وساطة قطرية أم سيناريو جديد!!!

وساطة قطرية أم سيناريو جديد!!!

بقلم: محمود موسى مصطفى/

شهدت الفترة الماضية تحركات دبلوماسية قطرية ملفتة للانتباه في محاولة لخفض التصعيد والتوتر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية على أثر عملية الاغتيال التي نفذتها طائرة مروحية أميركية، استهدفت موكب قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس صباح يوم الجمعة 3 كانون الأول من العام الجاري، مما أدى إلى مقتل اللواء سليماني والمهندس ومرافقيه أثناء خروج الموكب من مطار بغداد الدولي.
لم تمضِ 24 ساعة على العملية الإرهابية التي أمر بتنفيذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث أعلنت طهران عن زيارة وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني للعاصمة الإيرانية، وعقد الوزير القطري اجتماعات عدة مع المسؤولين الإيرانيين ومنها ما لم يعلن عن فحواها، بعد أن تناولت الصحافة العربية والعالمية في بداية الأزمة الإيرانية – الأميركية خبراً حول استهداف موكب سليماني والمهندس ومرافقيه بطائرة أميركية مسيرة، سبق وانطلقت من قاعدة العديد الأميركية في قطر، وتبعتها تصريحات غاضبة من المسؤولين الإيرانيين تلوح بالانتقام، وقطع رجل أميركا في المنطقة.
وعلى الفور صدر بيان من وزارة الخارجية القطرية “طالب جميع الأطراف بضبط النفس وتجنيب العراق وشعبه وشعوب المنطقة عموماً الدخول في حلقة العنف المفرغة، داعية المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته تجاه المنطقة”. وعلى التوازي أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يوم الاثنين 6 كانون الأول اتصالاً هاتفياً مع رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي، وسبقه اتصال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية اتخاذ البرلمان العراقي قراره الجريء والتاريخي يوم الأحد 5 كانون الأول بتكليف الحكومة العراقية بإنهاء كافة الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، وخروج القوات الأجنبية من العراق.
وبرغم كل التحركات الدبلوماسية القطرية فشلت الدوحة بإقناع الإيرانيين العدول عن الرد العسكري على المجزرة المرتكبة، وجاءت الضربة الإيرانية الانتقامية صباح يوم الأربعاء 8 كانون الأول استهدفت قاعدة (عين الأسد) القريبة من محافظة الرمادي والتي انطلقت منها الطائرة المروحية التي نفذت عملية اغتيال سليماني والمهندس ورفاقهم، وقاعدة (حرير) في أربيل في العراق، وأعرب مجلس الوزراء القطري في اجتماع عقده بعد الضربة الإيرانية “عن قلقه إزاء التطورات التي تشهدها المنطقة حالياً، مؤكداً ضرورة إعلاء صوت العقل والحكمة وتخفيف التوتر ووقوف التصعيد وضمان الأمن والاستقرار”.
وكما هو معتاد، تحاول قطر إظهار نفسها بأنها دولة عظيمة ومهمة وذات شأن كبير ولها وزنها السياسي والدبلوماسي في المنطقة والعالم، كما وصفها جدعان بن حمد شقيق الأمير تميم في تغريدته على “تويتر” مشيراً إلى أن بلاده “بعدما اشتبكت المصالح وتضاربت المشاريع الإقليمية والدولية، نقوم بدور وساطة بهدف قيادة المنطقة إلى السلام، وأن الجميع يثق في قدرة الدوحة على تقريب وجهات النظر بين العواصم المتخاصمة وإطفاء الحرائق التي أشعلتها أخطاء متراكمة”.
وسبق قامت قطر في منتصف العام الماضي 2019 بواسطة بين إيران وأميركا، لم تؤدِ إلى أية نتائج بسبب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، والعقوبات الاقتصادية القاسية، والتهديدات الأميركية المتواصلة لإيران.
وفي المقابل ساعدت إيران دولة قطر على فك عزلتها السياسية والاقتصادية المفروضة عليها من دول المقاطعة الخليجية الأربع ومن بقية الدول العربية، ففتحت إيران موانئها وأجواءها للحركة التجارية القطرية. ربما تكون الوساطة القطرية بين إيران وأميركا هي من باب رد الجميل لإيران على ما قامت به تجاه قطر سابقاً أثناء أزمتها، أو أن هناك مشروعاً أميركياً قطرياً سرياً ومبيتاً يحلق بالأفق يستهدف الجبهة الداخلية لإيران والعراق والمنطقة،. وهذا الشيء ليس بجديد على دولة مثل قطر أن تلعب هذا السيناريو، حيث لعبت هذا السيناريو في سورية بعد أن فتحت دمشق أحضانها للمسؤولين القطريين وعاملتهم معاملة الأخوة بدافع وطني وعروبي. وانقلبت قطر على سورية ودعمت الإرهاب طيلة تسع سنوات من الأزمة السورية الخانقة، وخلالها دمرت مقدرات البلد والبنية التحتية له وقتل وجرح وفقد وهجر الملايين من السوريين. وما زالت قطر مستمرة بالاتفاق مع تركيا تدعم المجموعات المسلحة الإرهابية، وبكل وقاحة دعمت الدوحة الغزو التركي البربري على الشمال السوري واعتبرته عملاً عسكرياً مشروعاً، وتأمرت على مصر وساهمت في دمار ليبيا واليمن.
ومن الملاحظ بأن أكثر الدول العربية تشتكي من سوء العلاقات مع قطر بسبب تدخلها في شؤونها الداخلية، واتخذت تركيا قاعدة لها في قطر لتحقيق مآرب وأحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمد النفوذ التركي في الخليج العربي، ولا يخفى على أحد العلاقات القطرية مع الكيان الصهيوني منذ فترة حكم الحمدين بن آل ثاني الأمير ووزير خارجيته.
وفي ظل اتخاذ محور المقاومة قراره بقطع رجل أميركا من منطقة غرب آسيا، القرار الذي لا رجعة عنه، وهو المشروع الشامل للمقاومة والذي يمتد من إيران والعراق إلى سورية ولبنان وفلسطين واليمن، ستظهر مقاومة علنية وسرية في دول الخليج والمنطقة والعالم لضرب مصالح أميركا وإسرائيل والقوى الرجعية بأكملها. وهذا يشمل دولة قطر التي تتمركز على أراضيها قاعدتان أميركيتان وهما: قاعدة العديد وقاعدة السيلية.
وتعتبر قاعدة العديد من أكبر القواعد الأميركية في المنطقة ويتمركز فيها 11 ألف جندي أميريكي وعدد كبير من الطائرات الحربية المتنوعة وترسانة كبيرة من الأسلحة.
أما قاعدة السيلية فهي تستخدم كمستودعات للمعدات العسكرية الأميركية، لذلك لم تعد دولة قطر خارج نطاق المعادلة والاستهداف، وحالها مثل حال بقية الدول التي تستضيف قواعد أميركية على أراضيها، بل وضع قطر سيكون أسوأ من الدول الأخرى. فعلاقة الدوحة مع أكثر عواصم الدول العربية سيئة بسبب تدخلها في شؤونهم الداخلية، فلا يمكن لقطر أن تكسب ود ورضا إيران على حساب أميركا وبالعكس. وهذا ينطبق على بقية دول المنطقة التي لديها قوات أميركية على أراضيها، فنهاية المشروع الأميركي في المنطقة أصبح حتمياً وهذا ينطبق على المشروع الصهيوني كذلك.