“قمّة العُلا” وتحدّيات الوحدة الخليجيّة

“قمّة العُلا” وتحدّيات الوحدة الخليجيّة

شجون عربية _ بقلم: عدنان كريمة _كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان/

طَوَتْ “قمّة العُلا” صفحةَ ثلاثِ سنواتٍ غير مريحة من عُمر مجلس التعاوُن الخليجيّ، وفَتحت الطريقَ نحو خطواتٍ مُستقبليّة، لاستئنافِ مَسيرةٍ إيجابيّة قَطعتْ أربعةَ عقودٍ ماضية منذ العام 1981، وهي تدخُل العقد الخامس لتحقيق هدفَها “الاستراتيجيّ” بإنجاز مَراحِل التكامُل الاقتصاديّ، وصولاً إلى “الوحدة” التي نصَّت عليها الاتّفاقيّة الاقتصاديّة بين دُول المجلس الستّ، وخصوصاً أنّ “قوّتها” تكمن في “وحدتها” لمُواجَهة التحدّيات الأمنيّة والسياسيّة في ظلّ تطوّراتٍ خطيرة تعصف بالمنطقة، وفي وقتٍ تَحدث فيه مُتغيّراتٌ سريعة وتَنشأ تحالُفاتٌ جديدة تقتضيها تكتّلاتٌ اقتصاديّةٌ مُهمّةٌ وفاعِلةٌ في مَسيرة الاقتصاد العالَميّ. وبما أنّ “اتّفاق العُلا” من شأنه أن يُعزِّز وحدة الصفّ وتماسُكه ويُلقي بظلاله الخيّرة على الجميع، فقد وُصِف بأنّه إنجازٌ كبير خليجيّاً، عربيّاً وإسلاميّاً.

أَسفرت “قمّة العُلا” الخليجيّة، والتي تحمل الرقم 41 (عقدت في 5 كانون الثاني/ يناير في محافظة العُلا في المَملكة العربيّة السعوديّة) عن نتائج مهمّة وذات أثرٍ كبير في إعادة تفعيل دَور مجلس التعاوُن الخليجي وتعزيز العمل العربي المُشترَك بعد سنواتٍ من الجمود. وقد ارتبط نجاحُ هذه القمّة بعوامل عدّة، أهمّها:

أوّلاً، مُبادَرةُ المَملكة العربيّة السعوديّة، وبإرادةٍ سياسيّةٍ قويّة، إلى ترميم البيت الخليجي، وضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل المُشترَك في مَسيرة تحقيق أهداف الوحدة الاقتصاديّة ومُواجَهة التحدّيات التي تعترض الإقليم في ضوء تطوّراتٍ تطاول كلّ البلدان العربيّة، وليس الخليجيّة فقط.

ثانياً، إدراكُ دُولِ مجلس التعاوُن أنّ مَركز القرار الخليجي يقع في الرياض، وأنّ أهميّة دَور المَملكة، ليس في الخليج فقط، بل في النطاق العربي بأكمله أيضاً، وخصوصاً لجهة إعادة تفعيل النِّظام الإقليمي العربي. وتبرز في هذا المجال أهميّة مُشارَكة مصر في “قمّة العُلا”، وفي المُصالَحة الخليجيّة – القطريّة، ودَورها الفاعِل في مَسيرة القمّة الثلاثيّة مع العراق والأردن، باعتبار أنّ هذه الدول، مع دُول مجلس التعاون، باتت تُمثِّل الركيزة الأساسيّة لأيّ عملٍ عربي حقيقي، في مُواجَهة التحدّيات الرّاهنة والمُتوقَّعة التي تَستهدف نِظاماً شرق أوسطيّاً، سواء على المستوى السياسي أم الأمني، وحتّى الاقتصادي. مع الإشارة إلى أنّ تعزيز العمل العربي بعامّة، والخليجي بخاصّة، يؤكِّد بالفعل وجود الخيارات العربيّة القادرة على المُواجَهة، واعتماد استراتيجيّة “النديّة” المُتبادَلة على أساس قاعدة المَصالِح المُشترَكة واستعادة أركان النّظام الإقليمي العربي، بما يؤكِّد فاعليّة مجلس التعاون بقوّة، وهو ما لا تريده القوى الإقليميّة (غير العربيّة)، وبعض الدول الكبرى ذات المَصالِح الاستراتيجيّة في المنطقة. ومن هنا أكَّد بيانُ “قمّة العُلا” على وحدة الصفّ وإعلاء المَصلحة المُشترَكة، والمصالح العليا للدول العربيّة، وطَي صفحة الماضي، وتدشين مرحلة جديدة من العلاقات.

تسريع التكامُل

اتَّخذ المجلس الأعلى في “قمّة العُلا” سلسلةَ قراراتٍ تهدف إلى استكمال مقوّمات الوحدة الاقتصاديّة في إطار مجلس التعاوُن، والمَنظومتَيْن الدفاعيّة والأمنيّة المُشترَكة، وبلْورة سياسةٍ خارجيّةٍ مُوحَّدة وفاعِلة، تَحفظ مَصالحه ومُكتسباته وتُجنِّبه الصراعات الإقليميّة والدوليّة وتُلبّي تطلُّعات مُواطنيه وطموحاتهم، على أن تقوم المَجالِس واللّجان الوزاريّة والفنيّة، والأمانة العامّة، وأجهزة المجلس كافّة، بمُضاعَفة الجهود لتحقيق الأهداف.

كذلك أكَّد المجلسُ الأعلى على الاستمرار في مُواصَلة الجهود لتنفيذ القرار المُتعلِّق بمُقترَح خادِم الحرمَيْن الشريفَيْن الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) بالانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتّحاد، وتكليف المجلس الوزاري ورئيس الهيئة المختصّة باستكمال اتّخاذ الإجراءات اللّازمة لذلك، وعرْض حصيلة ما يتمّ التوصُّل إليه على المجلس في دَورتِه المُقبلة.

يأتي هذا القرار تأكيداً على ضرورة الانتقال من “مرحلة التعاون” إلى “مرحلة التكامُل”، وصولاً إلى إنجاز الوحدة الاقتصاديّة بعد استكمال خطوات تنفيذ السوق الخليجيّة المُشترَكة، مع قيام الاتّحاد الجمركي، وخصوصاً أنّ تسريع وتيرة التعاوُن وخطوات الترابُط الأمني والعسكري، تؤدّي إلى استكمال مَنظومتَيْ الأمن والدِّفاع، بما يُشكِّل سَدّاً مَنيعاً أمام التحدّيات الخارجيّة التي تُواجِه دُول المجلس والمنطقة؛ إذ إنّ المفروض بعد مضيّ عقودٍ على تأسيس المجلس أن يكون قد تجاوَز هذه المرحلة ووصلَ إلى مرحلة الاتّحاد والتكامُل الفعلي، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة قيام هذا الاتّحاد وتقويته بأسرع وقتٍ مُمكن في ظلّ وجود عددٍ من العوامل التي تُساعِد على تسريع الاندماج الخليجي، ولاسيّما أنّ دول الخليج باتت على مقربة من أن تكون سادس أقوى قوّة اقتصاديّة في العالَم بحلول العام 2030.

الاتّحاد الجمركيّ

يُعَدّ الاتّحاد الجمركي الذي انطلق في كانون الثاني (يناير) 2003، إحدى أهمّ خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي، ويُشكِّل تحوّلاً نوعيّاً في العمل المُشترَك، لكَونه يقوم أساساً على توحيد التعرفة الجمركيّة وإزالة معوّقات التبادُل التجاري، وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير ومُعامَلة المنطقة الجغرافيّة للدول الأعضاء كمنطقة جمركيّة واحدة.

لا شكّ في أنّ دخول الاتّحاد الجمركي مَرحلة النَّفاذ الفعلي مُبكّراً، كان يُعتبر خطوة كبيرة في سبيل تنمية الاقتصادات الخليجيّة للاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير، إلّا أنّ تراكُم المعوّقات الجمركيّة وغير الجمركيّة، أعاقَ أداء الاتّحاد وفاعليّته، ما أدّى إلى تأجيل مَوعد تدشينه أكثر من 17 سنة، وهي فترة طويلة لم تكُن مُتوقَّعة.

ولوحِظ أنّ الاتّحاد قد حقَّق قفزةً في حجْم التجارة البَيْنيّة بين دول الخليج من 6 مليارات دولار في العام 1984 إلى 110 مليارات في العام 2012، ثمّ إلى نحو 130 مليار دولار، وذلك يعود إلى الإجراءات التي اتَّخذتها الدولُ الأعضاءُ لتسهيل انسياب السلع بينها، من خلال إقامة منطقة التجارة الحرّة وتوحيد التشريعات والإجراءات الخاصّة بالتجارة والاستيراد والتصدير والجمارك.

العملة الموحَّدة

بَدأت فكرة إصدار عملة خليجيّة موحّدة مع نشأة المجلس منذ 39 عاماً. ونظراً للاستقرار النسبي في أسعار الصرف التقاطعيّة لعملات الدول الأعضاء خلال الثمانينيّات والتسعينيّات من القرن الماضي، ولكون إقامة الاتّحاد النقدي وإصدار عملة موحّدة، تُعتبر مرحلة تكامليّة مُتقدِّمة يسبقها في الغالب، ووفق النظريّة الاقتصاديّة، مراحل تكامليّة أخرى، هي منطقة التجارة الحرّة والاتّحاد الجمركي والسوق المُشترَكة، فقد كان الرأي السائد داخل المجلس في أوائل التسعينيّات، أنّ الوقت لم يَحِن بعد لبحث تفاصيل إقامة الاتّحاد النقدي وإصدار العملة الموحّدة؛ ولذلك ارتأى وزراء الماليّة والمُحافظون في دُول المجلس تأجيل بحثه إلى نهاية عقد التسعينيّات.

وبنهاية عقد التسعينيّات، ونظراً لتحقيق تقدُّمٍ في ما يتعلّق بالاتّحاد الجمركي الخليجي، ولنجاح الاتّحاد الأوروبي في موضوع اليورو، أُعيد بحث موضوع العملة الخليجيّة الموحّدة، وقرَّر المجلس الأعلى في قمّته التي عُقدت في البحرين في كانون الأوّل (ديسمبر) 2000 تبنّي الدولار الأميركي كمُثبِّت مُشترَك لعملات دُول المجلس في المرحلة الأولى. وأُعِدَّ برنامجٌ زمني تتّفق خلاله الدول الأعضاء على معايير تقارُب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي اللّازمة لنجاح الاتّحاد النقدي قبل نهاية العام 2005، تمهيداً لإطلاق العملة في موعدٍ لا يَتجاوز الأوّل من كانون الثاني (يناير) 2010.

لكنّ انسحاب سلطنة عُمان في العام 2007، والإمارات في منتصف العام 2009، وَضَعَ المشروعَ أمام تحدّياتٍ صعبة، على الرّغم من أنّ أربع دُول وقَّعت عليه وهي: السعوديّة، قطر، البحرين، الكويت، وأَصبحت “اتّفاقيّة إقامة وحدة نقديّة” نقطةَ انطلاقٍ مُهمّة في بناء مؤسّسات الاتّحاد النقدي الخليجي والمُتمثّلة في المجلس النقدي والبنك المركزي. وفي حال إقرار عملة خليجيّة موحّدة، فإنّ ذلك يعني أنّ 6 اقتصادات موحّدة أفضل من اقتصادٍ واحدٍ على حدة. كما أنّ ذلك سيُسهم في التكامُل الاقتصادي بين دول الخليج، وفي صدور قراراتٍ سياديّة ونقديّة تضيف قوّة إلى دُولِ مجلس التعاوُن، فضلاً عن أنّ العملة الموحّدة ستُساعد في إمكانيّة التحكُّم بالتضخُّم والانكماش على مستوى الدول الأعضاء، كذلك ستدعم اقتصاداتها كافّة، كما ستزيد من القوّة التفاوُضيّة التجاريّة مع باقي دُولِ العالَم، فضلاً عن أنّها ستُسهِم في القضاء على المَخاطِر المُتعلِّقة بأسعار صرف العملات الخليجيّة وحلّ مُشكلات التجارة البَيْنيّة وتعميق مفهوم السوق الواحدة.

نموّ الاقتصاد

ووفق ما أكَّده اتّحاد الغرف التجاريّة والصناعيّة الخليجيّة، فإنّ المزاج السياسي في المنطقة، الذي نَجم عن بيان “قمّة العُلا”، سيُسرِّع وتيرةَ العمل في الفترة المُقبلة لاستكمال مُتطلّبات الاتّحاد الجمركي والسوق المُشترَكة، وتحقيق المُواطَنة الاقتصاديّة الكاملة، بما في ذلك منح مُواطِني دُول المجلس الحريّة في العمل والتنقُّل والاستثمار والمُساواة في تلقّي التعليم والرعاية الصحيّة، وبناء شبكة سكّة الحديد الخليجيّة، ومنظومة الأمن الغذائي والمائي، وتشجيع المشاريع المُشترَكة وتوطين الاستثمار الخليجي. وستنعكس الأجواء الإيجابيّة التي أَفرزتها القمّة على زيادة التجارة البَيْنيّة الخليجيّة ونموّها وعلى نموّ الاقتصاد الخليجي بشكلٍ عامّ، وذلك على أمل أن يتأسَّس الإنفاقُ الحكومي للدول الستّ على رؤىً تنمويّة طموحة، نظراً إلى ضخامة هذا الإنفاق الذي بلغ نحو 560 مليار دولار في العام 2020، مع العِلم أنّ النّاتج المحلّي الإجمالي الخليجي بلغَ 1640 مليار دولار عام 2019، ثمّ انخفض إلى 1388 مليار دولار في العام الماضي، نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا المُستجِدّ، ولكنّه يُتوقَّع أن يعود إلى الارتفاع ليصل الى نحو 1482 مليار دولار في العام الحالي، الأمر الذي يُبرِز أهميّة الاقتصاد الخليجي بين التكتّلات الاقتصاديّة الكبرى المؤثِّرة في مَسيرة الاقتصاد العالَمي.

مؤسسة الفكر العربي