قراءة في تاريخ الحروب البيولوجيّة

قراءة في تاريخ الحروب البيولوجيّة

شجون عربية _ بقلم: ممدوح مبروك _ باحث سياسي من مصر/

كان الاسم الأكثر انتشاراً حتّى بداية سبعينيّات القرن الماضي هو “الحرب البكتيريّة”، وكان يشمل الفيروسات والفطريّات التي يُمكن استخدامها حربيّاً؛ إلّا أنّ بعض العُلماء تردَّدوا في إدراج الفيروسات في تصنيفٍ واحد مع البكتيريا، فأصبح الاسم الشائع في المَراجع العربيّة والأجنبيّة في ما بعد هو “الحرب البيولوجيّة”.

يرى الخبراء أنّ الأسلحة البيولوجيّة لا تُستخدم في الحروب فقط، إنّما قد تُستخدَم أيضاً من طرف إرهابيّين أو مؤسّسات حكوميّة أخرى غير عسكريّة. وعلى الرّغم من أنّ سميّة معظم العوامل البيولوجيّة تعتمد على تكاثرها داخل الكائن أو الخليّة المضيفة، إلّا أنّ هناك فيروسات للخلايا تقتل الخلايا المضيفة بمجرّد امتصاصها على السطح من دون أن تتكاثر، كما أنّ هناك أحماضاً نوويّة يُمكن استخدامها في الحرب البيولوجيّة تحوي جينات كافية لصناعة موادّ سامّة داخل الخلايا المضيفة فتدمّرها من دون أن تتكاثر.

تُعَرَّف الحروب البيولوجيّة، وفقاً لتقارير صادرة عن الأُمم المتّحدة ومنظّمة الصحّة العالَميّة، على أنّها “الاستعمال المقصود لأغراض عدائيّة للكائنات الحيّة والدقيقة والفيروسات، حيّة أو ميّتة، أو مُنتجاتها أو مستخلص منها أو مادّتها الوراثيّة أو خليط من تلك المادّة، والتي تُنتِج مادّة سامّة أو تؤدّي إلى مرضٍ أو إعاقة أو موت أو تغيير للعمليّات الحيويّة للإنسان أو الحيوان أو النبات”.

تطوّرت الحروب البيولوجيّة على مرّ التاريخ بتطوّر علم البيولوجيا (الأحياء)؛ فلكلّ مرحلة خصائصها التي تميّزها عن غيرها، وهنا تكمن أهميّة توثيق التطوّر التاريخي لوسائل الحروب البيولوجيّة، والتي يُمكن تقسيمها إلى أربع مراحل هي:

المرحلة الأولى

امتدّت تلك الفترة منذ الأزمان القديمة وحتّى سبعينيّات القرن التاسع عشر، واتّسمت باستخدام أنواعٍ بدائيّة من العوامل البيولوجيّة والسموم ضدّ العدوّ في ساحات المَعارك من خلال تسميم مياه الشرب التي يشرب منها الأعداء، مُعتمدين في ذلك على عدم دراية الناس وقتها بوجود الأحياء الدقيقة والعوامل الأخرى التي يتمّ استخدامها لنقل الأمراض. لم يوصَف هذا الفعل العدائي خلال تلك المرحلة بكونه حرباً أو سلاحاً، إنّما كان يُعتبر وسائل مكر أو خديعة حربيّة. والأمثلة على ذلك عديدة؛ ففي العام 200 ق.م انسحب جنرالٌ قرطاجيّ أمام أعدائه تاركاً وراءه كميّات كبيرة من النبيذ بعدما وضع فيها جذور “الماندراغورا”، وهو نبات له تأثير مخدِّر، فلمّا نام أعداؤه بعد شرب النبيذ عاد إليهم وذبحهم. وفي العام 1155 احتلّ الإمبراطور “فريدريك بربروس” مدينة تورتونا Tortuna الإيطاليّة بعد تسميم خزّانات المياه فيها. وفي أثناء الحروب الصليبيّة، كانت جثث الموتى المُصابة بالطاعون تُرمى في مُعسكرات الأعداء لنشْر المرض بينهم. وفي حروب التتار استخدمَ “جنكيز خان” جثث المُصابين بالطاعون؛ ففي العام 1346، وبعد حصارٍ استمرّ ثلاث سنوات ضدّ “الجنويّين” في مدينة “كافا” الإيطاليّة، وضعَ التتار جثث جنودهم الذين أُصيبوا بالطاعون على أسوار المدينة المنيعة فحلَّ الوباء بالمُدافعين ومات عددٌ كبير منهم وسلَّموا مدينتهم، وهربوا إلى المُدن، والجُزر المُجاوِرة ناقلين معهم الوباء فانتشر المرض في أنحاء البلاد كافّة، ومن ثمَّ في أوروبا كلّها، وتسبَّب هذا الأمر، الذي سُمّي وقتها بـ “الموت الأسود”، في قتل 25 مليون شخص، أي ثلث سكّان أوروبا في ذلك الحين.

وفي أثناء الحروب النابليونيّة كانت الآبار تُسمَّم عمداً برمي الجثث فيها، والطريقة نفسها استُخدِمَت في مُهاجَمة العدوّ خلال الحرب الأهليّة الأميركيّة؛ ففي أثناء الانسحاب من مدينة “فيكسبيرغ” في العام 1863، ملأ الجنرال “جونستون” البحيرات بجثث الخنازير والخرفان.

المرحلة الثانية

امتدّت تلك المرحلة منذ سبعينيّات القرن التاسع عشر، عندما أصبح معروفاً لدى الجميع أنّ الأمراض تُسبِّبها أحياءٌ دقيقة، وحتّى منتصف القرن العشرين. لم تكتفِ تلك المرحلة بعزل كلّ الكائنات الدقيقة المرضيّة الطبيعيّة وسمومها، إنّما تمّ أيضاً دراستها، وتصنيفها، وتحديد ما يُمكن استخدامه في حروبٍ بيولوجيّة، بما في ذلك العوامل المُسبِّبة للأمراض الوبائيّة الخطيرة، كما تمّ توفير لقاحات ضدّ كثير من تلك العوامل، كما شهدت تلك الفترة حربَين عالميّتَين.

في ما يتعلّق بالحرب العالَميّة الأولى، ليس هناك من دليل على استخدام أسلحة بيولوجيّة من أيٍّ من الأطراف المُتحارِبة، إلّا أنّ هناك مَن يرى أنّ الإنكليز استخدموها بالتعاون مع الأتراك ضدّ الجيش الأحمر القائم بالثورة في روسيا في العام 1917، وذلك بإلقاء الجثث المتعفّنة في الآبار التي يستخدمها الثوّار.

على الرّغم من ذلك، شهدت الحرب العالَميّة الأولى استخداماً واسعاً للأسلحة الكيماويّة التي سمّيت بـ “الغازات”، وقد بدأت فرنسا أولّاً بذلك في العام 1915 ثمّ بريطانيا، فألمانيا، ما تسبَّب في إصابة أعداد هائلة، الأمر الذي أدّى إلى حتميّة ظهور وعي عالَمي لمنْع نشوب حرب كيماويّة أو بيولوجيّة. وبالفعل شهدت تلك المرحلة توقيع “بروتوكول جنيف” (في 17 حزيران/ يونيو 1925)، الذي حَرَّم الاستخدام الحربي للغازات الخانقة أو السامّة، وجميع ما شابهها من سوائل أو موادّ أو أجهزة مُماثِلة، كما حظَّر وسائل الحرب البكتيريّة. وقد وقَّعت على البروتوكول آنذاك 29 دولة، لم تكُن الولايات المتّحدة الأميركيّة ولا اليابان من بينها، كما رفضت برلمانات دُول أميركا اللّاتينيّة توقيع هذا البروتوكول.

في ثلاثينيّات القرن العشرين وأربعينيّاته التي شهدت الحرب العالَميّة الثانية، كان هناك توسُّع كبير في إنتاج، وتطوير، واستخدام عوامل الحرب البيولوجيّة، وبخاصّة في اليابان غير الموقِّعة على “بروتوكول جنيف”؛ ففي العام 1930 أسَّس اليابانيّون وحدة عسكريّة متخصّصة في الحرب البيولوجيّة بقيادة الجنرال “شيرو إيساي”، وقد اتُهمت هذه الوحدة باستغلال 3000 أسير حرب وسجين في تجاربها. كما هاجمت اليابان 11 مدينة صينيّة بالأسلحة البيولوجيّة، وألقت 130 كيلو غراماً من الجمرة الخبيثة والباراتيفويد على وسط الصين ما أدّى إلى إصابة الآلاف من الناس.

أمّا باقي الدول المُتحارِبة، فقد تبادلت الاتّهامات حول استخدام الأسلحة البيولوجيّة، فكان لدى الحُلفاء على سبيل المثال نيّة لاستخدامها لولا رفض رئيس الوزراء البريطاني “تشرشل” خوفاً من قيام النازيّين بالردّ بالمثل. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ النازيّين بدأوا أبحاثهم الواسعة حول الأسلحة البيولوجيّة في العام 1936 واستخدموا ما لا يقلّ عن 500 أسير حرب في تجاربهم لإنتاج لقاحات ومضادّات لأمراض مثل: التهاب الكبد الفيروسي، والملاريا، وغيرهما.

أوّل انتهاك لبروتوكول جنيف في هذه المرحلة كان في العام 1935 عندما استخدمت إيطاليا غاز الخردل في أثناء احتلالها الحبشة بعد 10 سنوات على توقيعها البروتوكول الذي حرَّم استخدام الأسلحة الكيماويّة، والبيولوجيّة. أمّا الحرب العالَميّة الثانية، فلم تشهد أيّ استخدام للأسلحة الكيماويّة، ويعلِّق البعض على ذلك قائلاً: “ليس هناك من سبب مُقنع واحد يفسِّر عدم استخدام الغاز في الحرب العالَميّة الثانية”.

المرحلة الثالثة

استغرقت هذه المرحلة 20 عاماً شملت خمسينيّات القرن الماضي وستّينيّاته. واتّسمت هذه المرحلة بإدخال تقنيّات جديدة لإنتاج عوامل لها آثار سامّة كبيرة ولها امكانيّة أكبر لدخول ظروف الحرب البيولوجيّة المرسومة أثناء الحرب الباردة نتيجة الخبرات المُتراكمة من الحرب العالَميّة الثانية وما قبلها. خلال تلك المرحلة استخدمت القوّات الأميركيّة أسلحة بيولوجيّة في الحرب الكوريّة (1950 – 1953)؛ فبعد اتّهام الصينيّين، والكوريّين الشماليّين لها، دُعيت لجنة عِلميّة دوليّة للتحقيق، ضمَّت عُلماء من السويد، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا، والبرازيل، وبريطانيا، وبعد دراسة مُستفيضة أفادت اللّجنة، التي وصفتها الولايات المتّحدة الأميركيّة بعدم النزاهة وعدم الحياد، بتقرير قالت فيه “إنّ الشعبَين في كوريا والصين تعرَّضا فعلاً لأسلحة جرثوميّة”، وقُدِّم التقرير إلى الأُمم المتّحدة في العام 1952 وهو مؤلَّف من 700 صفحة، وجاء فيه أنّ “أشياء ملوَّثة بجراثيم الكوليرا، والجمرة، وبراغيث ملوَّثة بجراثيم الطاعون، وأنّ بعوضاً يحمل فيروس الحمى الصفراء، وحيوانات مصابة كالأرانب، استُخدمت كلّها لنشْر الأمراض الوبائيّة المذكورة”. ولم ينشر التقرير شيئاً عن مدى انتشار أيٍّ من هذه الأمراض في كوريا الشماليّة أو في الصين.

المرحلة الرّابعة

تبدأ هذه المرحلة منذ بداية سبعينيّات القرن الماضي وحتّى يومنا هذا. في بداية هذه المرحلة أُبرمت مُعاهدة الأسلحة البيولوجيّة في العام 1972 التي تُعدّ من أهمّ الاتّفاقيّات متعدّدة الأطراف لنزْع السلاح، إذ حظَّرت امتلاك العوامل البيولوجيّة وإنتاج السموم وتطويرها وتخزينها، مهما كان أصلها أو طريقة صنْعها بأنواعٍ وكميّات لا تبرِّر استخدامها لأغراضٍ وقائيّة أو دفاعيّة أو سلميّة. وكذلك حظّرت معدّات ووسائل النشر المصمَّمة لاستخدام هذه العوامل والسموم لأغراض عدائيّة أو في نزاع مسلَّح. وقد عٌقدت ثلاثة مؤتمرات لمُراقبة هذه الاتّفاقيّة في الأعوام 1980، و 1986، و 1991 لعلّ أهمّها المؤتمر الأوّل الذي أكَّد على أنّ المُعاهدة تسري على ما تُنتجه وسائل الهندسة الوراثيّة وتقنيّاتها.

على الرّغم من ذلك، فإنّ كثيراً من دول العالَم وبخاصّة العظمى منها لا تزال تمتلك مخزوناً هائلاً من هذه الأسلحة، وقد استخدمت بعضه في كوبا، وفيتنام، وأفغانستان. وفي العام 1979 تسرّبت جرثومة الجمرة الخبيثة من أحد مَعاهد الأسلحة البيولوجيّة في الاتّحاد السوفييتي السابق، قرب مدينة “فيردلوفسك”، ما يُثبت انتهاك الكثير من الدول الموقِّعة نصوص هذ المُعاهدة. فضلاً عن ذلك هناك سريّة تامّة تحيط بالكثير من مَراكز الأبحاث البيولوجيّة المشكوك في إنتاجها وفي تطويرها لعوامل بيولوجيّة هجوميّة. كما أنّ بعض الدول تعترف صراحةً بوجود بَرامج حربيّة دفاعيّة أو وقائيّة، لكنْ من الثابت أنّ كلّ البَرامج الدفاعيّة لا تختلف جوهريّاً عن البَرامج الهجوميّة، بحيث يُمكن تحويلها بسهولة إلى بَرامج هجوميّة. ومن ناحية ثانية، فإنّ بَرامج الدّفاع لن تكون ذات جدوى إذا قرَّر طرف مُهاجِم استخدام العوامل البيولوجيّة بصورة واسعة.

شهدت هذه المرحلة دخول بعض الدول النامية مجال هذه الحرب بإمكانيّاتها البسيطة أو باستيراد تقنيّاتها، كما جرى اتّهام بعض هذه الدول بإنتاج أو استخدام العوامل البيولوجيّة لأغراضٍ دعائيّة سياسيّة منها العراق، وكوبا، وفيتنام. فعلى سبيل المثال، وفي العام 1981 اتّهمت الولاياتُ المتّحدة الأميركيّة فيتنام باستخدام السموم الفطريّة، أو “المطر الأصفر”، في حربها ضدّ كمبوديا.

في ضوء ما سبق، يُمكن القول إنّ النزاعات البشريّة عرفت الحروب البيولوجيّة منذ القِدم، وإنّه على الرّغم من بدائيّة فكرتها في الماضي، إلّا أنّها تطوّرت بتطوُّر عِلم البيولوجيا، الأمر الذي بات يمثّل خطورة على البشريّة، ويُحتِّم على المُجتمع الدولي ضرورة تجريم أيّ تهديد بيولوجي قد يتزامن مع أيّ تطوّر مستقبلي لهذا العِلم، وكذلك الالتزام بالمعايير الأخلاقيّة التي تُنادي بها المواثيق والمُعاهدات الدوليّة.