هل سينجح البنتاغون في التصدي لتفشي التطرف في القوات المسلحة؟

هل سينجح البنتاغون في التصدي لتفشي التطرف في القوات المسلحة؟

شجون عربية _ بقلم: د. منذر سليمان وجعفر الجعفري/

قرعت “غزوة الكونغرس” التي نفذها أنصار الرئيس ترامب جرس الإنذار في المؤسسات الأميركية المتعددة، وما تزال أصداؤها تتفاعل بقوة،  للدلالة على عمق تفشي ظاهرة التعصب والتطرف بين “الميليشيات اليمينية” في المجتمع الأميركي، والذين وصفتهم مرشحة الرئاسة السابقة هيلاري كلينتون بـ “التعساء”.

  استنكر الرئيس المنتخب جو بايدن أفعال المجموعات المتسببة بالهجوم على مؤسسات الدولة، والتي كادت ترتقي إلى مصاف انقلاب على المؤسسة الحاكمة، واستغل خطابه الرئاسي للتنديد الشديد بـ “الإرهاب المحلي ومجموعات البيض العنصرية”، أمرُ نادر الحدوث أو الإشارة إليه في مناسبة سعيدة في التاريخ السياسي الأميركي.

عقب تسلّمه مهام منصبه الرئاسي الجديد، أصدرت وزارة الأمن الداخلي “بلاغ تحذير من إرهاب” اليمين المتطرف في الداخل الأميركي، معتبرة وقائع الغزوة وخطورتها “مقدمة لعنف التطرف الداخلي، مستهدفاً مسؤولي الدولة ومرافقها وبناها التحتية الحيوية، منها قطاعات شبكة توزيع الكهرباء والاتصالات ونظام الرعاية الصحية”.

   تحقيقات الأجهزة الأمنية المتعددة في هوية المعتدين على الكونغرس أبرزت تورط العديد من البيض وممن خدموا أو ما زالوا منتسبين إليها، ولا سيما سلاح الجيش، وهم يتمتعون بتدريبات عسكرية رفيعة المستوى.

  الرئيس الأسبق لأكبر منظمة عنصرية أميركية، جيف شوب، بعد استقالته من المجموعة النازية “قومية البيض”، أوضح مؤخراً أن أساليب الاستقطاب تتركز بالدرجة الأولى على عناصر القوات العسكرية.

وأضاف في تغريدة له “المتطرفون يستهدفون تجنيد عناصر القوات العسكرية بقوة مستخدمين شتى الأساليب. وجود عدد كبير من المتقاعدين في الخدمة العسكرية الرسمية كأعضاء فاعلين في المجموعات المتطرفة سيهز معظم الشعب الأميركي ويحبطه ” لو تم الإفصاح عن الأرقام الحقيقية.

منظمة الحقوق المدنية المرموقة “المركز القانوني الجنوبي للفقر”، ومقرها في مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا، أصدرت تقريراً مفصلاً حول خطورة المنظمات المتطرفة والنازية الجديدة، مطلع شهر شباط/فبراير الجاري، يعتبر أن منظمات “حراس القسم” و “براود بويز” المكونة من متطرفي البيض مخترقة بكثافة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، والقسم الآخر منها مكوّن من “المحاربين القدامى المهمشين”.

وزير الدفاع الجديد، لويد اوستن، أصدر تعميماً لقطاعات القوات العسكرية كافة يناشد قادتها إجراء تحقيقات مفصلة في النفوذ المتزايد للمتطرفين داخل صفوف القوات، مستنداً إلى البيانات الأمنية الرسمية التي أفادت بمشاركة فاعلة لعناصر عسكرية سابقة في غزوة الكابيتول، وتقديم تقاريرها النهائية خلال 60 يوماً. كما تعهد اوستن “بتخليص صفوف القوات المسلحة من العنصريين والمتطرفين” خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ.

 ظاهرة التطرف وخطورة تفشي العنصرية من البيض داخل صفوف القوات المسلحة تطفو إلى السطح منذ حملة الدولة العنيفة ضد حركة الحقوق المدنية في عقد الستينيات من القرن الماضي. وقد عالجتها البنتاغون بعقد “ندوات نقاشية” متباعدة زمنياً، سرعان ما تتبخر ويجري القفز عنها.

المتحدث باسم وزارة الدفاع جون كيربي أشار مؤخراً إلى جهود مكتب التحقيقات الفيدرالي في تتبع “68 تحقيقاً” خاصاً بمشاركة عناصر من القوات المسلحة في الإرهاب الداخلي العام الماضي، مؤكداً خطورة “التطرف والعنصرية البيضاء كظاهرة” جدية ينبغي مواجهتها.

   قدم مكتب التحقيقات الفيدرالي تقريراً مفصلاً للكونغرس، في شهر أيار/مايو 2019، أووضح فيه أنه “يتتبع نحو 850 تحقيقاً في الإرهاب الداخلي، وأن الغالبية الكبرى منها تتعلق بالمتطرفين والعنصريين البيض”.

المحاضر في الشؤون العسكرية واللواء السابق توماس كولديتز حذر بشدة من تنامي تطرف البيض، قائلاً في مقابلة مع مجلة “فورتشين” الأميركية: “أحد أكبر مخاوفي هو وجود تعاطف قوي بين صفوف القوات يدعم ترامب، فمناصروه قد يَستقطبون الآلاف من عناصر القوات المسلحة، إضافة إلى موظفي وزارة الدفاع” بسلاسة ويُسر.

كما حذرت افتتاحية في صحيفة “واشنطن بوست” من تنامي العنصرية وتجذرها، قائلة: “هناك ملايين الأميركيين، كلهم تقريباً من البيض، ومعظمهم مؤيدو الحزب الجمهوري، ينبغي إعادة تثقيفهم” (12 كانون الثاني/يناير 2021).

 رئيس عمليات سلاح البحرية، الأدميرال مايك غيلداي، التقط نصيحة الصحيفة، فقال: “تقع على عاتقنا مسؤولية تثقيف أولئك الذين يتقاعدون من الخدمة الرسمية وتحذيرهم من أنهم عرضة للتجنيد من قبل اولئك “العنصريين”، وعليهم التيقن من وسائل اتصالات متعددة بهم عبر البريد الالكتروني او وسائل التواصل الاجتماعي” (5 شباط/فبراير الجاري).

  وقد أجرت المجلة المختصة بالشؤون العسكرية “ميليتاري تايمز” استطلاع رأي بين صفوف القوات المسلحة، كان لنتيجته وقع الصاعقة على المسؤولين الأميركيين، إذ أشار إلى “أكثر من ثُلث (36%) القوات المسلحة تحت الخدمة الفعلية، وأكثر من نصف العناصر من الأقليات، أكدوا تحسسهم وتعرضهم المباشر لحوادث عنصرية من القوميين البيض أو لعنصرية تغذيها توجهات ايديولوجية” (6 شباط/فبراير 2020).

تجسدت التحذيرات في غزوة الكابيتول بمشاركة عدد من العناصر العسكرية، أحدهم ضابط متقاعد في سلاح الجو، “قام بدور محوري في اقتحام قاعة مجلس الشيوخ”، ومتقاعد آخر في سلاح البحرية قُتل برصاص الشرطة خلال محاولته اقتحام مكتب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي.

  السيناتور الجمهوري عن ولاية نبراسكا، بن ساسي، اصطدم مع قيادات حزبه المركزية والمحلية عقب إعلان نيته التصويت بنعم لمحاكمة الرئيس ترامب، محذراً الجميع من التكتلات والانقسامات العمودية في الحزب بين جناحي “المحافظين والمجانين”، زذلك في 4 شباط/فبراير الجاري.

 لدى منظمات “الإرهاب الداخلي” الأميركية علاقات وثيقة بمجموعات عنصرية مماثلة في عدد من الدول، منها “أستراليا وكندا وروسيا وجنوب إفريقيا”، بحسب تقرير شامل حول ظاهرة التطرف أجراه “مركز صوفان” الأميركي للأبحاث في العام 2019.

 وحذر التقرير أعلاه من عنصر الإغراء في تحول اوكرانيا إلى حلقة استقطاب محورية للشبكات العنصرية البيضاء على الصعيد العالمي، موضحاً توجه ما لا يقل عن 17،000 عنصر من الأجانب من 50 دولة، من بينها الولايات المتحدة، لأغراض التدريب، ومن ثم التوجه إلى القتال في “سوريا” والانضمام إلى العنصريين في أوكرانيا ضد روسيا دون عوائق تذكر.

 من أبرز المجموعات العنصرية الأميركية، بحسب بيانات الأجهزة الأمنية الرسمية، منظمتا “أتوم وافين (Atomwaffen)” و “رايز أبف موفمنت (Rise Above Movement)” اللتان استقطبتا مجندين سابقين خدموا في العراق وأفغانستان، بعض أعضائهما “سافر إلى أألمانيا واوكرانيا وإيطاليا للاحتفاء بعيد ميلاد ادولف هتلر”. براندون كلينت راسل هو مؤسس “أتوم وافين” وعضو فاعل في سلاح الحرس الوطني في ولاية فلوريدا، اتهمته السلطات الأمنية الأميركية بحيازة مادة شديدة التفجير “HMTD” يمكن صنعها من مواد كيميائية تجارية في مرآب منزله، إضافة إلى متفجرات أخرى ومكونات ذخيرة ومعدات كهربائية.

  فيما يخص القوات المسلحة الأميركية، تحرص أركان المؤسسة الحاكمة على تجنيب البنتاغون “عنصرية متجذرة”، حفاظاً على تماسكها وسمعتها وتراتبية قياداتها، على الرغم من تنامي الشكاوى من قبل المنتسبين إلى المؤسسة العسكرية مما هو عكس ذلك ، وخصوصاً بين النساء والأقليات اللذين سمح لهم حديثاً بالانخراط في صفوف القوات القتالية.

  مجلس العلاقات الخارجية المرموق والحاضن الفكري والسياسي لإدارة الرئيس بايدن أجرى استقصاء داخل البنتاغون قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مؤكداً في تقريره أن بنية “المؤسسة العسكرية تشير إلى انفتاحها” على الآراء المختلفة واستقطاب عناصر من الفئات الاجتماعية كافة. واستدرك تقريره بالقول إن “القوات العسكرية الأميركية طبقت خطوات ملموسة في العقد الماضي لبناء هيكل قتالي متعدد الانتماءات (العرقية)، وبذلت جهوداً لاستقطاب عناصر كفؤة للانضمام إليها”.

وغفل التقرير عن الإشارة إلى النسب الحقيقية للمرأة والأقليات في صفوف القوات العسكرية، والتي يبلغ تعدادها نحو 1.3 مليون عنصر، وخصوصاً أن الرتب العسكرية العليا تذهب بمعظمها إلى البيض، ويتصدر سلاح حرس الشواطيء الفروع الأخرى في غلبة العنصر الأبيض على بنيته، وارتفاع معدل ضباطه من النساء إلى نحو 25%، مقابل سلاح الجو الذي تصل فيه مشاركة المرأة في الانتساب إلى صفوفه إلى نسبة 21%، وهي الأعلى بين الفروع الأخرى كافة.

  طالب العديد من المؤسسات والنخب الفكرية والسياسية الكونغرس باتخاذ خطوات عاجلة ملموسة للتصدي للعنصرية المؤسساتية، واستجاب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، مارك وورنر، بعض الشيء، مؤكداً لصحيفة “نيويورك تايمز” أنه “ينوي تشكيل لجنة تحقيق للمنظمات العنصرية من الحزبين، تتناول علاقاتها مع مثيلاتها في الخارج” (4 شباط/فبراير الجاري). النية بعمل الشيء لا ترتقي إلى مستوى الفعل بعينه، فالسيناتور وورنر يمتلك مروحة واسعة من الصلاحيات لتنفيذ ذلك، بل إن الجهود تثمر لو توفرت النيات الحقيقية.

 مبادرة وزير الدفاع لويد اوستن قد لا تصمد طويلاً .ومن غير المرجح أن تسفر عن إجراءات حقيقية ضد العقلية العنصرية التي يتقن أعضاءها فن التخفي والاحتفاظ بآرائهم ضمن حلقات ضيقة، مراهنين على الدعم والتأييد الواسع لهم داخل صفوف القوات الأمنية والعسكرية في المؤسسات كافة.

 الأكاديمي الأميركي المختص بالإرهاب، جون هورغان، أوجز معضلة التصدي للعنصرية بين البيض بأنها قضية “متشعبة تستند إلى ايديولوجية متجذرة في المجتمع الغربي، وستثبت أنها عصية على الهزيمة مقارنة بجهود اجتثاث الجهادية” الاسلامية (تقرير “مركز صوفان” للأبحاث).