هآرتس: إجراء الانتخابات يمكن أن ينشّط السياسة الفلسطينية بشرط عدم تدخّل إسرائيل

هآرتس: إجراء الانتخابات يمكن أن ينشّط السياسة الفلسطينية بشرط عدم تدخّل إسرائيل

شجون عربية – بقلم محللة الشؤون الفلسطينية:عميره هاس/

تهانٍ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار سُمعت في الأول من أمس بعد إصدار محمود عباس أمراً رئاسياً بشأن إجراء انتخابات ثالثة للبرلمان الفلسطيني في أيار/مايو، وانتخابات للرئاسة في السلطة الفلسطينية في تموز/يوليو، وذلك بعد مرور عشر سنوات على الموعد الذي كان يجب إجراؤها فيه. التهاني في محلها: على الرغم من واقع الانقسام والعزل الذي تفرضه إسرائيل، إن القوى السياسية والأطراف المهنية الفلسطينية، وكذلك لجنة الانتخابات العامة، لا يزالون يتعاملون مع الفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الغربية- بما في ذلك سكان القدس الشرقية – ككتلة واحدة ذات مصالح مشتركة يجب التعبير عنها في صناديق الاقتراع.

طوال سنوات فضّل كلّ من “حماس” وفتح” عدم إجراء انتخابات عامة، على الرغم من ادعائهما علناً العكس. ممثلو الدول المانحة للسلطة الفلسطينية كانوا محرَجين من شلل العملية الديمقراطية – الرسمية لدى السلطة الواقعة تحت رعايتها. لكن الجمهور الفلسطيني لم يتعود على واقع من دون انتخابات: نحو ثلاثة أرباع الذين شملهم استطلاع جرى قبل شهر قالوا أنه يجب إجراء انتخابات. مواقف الجمهور ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية وأحزاب صغيرة تغلبت على وجود سلطة دائمة منقسمة إلى حركتين. أيضاً تهانينا على هذا.

لكن في الأيام المقبلة ستحل الشكوك محل التهاني: جزء من الأطراف التي أفشلت محاولات إجراء الانتخابات لم يجر التخلص منه، وأُضيف إليه وباء الكورونا. تسجيل الناخبين الجدد والقوائم سيجري إلكترونياً – لكن التصويت سيكون في صناديق الاقتراع. وإذا لم يتراجع بصورة كبيرة حجم تفشي الفيروس وأعداد الوفيات والمرضى ذوي الحالات الصعبة في أيار/مايو- يمكن أن يصبح الوباء حجة لتأجيل الانتخابات، وخصوصاً إذا اكتشفت حركة “فتح” عشية الانتخابات أنها يمكن أن تتكبد مرة أُخرى خسارة قاسية، بسبب ممارسات الفساد والزبائنية التي نُسبت إليها سابقاً ولا تزال تُنسب إليها اليوم أيضاً. يضاف إلى ذلك تقدير سلبي جداً لأدائها وأداء عباس.

نحو 66% من المشاركين في استطلاع أُجريَ في كانون الأول/ديسمبر بإشراف المعهد الفلسطيني لاستطلاعات الرأي والأبحاث السياسية في رام الله وبإدارة خليل الشقاقي، يؤيدون استقالة محمود عباس. لو تجري انتخابات رئاسية الآن، ستنتخب أغلبية تقدَّر بـ50% إسماعيل هنية زعيم “حماس”، في مقابل 43 % سينتخبون عباس. من بين كل كبار مسؤولي “فتح”، فقط مروان البرغوثي، المحكوم بالسجن المؤبد في إسرائيل، قادر على إلحاق الهزيمة بهنية في صناديق الاقتراع. لكن من أجل طرحه كمرشح لحركة “فتح” على الرئاسة، هذه الحركة بحاجة إلى إظهار حس مبتكَر ومرونة خسرتهما منذ زمن طويل. إذا جرت انتخابات المجلس التشريعي في أيار/مايو القادم فإن النتيجة لن تكون كما تريدها “فتح”، ومن المعقول أن تجد حيلاً لتأجيل الانتخابات الرئاسية.

المسؤولون الكبار في “فتح” منقطعون عن الجمهور إلى حد أنهم غير قادرين على تخيّل الهزيمة. صحيح أن الاستطلاع يمنح “فتح” تفوقاً بسيطاً على “حماس” في الانتخابات البرلمانية (38% في مقابل 34%، حجم التأييد كبير جداً في الضفة الغربية ومتدنٍّ أكثر في القطاع)، لكن في مواجهة النزاعات والانقسامات الداخلية في “فتح”، من المعقول أن تبرز في “فتح” قائمة إضافية من أنصار الحركة الذين استُبعدوا عن مراكز القوة – مثل أنصار محمد دحلان ومن أوساط البرغوثي. من الصعب رؤية “فتح” تتغلب خلال خمسة أشهر على نزاعات داخلية ومنافسات بين كبار مسؤوليها، الذين على الرغم من أن أياً منهم لا يحظى بشعبية لدى الجمهور، يترشح في قائمة واحدة موحدة (تقديم القوائم ينتهي في الأول من أيار/مايو).

درس 2006

مع ذلك من المحتمل جداً أن يتذكر الجمهور الفلسطيني درس 2006: عندما عاقب “فتح” في صناديق الاقتراع وفضّل عليها ممثلي “حماس” في الانتخابات التي جرت بصورة نظيفة وشفافة – إسرائيل وسائر العالم عاقبوا الجمهور الفلسطيني على خياره من خلال وقف تحويل أموال الضرائب التي تُجبى على المعابر، ولاحقاً المساعدات. مثل هذا التخوف هو بمثابة اعتراف بوجود رشوة في الانتخابات (انتخبوا مَن نريد أن تنتخبوهم وإلّا فإن خزانة وزارة مالكم ستصبح فارغة). أيضاً حقيقة أن إسرائيل اعتقلت أغلبية ناخبي “حماس” في الضفة الغربية (وسحبت الإقامة الإسرائيلية من النواب في القدس الشرقية) – يمكن أن تؤثر في تركيبة القوائم التي ستتنافس في مواجهة “فتح”. لذلك بخلاف توقعات محللين إسرائيليين، لن يكون في إمكان “حماس” الترشح والسيطرة على الجيوب الفلسطينية في الضفة الغربية التي أصبحت غائبة عنها اليوم بسبب وسائل القمع الإسرائيلية، أو وسائل القمع الفلسطينية في الضفة الغربية من السلطة الفلسطينية. الأهم بالنسبة إليها أن تواصل أغلبية السكان في القطاع التصويت لها. على هذا الأساس، في إمكان “حماس” و”فتح” إعطاء تحديد جديد لواقع الانقسام القائم اليوم، وتسميته “حكومة طوارىء وطنية”، مع المحافظة على أنصارهما وإمساكهما بالسلطة.

مجرد إصدار الأمر الرئاسي يدل على أن التفاهمات التي سعت لها “حماس” و”فتح” في السنة الماضية تحققت مؤخراً – أو على الأقل المرحلة الأولى منها، على الرغم من التوقعات أن استئناف التنسيق الأمني مع إسرائيل عرقل عملية التقارب التي أدارها جبريل الرجوب من “فتح”، وصلاح العاروري من “حماس”. صدر الأمر بعد خمسة أيام على توقيع “حماس” قانون انتخابات جديد ألغى الشرط الذي أُدخل على القانون في سنة 2007، والذي يطلب من المرشحين الالتزام باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. إلغاء الشرط جرى بطلب من “حماس” التي تنازلت من جهتها عن مطالبتها بإجراء الانتخابات للبرلمان وللرئاسة في وقت واحد (أيضاً أغلبية الجمهور الفلسطيني تؤيد الانتخابات في وقت واحد).

تحدي القدس الشرقية

كما تقرر في القانون العائد إلى سنة 2007، ستجري الانتخابات وفق قانون النسبية، وستتنافس فيها قوائم على مستوى القُطر بأكلمه، بعكس القانون الذي يمزج بين قوائم على مستوى القُطر وبين مرشحين فرديين انتُخبوا في كل محافظة كما جرى في سنة 2006، وكما تفضل “حماس”، والمقصود مرشحون متدينون يترشحون في منطقة صغيرة نسبياًـ يحظون بثقة الجمهور التقليدي أكثر من مرشحين علمانيين أو متدينيين غير متشددين. كما تقرر تخصيص نسبة لتمثيل النساء تبلغ 26% من مجموع 132 عضواً في البرلمان.

من الناحية المهنية والتكتيكية، تُعد لجنة الانتخابات العامة برئاسة د. حنا ناصر (الذي كان سابقاً رئيساً لجامعة بيرزيت، وطردته إسرائيل سنة 1974 بسبب مواقفه) منذ عشر سنوات لإجراء انتخابات منتظمة. جزء أساسي من التفاهمات التي تحققت في قانون الانتخابات المحدث يعود الفضل فيه إلى اللجنة وإلى دورها كوسيطة بين “حماس” و”فتح”. أحد التحديات المطروحة عليها وعلى المنظومة السياسية كلها هو مشاركة الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية في الانتخابات. في الماضي استخدمت “حماس” و”فتح” ذريعة أن إسرائيل لن تسمح بإجراء انتخابات في القدس الشرقية لتأجيل موعد إجرائها مرات عديدة. بحسب الاستطلاع المذكور أعلاه، 56% من الجمهور يؤيد إجراء انتخابات عامة أيضاً حتى لو لم تجر في القدس (مقابل 39% يعارضون ذلك). كلما كانت الرغبة في إجراء انتخابات قوية لدى “فتح” فإنها ستجد وسائل للالتفاف على معارضة إسرائيل. والعكس صحيح، فكلما تخوفت “فتح” من نتائج الانتخابات، كلما كان إصرارها الرمزي على إجراء الانتخابات في القدس أكبر.

مع كل العيوب المفهومة في إجراء انتخابات في ظل الاحتلال الإسرائيلي، فإن العملية نفسها يمكن أن تثير اهتمام جماهير الشباب وتشجعهم على المشاركة وتفاجىء بظهور وجوه جديدة. المنظومة الفلسطينية المتحجرة يمكن أن تستعيد نشاطها. كل ذلك بشرط ألّا تقف إسرائيل على يمين ويسار المرشحين الذين سيتحدثون عن تكتيكات نضال شعبي، وألّا تسمح فقط للجزء الموالي لها داخل “فتح” بالترشح على المناصب.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية