الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط

الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط

بقلم: فاطمة مزيحم*

هذا البحث يركز على ثلاثة محاور رئيسة تتعلق بالاستراتيجية الأميركية في العالم وبخاصة الشرق الأوسط وهي:

أولاً: احتمالات الحرب في منطقة الشرق الأوسط.
ثانياً: متطرفو البيت الأبيض من عهد الكالفينية البروتستانينية حتى عهد المسيحية المتصهينة.
ثالثاً: الشواهد التطبيقية من خلال الجيواستراتيجية، التاريخ والجغرافية السياسية.

“مرة أخرى على أبوابنا تبكي فلسطين، ما الذي يبكيك أنا يقتلني البرد ونصف الموقف أكثر”.

احتمالات الحرب والسلم
ثمة تحليلات كثيرة تتحدث عن احتمال قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعمل جنوني وتوجيه ضربة لإيران والبعض الآخر يتوقع اغتيالات خاصة في سوريا ولبنان. وقد تكون كل هذه التوقعات خاطئة لكن ذلك لا يعني أن نتجاهل الوجود الأميركي في سوريا والحصار الاقتصادي على ايران أو ليس ذلك حرباً.
وثمة أسباب تمنع الحرب هي:
-الخلاف بين البنتاغون – وزارة الدفاع الأميركية ووزير الخارجية مايك بومبيو بشأن شن عمل عسكري ضد إيران.
-الانسحاب الأميركي المتوقع من أفغانستان والعراق وليس الهجوم منهما.
– إقالة ترامب لوزير دفاعه مايكل إسبر لرفضه شن حرب ضد إيران، واستقالة ثلاثة من وكلاء وزارات الدفاع هم وكيل الوزارة للشؤون السياسية والثاني وكيل وزارة الدفاع لشؤون الأمن القومي والثالث وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات.
لكن ما معنى مناورات الكيان الصهيوني والتنسيق الأمني مع دول الخليج؟
وماذا يشكل الحصار الاقتصادي لكل من ايران وتركيا وذلك بصفة عامة؟
نعتقد أن ترامب قد أثار جدلاً علنياً وواسعاً بتوجيه ضربة أميركية لإيران والتي تعد بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل التي قامت بضرب مواقع حساسة في سوريا.
وقد عدلت الخطة فيما بعد حيث قد تتمثل بشن هجوم سيبراني على منشات حيوية واغتيالات في ايران ولبنان والعراق واليمن وأوكل بالفعل المهمة للمبعوث الأميركي الخاص بإيران اليوت ابرامز والذي ناقشها مع بومبيو الذي زار تل أبيب والرياض للتنسيق ضد إيران.

الإطار النظري:
-أولا: العقيدة السياسية.
-ان الحديث عن الإطار النظري بصفة عامة لا يمكن الإحاطة به الا من خلال الاطار الفلسفي والأيديولوجي والذي يحكم المنطلقات والمبادئ كرؤى استراتيجية في المجال السياسي وخاصة في العلاقات الخارجية بين الدول والمحدد والكاشف لمسيرة التوجهات السياسية تجاه الله والعالم والإنسان.
ويمكننا رصد هذه الحيثية وملاحظاتها بدءاً من العقيدة الكالفينية البروتستنتانية الى بزوغ المسيحية المتصهينة حتى العولمة الأميركية. وهذا ما شكل طبيعة تكوين الدولة الأميركية بدءاً من النشأة والتأسيس كدولة توسعية فيما بعد حتى دعاوى الحكومة الإمبراطورية العالمية فقامت بإبادة السكان الأصليين “الهنود الحمر” والاستعانة في بناء مرافقها بتجارة الرقيق السود أملاً في قيادة شعوب العالم. ولا يمكن تحقيق ذلك الا من خلال بناء أذرع الدولة ومؤسساتها الوظيفية من وزارات، الخارجية، العدل، الدفاع، الاقتصاد، الهجرة، الأمن القومي.

ثانياً: العقيدة الاقتصادية
تقوم العقيدة الكلفينية على فكرة بناء جنة الله على أرض رافقها نظريات عالمانية كالمنفعة واللذة والمصالح الحيوية مما سيستدعي التعدي على حقوق الآخرين وثم تبرير تلك النقطة بأن الأغيار وثنيون. ولا يمكن الإحاطة بتلك العقيدة الا من خلال علم الاقتصاد السياسي الذي تحكمه نظريات المنفعة ويمكننا رصد هذه الحقيقة وملاحظتها من خلال شحذ ما أفرزته الثورات الصناعية وتعاضد كل من العلوم التطبيقية والتكنولوجية ونظريات الذكاء الاصطناعي. وبما أن الله قد حبا منطقة الشرق الأوسط والأوراسيا بتركيز الثروات والموارد الطبيعية فيها حتى الموارد البشرية من قلب العالم الجغرافي بحسب قول مستشار الأمن القومي الأميركي الراحل زبيغيني بريجنسكي، وبالتالي لا بد من الهيمنة السياسية والحربية على طرق الملاحة البحرية والبرية حتى على الفضاء، وتلك الرؤية تتحكم فيها العقائد الدينية والأيديولوجيات العلمانية.
وللتأكيد على ذلك يمكن تتبع هكذا توجهات بدءاً من “البابا أبربا” الثاني واصفاً بلادنا بأنها ينبع منها العسل واللبن.
حتى الاحتكارات الكبرى للموارد ومسلكيات الشركات المتعددة للجنسية، وما انشاء المنظمات الاقتصادية الدولية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ووسائل التذرع باسترداد الديون او التدخل بعدما يتم اغراق تلك الدول بالديون عبر الإقراض، ولم يقتصر الامر على ذلك فقد تم السطو المسلح على بنوك الدول، وكذلك القيام بالابتزاز المالي وفرض “الجزية” على ملوك الأرض وأمرائها ويستتبع ذلك الحصار الاقتصادي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تقوم بنهب الموارد الطبيعية واستيعاب الموارد البشرية.
وبحسب جون ماكهيو وزير الدفاع الأميركي السابق فإن القارة السمراء ستكون هي تحدي المستقبل. والأهم من ذلك كله معركة احتكار ذهب العالم والجواهر الثمينة والتحكم المطلق في سياسة الاقتصاد النقدي والعملات واسقاط دول بأكملها ومصادرة الأموال عبر شركات الأموال كما أوصت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين اولبريت، من خلال انهيار النمور الآسيوية الستة وايران وتركيا.

الجغرافية والديموغرافية السياسية
لا يمكن فهم طبيعة اميركا كقارة منعزلة وتوسعية في ذات الوقت الا من خلال فهم المحيطات الكبرى التي شكلت لها حماية أكبر من مثيلاتها بريطانيا كوريث عنها، لكن يمكننا ملاحقة ورصد مسلكها التوسعي بدءاً من الكشوف الجغرافية حتى عسكرة الفضاء، وهناك قيمة مضافة أخرى نهاية عصر المكان بفعل تطور الاتصالات بدءاً من البوق حتى وسائل التواصل الاجتماعي، وما السيطرة على طرق المواصلات عبر اتفاقيات “مونترو” التي قامت بتقسيم العالم بعد الحرب العالمية وقبلها بدءاً من اتفاقيات “سايكس بيكو” الإقليمية حتى تقسيم القارات الى شرق أدنى، وشرق أوسط، وشرق أقصى، والتي ساهمت فيها كل من الدراسات الانثروبولوجية ودراسات الاستشراق.

الديموغرافية السياسية:
لا يمكن فهم توجهاتها السياسية وخطورة ذلك على البشرية الا عبر النظريات العرقية” الانسان الكامل” و”الانسان القرد” والاقتصاد والسكان بدءاً من نظرية “مالتوس” حتى نظرية المليار الذهبي للعوائل الراقية حتى وإن أدت السياسات الحربية الى افناء ثلثي البشرية، وذلك عبر تحديد النسل وتشجيع الإجهاض والتهجير القسري وفي نفس الوقت الحد من الهجرة الى دول الشمال. وقد ساعد كل من نظريات “الجينوم” البشري ونظريات التعديل والهندسة الوراثية والاستعانة بعلوم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ودقة الشرائح الالكترونية بفعل علم “النانو” والصواريخ الموجهة ذاتية الحركة.

الذرائعية البراغماتية
تخضع التوجهات السياسية التبريرية على الصعيد الخارجي الأميركي في المقام الأول للأيديولوجيا البراغماتية الوظيفية، فهي سياسات ذرائعية في تحقيق المنافع والمصالح الحيوية حتى وإن طالت مناطق أخرى بعيدة عن أميركا آلاف الكيلومترات، لذا فهي تفتعل أخطاراً وهمية كالبحث عن عدو جديد، وقد رسم ترومان هذه الأخطار بالخطر الأحمر، الشيوعي واليساري، والذي سار على دربه مكارثي، وثم الخطر الأصفر وهو ما دعا ترامب الى نسب فيروس “كوفيد 19” إلى الصين، وأخيراً الخطر الأخضر وهو ما نحياه اليوم من حروب في العالم الإسلامي، وقد غضوا الطرف عن إبادة الهنود الحمر او استعباد السود، كما تعاموا عن خطر الرجل الأبيض وغفلوا عن العدوان ضد الفلسطينيين والعرب من قبل إسرائيل والتي تعتبرهم الأغيار.

الوسائل والأدوات
يمكننا رصد وملاحظة تلك الظاهرة الحقيقة بدءاً من حروب الجيل الأول حتى حروب الجيل الخامس وبدءاً من عهد حروب البرابرة حتى قوات التدخل السريع مروراً بالحروب الصليبية والصهاينة الجدد، وما ممارسة سياسة التطويع والتطبيع الا نتاج اثارة الحروب العالمية الأولى والثانية ونحن على أعتاب الحرب الثالثة، حتى لو اقتضى الأمر استخدام الأسلحة المحرمة دولياً كغاز السارين والسلاح النووي والبيولوجي والجرثومي فضلاً عن الصلف الأميركي في دعم العصابات الصهيونية وغيرها وزرعها في المنطقة وتكريس دورها الوظيفي كدولة بالمال والسلاح والنووي.
ولم يقتصر الامر على إسرائيل فقط بل وقاموا بدعم دول الخليج في حروبها البينية قوميا فضلاً عن عمليات التأليب وبث الفتن بين الدول حتى داخل الدولة الواحدة وتقسيمها كاليمن الشمالي والجنوبي، عرب واكراد/ العرب والعجم، وتقسيم كوريا الي شمالية وجنوبية، وذلك بالتنسيق وانشاء التحالفات الدولية كحلف الناتو.
ومن اجل احكام السيطرة قاموا بتدبير انقلابات عسكرية ودعم الأحزاب اليمينية واليسارية والدينية لخوض حرب عصابات واشعال الثورات ومن ثم اجهاضها بعد ان تؤدي وظيفتها وغرضها في ذات الوقت.
وبعد ان استعرضنا الاطار النظري بصفة عامة والمتعلق بمسلكيات البنية الأميركية في الممارسة الخارجية كان لا بد من تخصيص منطقتنا كذلك في السياق الدولي، ولا يمكن تجاوز الدور الأميركي كوريث للامبراطورية البريطانية من خلال سياسة الباب المفتوح وملء الفراغ. وفي المقابل اتخذ الاتحاد السوفياتي سابقاً من سياسة مواجهة الإمبريالية العالمية عبر ثورات التحرر الوطني في دول العالم الثالث كأداة في المواجهة وساعدهما على ذلك أنهما خرجا من الحرب العالمية منتصرين. ولا نستغرب من سياسة القطبين والتي انتهت بالحرب الباردة بينهما، بينما الحروب الساخنة كانت في الدول التابعة لهما. وما يزيد الامر تعقيدا انهما معاً قاما بتكريس الكيان الصهيوني.

وكانت سياسة اميركا في منطقتنا وفقا للإجراءات التالية:
أولا: سياسة التطويع
-استذراع وكلاء “عملاء” واسناد زمام القيادة عبر انقلابات عسكرية لا تقل عن خمسين انقلاباً، ويغيرون اطقمها كلما اقتضت الضرورة ذلك.
-بل قاموا باغتيالات لزعماء الحركات الوطنية والإسلامية.
-قاموا بحماية الملوك والامراء.
-اما عن المهام والدور الوظيفي الموكل للجيوش فقد افقدوا القدرة القتالية لبعضها عن طريق شل فعاليتها وقدرتها القتالية.

ثانيا: سياسة التطبيع
وبعد أن سيطروا على رأس الهرم السياسي في الدولة ادخلوا الأحزاب والجماعات في المنطقة العربية في صراع” الديكة” ومعارك وهمية مذهبية او أيديولوجية وباقي الأحزاب الأخرى كانت ذات ولاءات منها ما هو تابع للخارج كالاحزاب اليسارية واليمينية لكل من اميركا وروسيا، وأحزاب أخرى ذات ولاءات للسلطة ومؤخراً أحزاب وقيادات قدمت الولاءات للعدو ثم ذلك كله عبر ما يعرف بمسرح الدمى المتحركة، شريطة ان تدور حركتها بين التطبيع وتحالفات مع العدو في صراعات قومية وإقليمية سواء كانت دينية دينية، ام علمانية علمانية، او دينية علمانية.

الصين: الخطر الأصفر
بعد السيطرة على معظم دول العالم الإسلامي الأخضر صرح الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن بأن التحدي الأكبر الصين وقد حدد منطقة هذا الصراع في أفريقيا. وتحول التبرير الأيديولوجي الأميركي على جبهة أخرى من الحروب لأن الصين دولة عملاقة ديموغرافياً ويذكرنا ذلك بما فعلته الدولة الصغيرة والإمبراطورية الكبيرة بريطانيا حينما أرادت ان تحتل الصين فبدأت من حرب الافيون الى حرب الفيروسات.
وما يهمنا في هذا المقام ان نتذكر اتفاقيتين احدهما متعلقة باميركا وأوروبا لمواجهة العملاق الصيني: “اتفاقية شراكة الأطلسي الاقتصادية” الا ان الخيبة الكبرى لاميركا ان خرجت من الاتفاقية بعد ثلاثة أيام من تولي ترامب بينما التنين الصيني وقع مع خمسة عشر دولة الاتفاقية الاقتصادية الشاملة في فيتنام ولم يكتف بذلك بل سارت الاتفاقية من بكين الى منطقة الخليج الى عمق أوروبا تحت شعار احياء طريق الحرير الجديد وضخت في طرقاته اتفاقية أخرى لدعم شرايينه واوردته باتفاقات نفطية خليجية وتدفق مواردها البشرية في عمق افريقيا.

*فاطمة مزيحم كاتبة لبنانية