمياً، في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والمالية قبالة التأثير الأميركي المتعاظم، ولا تحبّذ توسيع أو تعميق لبنان لعلاقاته مع الصين بهذه الذريعة، لا تقدّم أجوبة واضحة أو منطقية حول توقّعات دولية باحتلال الصين المركز الاقتصادي الأول في العام 2030، بموازاة نجاح الصين في استقطاب عشرات الدول وآلاف المؤسسات والشركات الناجحة عالمياً ضمن مشروعها الاستراتيجي “الحزام والطريق” ، من دون أن تواجه عقبات جديّة حتى الآن ،من قِبل الأميركيين وحلفائهم الغربيين، الذين لم يستطيعوا منع هذا المشروع من الانطلاق والتقدم، برغم الحملات الإعلامية والدعائية للتوهين من شأنه والتشكيك في فوائده للدول التي ستنخرط فيه.
عطفاً على ما سبق، واستناداً إلى العلاقات التاريخية والمميّزة بين لبنان والصين ، في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والفنيّة ، ولعدم تكرار تجربة العراق الفاشلة في التنصل من اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع الصين بتأثير ضغوط أميركية وخليجية، فإن عدم مبادرة لبنان لدراسة العروض والمشاريع الصينية التي تُقدّم له بشكل دوري، لوجود اعتراضات أو تحفظات داخلية مرتبطة بمصالح قوى أو فعاليات احتكارية ، أو بإملاءات سياسية خارجية ،أميركية تحديداً ، يعني المزيد من التخبّط السياسي والاقتصادي في لبنان ، وتضييعاً لفرصة تاريخية قد لا تتكرّر، فيما البدائل العربية أو الأجنبية تبقى مشروطة بمطالب سياسية مريبة ، فضلاً عن عدم شفافيتها واختلال الفوائد المرتقبة منها لصالح الطرف الأقوى في هذه المعادلة ؛ وهو ليس الطرف اللبناني بالطبع!

باحث لبناني.