قمة أنقرة والحل في سوريا

قمة أنقرة والحل في سوريا

بقلم: نشوة مريش* | تعقد بعد أيام في أنقرة قمة على مستوى رؤساء الدول الثلاثة الضامنة لمسار أستانا (روسيا وتركيا وإيران) وعلى جدول أعمالها أيضاً ثلاثة ملفات تعتبر من الوزن الثقيل إن كان من ناحية التعقيد أو الأهمية وهي: ملف إدلب والجماعات الجهادية القاعدية، وملف شرق الفرات وقوات سوريا الديمقراطية والوجود الأميركي وملف اللجنة الدستورية والمسار السياسي.
يخطئ من يعتقد أن سلسلة لقاءات ومباحثات قد تفضي الى حلول لمثل هذه المعضلات بمعزل عما يجري في المنطقة بدءاً من ملف “الإخوان المسلمين” مروراً بصفقة منظومة “إس 400” وصولاً الى حرب الناقلات ومضيق هرمز. صحيح أن وهج الأزمة السورية قد خفت نوعاً ما مع تبريد العديد من الجبهات وتغير ميزان القوى لصالح “محور المقاومة”. لكن هذا لا يعني أن الجغرافيا السورية باتت محيدة عن الصراع أو وضعت على سكة الحل لدرجة يذهب فيها بعض المراقبين الى القول إن الامور ستبقى معلقة ومفتوحة حتى حزيران – يونيو 2021 موعد الانتخابات الرئاسية في سوريا.
أغلب الظن أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المتعب داخلياً هو الأكثر رغبة بإظهار نجاح ولو صوري لهذه القمة ونتائجها خصوصاً بعد الانتخابات البلدية وانعكاسها سلباً على حزبه “العدالة والتنمية”، إضافة الى العقوبات الأميركية والضغوط الاقتصادية الشديدة التي بات يعاني منها الداخل التركي ما أدى الى انهيارات بالليرة وارتفاع معدلات البطالة ونقمة شعبية عارمة من أعداد اللاجئين السوريين والمحسوبين على اردوغان وحزبه ما دفع به الى اتخاذ سلسلة إجراءات تنظيمية رسمية اعتبرت من قبل أولئك مجحفة وظالمة وتعالت أصوات تتهمه باستغلال قضية اللاجئين كورقة إنسانية على المنابر الدولية وكتهديد في وجه الدول الأوروبية فقط.
هذا كله لا يمكن فصله عن حلم المنطقة الآمنة داخل الأراضي السورية والتي لا يزال يتحدث بها رغم تعثر المفاوضات مؤخراً بين وفد عسكري تركي ومسؤول الملف السوري في الإدارة الأميركية والذي زار أنقرة لإيجاد صيغة مشتركة يبدو أنها صعبة المنال حتى الآن ترجم بقنابل صوتية عن شن عملية عسكرية شرق الفرات موجهة ضد قوات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) رغم إدراك الأتراك لخطورة التنفيذ والخطوط الحمر الواضحة أمامهم.
إذاً كلما تعقدت العلاقات الأميركية – التركية نجد أردوغان أقرب الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصامت والهادئ والمستعد للعب دور الوسيط، إن كان في ملف الأكراد لإيجاد خرق ولو بسيط على جبهة شرق الفرات من دون المساس بالوجود الأميركي وضمن حفظ خطوط الاشتباك، أو بين دمشق وأنقرة ما قد ينعكس إيجاباً على ملف إدلب الملتهب منذ أكثر من شهر بضوء أخضر تركي وبدعم لوجستي واضح لجبهة النصرة وصل الى مدينة حلب والتي قصفت من قبل الجماعات المسلحة المتواجدة في ضاحية الراشدين على مدار أسبوع سقط خلالها عدد من الشهداء المدنيين.
هذه هي أوراق الضغط المتبقية بيد الرئيس التركي والتي يسعى الى صرفها سياسياً من خلال حصة وازنة له في اللجنة الدستورية التي ستمهد للحل السياسي العام في سوريا برغم أنه لا يزال يمارس هواية اللعب على التناقضات متجاهلاً أو متناسياً أن دور تركيا وحضورها قبل عام لم يعد ذاته اليوم مع انهيار حلم استلام “الإخوان المسلمين للسلطة في العالم العربي إضافة الى تراجع الاهتمام الأميركي بتفاصيل المنطقة لصالح العلاقة الملتهبة مع إيران من جهة ودول الخليج العربية وإسرائيل وتنفيذ “صفقة القرن” من جهة أخرى.
روسيا وإيران الحليفتان في سوريا رغم كل الاختلافات تدركان تماماً بأن أي تقدم ولو بسيط سيصب في مصلحة الحل السياسي السوري أولاً وفي تقوية دوريهما الإقليميين ثانياً، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. فالساحة السورية هي بوابة العبور لهما الى جميع ملفات المنطقة العالقة، وتبقى ورقة ضغط قوية في وجه الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب بشكل خاص من أجل فرض واقع جديد يسمح بمفاوضات لإيجاد حلول في ساحات أخرى.
وعليه قد تكون قمة أنقرة المقبلة هي المرة الأولى لتي تتوافق فيها المصالح السياسية مع النوايا المعلنة والخفية. فهل ستترجم إيجاباً في الميدان السوري؟

*كاتبة سورية.