تجاوزوا الحد، السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد

تجاوزوا الحد، السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد
Spread the love

 

 

 

شجون عربية _ يعيش اليوم حوالي 6.8 مليون يهودي إسرائيلي و6.8 مليون فلسطيني في المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، وهي منطقة تشمل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. تتكوّن هذه الأخيرة من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة،  في معظم أنحاء هذه المنطقة، إسرائيل هي القوة الحاكمة الوحيدة؛ وهي تمارس في باقي المناطق سلطة رئيسية، إلى جانب حكم ذاتي فلسطيني محدود. تمنح السلطات الإسرائيلية في هذه المناطق امتيازات بشكل ممنهج لليهود في أغلب مناحي الحياة، وتميّز ضدّ الفلسطينيين. توضح كل من القوانين، والسياسات، وتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين أن الهدف الرامي إلى إبقاء الهيمنة الإسرائيلية اليهودية على التركيبة السكانية، والسلطة السياسية، والأرض هو ما وجّه سياسة الحكومة منذ زمن طويل. لتحقيق هذا الهدف، عمدت السلطات بدرجات مختلفة من الشدة إلى نزع ممتلكات الفلسطينيين، وإخضاعهم، وعزلهم، وفصلهم قسرا بحكم هويتهم في بعض المناطق، بحسب ما يظهره التقرير، كان هذا الحرمان شديدا إلى درجة أنه يرقى إلى مستوى الفصل العنصري والاضطهاد، وهما جريمتان ضدّ الإنسانية.

هناك العديد من الافتراضات السائدة التي حجبت واقع التمييز الراسخ في حكم إسرائيل للفلسطينيين، ومنها اعتبار الاحتلال مؤقتا، وأن “عملية السلام” ستضع حدا للانتهاكات الإسرائيلية قريبا، وأن الفلسطينيين يتحكمون حقا في حياتهم في الضفة الغربية وغزة، وأنّ إسرائيل ديمقراطية قائمة على المساواة داخل حدودها. مارست إسرائيل حكما عسكريا على جزء من السكان الفلسطينيين طيلة تاريخها البالغ 73 عاما باستثناء ستة أشهر فقط. مارست ذلك على الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين داخل إسرائيل من 1948 إلى 1966. من 1967 إلى اليوم، حكمت فلسطينيي الأراضي المحتلة، باستثناء القدس الشرقية. في المقابل، حكمت إسرائيل منذ تأسيسها جميع الإسرائيليين اليهود، ومنهم المستوطنون في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بداية الاحتلال في 1967، بموجب قانون مدني فيه احترام أكبر للحقوق.

على مدى السنوات الـ 54 الماضية، سهّلت السلطات الإسرائيلية نقل اليهود الإسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنحتهم مكانة أعلى بموجب القانون مقارنة بالفلسطينيين الذين يعيشون في نفس المناطق في ما يتعلق بالحقوق المدنية، والوصول إلى الأرض، وحرية التنقل والبناء، ومنح حقوق الإقامة للأقارب. رغم أن الفلسطينيين لديهم قدر محدود من الحكم الذاتي في أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أنّ إسرائيل حافظت على سيطرة أساسية على الحدود، والمجال الجوي، وحركة الأشخاص والبضائع، والأمن، وسجل السكان بأكمله، وهو ما يُحدّد بدوره مسائل أخرى مثل المكانة القانونية وأهلية الحصول على بطاقات الهوية.

عبّر مسؤولون إسرائيليون متعاقبون بوضوح عن نيتهم الحفاظ على هذه السيطرة إلى الأبد، ودعموا ذلك من خلال أفعالهم، بما فيها التوسع الاستيطاني المستمر طيلة “عملية السلام” منذ عقود. قد يؤدي الضمّ الأحادي الجانب لأجزاء أخرى من الضفة الغربية، الذي تعهدت حكومة بنيامين ناتنياهو بتنفيذه، إلى إضفاء طابع رسمي على واقع الهيمنة والقمع الإسرائيلي المنهجي السائد منذ فترة طويلة، دون تغيير واقع كون الضفة الغربية بأكملها محتلة بموجب القانون الدولي للاحتلال، بما فيها القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل بشكل أحادي الجانب في 1967.

حدد القانون الجنائي الدولي جريمتين ضد الإنسانية لحالات التمييز والقمع المنهجيين: الفصل العنصري والاضطهاد. الجرائم ضدّ الإنسانية من أشنع الجرائم في القانون الدولي.

على مرّ السنين، فصل المجتمع الدولي مصطلح الفصل العنصري، “الأبارتهايد”، عن سياقه الأصلي في جنوب أفريقيا، وفرض حظرا عالميا على ممارسته، واعترف به كجريمة ضدّ الإنسانية وفقا للتعريفات المنصوص عليها في “الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها” لسنة 1973 (اتفاقية الفصل العنصري) و”نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية” لسنة 1998 (نظام روما الأساسي).

جريمة الاضطهاد كجريمة ضدّ الإنسانية، والمنصوص عليها أيضا في نظام روما الأساسي، والحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية على أسس عرقية، وإثنية، وغيرها، انبثقت عن محاكمات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتُعتبر إحدى أخطر الجرائم الدولية، بنفس خطورة الفصل العنصري.

دولة فلسطين هي دولة طرف في كل من نظام روما الأساسي واتفاقية الفصل العنصري. في فبراير/شباط 2021، قضت المحكمة الجنائية الدولية بأن ذلك يعني أن للمحكمة ولاية قضائية على الجرائم الدولية الجسيمة المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأكملها، بما فيها القدس الشرقية، والتي تشمل الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري أو الاضطهاد المرتكب في تلك المنطقة. في مارس/آذار 2021، أعلن مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في الوضع في فلسطين.

يُستخدم مصطلح الفصل العنصري بشكل متزايد فيما يتعلق بإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن عادة على سبيل الوصف أو المقارنة وليس بالمعنى القانوني، وغالبا للتحذير من أنّ الوضع يسير في الاتجاه الخاطئ. على وجه الخصوص، أكد مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون وأمريكيون وأوروبيون، ومعلّقون إعلاميون بارزون وآخرون، أنه إذا استمرت سياسات إسرائيل وممارساتها تجاه الفلسطينيين على المسار نفسه، فإنّ الوضع، في الضفة الغربية على الأقل، سيشكّل فصلا عنصريا. يدّعي البعض أن الوضع الحالي يرقى إلى مصاف الفصل العنصري. غير أن قلة أجروا بحثا قانونيا مفصلا في جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد الدوليتين.

تفحص “هيومن رايتس ووتش” في هذا التقرير إلى أي مدى تمّ تجاوز هذا المستوى بالفعل في بعضٍ من المناطق حيث تمارس إسرائيل سلطتها.

تعريف الفصل العنصري والاضطهاد

يشكّل حظر التمييز الممأسس، خاصة على أساس العرق أو الإثنية، أحد العناصر الأساسية للقانون الدولي. وافقت معظم الدول على اعتبار أسوأ أشكال هذا التمييز، أي الاضطهاد والفصل العنصري، جرائم ضدّ الإنسانية، ومنحت لـ “المحكمة الجنائية الدولية” صلاحية النظر في هذه الجرائم عندما تكون السلطات الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في ذلك. تتكون الجرائم ضدّ الإنسانية من أفعال إجرامية محددة تُرتكب كجزء من اعتداء واسع النطاق أو بشكل ممنهج، أو أعمال تُرتكب في إطار سياسة لدولة أو سياسة تنظيمية، وموجهة ضدّ السكان المدنيين.

تُعرّف اتفاقية الفصل العنصري جريمة الفصل العنصري، وهي جريمة ضدّ الإنسانية، على أنها “الأفعال اللاإنسانية… المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية [عرقية] ما من البشر علي أية فئة عنصرية [عرقية] أخرى من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية”. يعتمد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعريفا مماثلا: “أية أفعال لا إنسانية… تُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه القمع المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام”. لا يقدم نظام روما الأساسي شرحا إضافيا بشأن ما الذي يشكل “نظاما مؤسسيا”.

بموجب اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي، تتكوّن جريمة الفصل العنصري من ثلاثة عناصر أساسية: هي نية الإبقاء على نظام تُهيمن فيه مجموعة عرقية على أخرى؛ وقمع منهجي ترتكبه مجموعة عرقية ضد مجموعة أخرى؛ وعمل أو أعمال لاإنسانية، كما تمّ تعريفها، تُرتكب على نطاق واسع أو منهجي عملا بتلك السياسات.

من الأفعال اللاإنسانية التي حددتها اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي “الابعاد القسري”، و”نزع ملكية العقارات”، و”خلق محتجزات ومعازل مفصولة”، وحرمان الناس من “الحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية”.

يُعرّف نظام روما الأساسي جريمة “الاضطهاد” المرتكبة ضد الإنسانية على أنها “حرمان جماعة من السكان أو مجموع السكان حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي، وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع”، بما في ذلك على أسس عرقية أو قومية. يُعرّف القانون الدولي العرفي جريمة الاضطهاد على أنها تتكون من عنصرين أساسيين: (1) الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية المرتكبة على نطاق واسع أو منهجي، و(2) التي لها نيّة تمييزية.

قلة هي المحاكم التي نظرت في قضايا تنطوي على جريمة الاضطهاد بينما لم تنظر أي محكمة في جريمة الفصل العنصري، ما أدى إلى نقص في السوابق القضائية المتعلقة بمعاني المصطلحات الرئيسية وتعريفاتها. كما يظهر في التقرير، قيّمت المحاكم الجنائية الدولية على مدى العقدين الماضيين الهوية الجماعيةعلى أنها تستند إلى السياق وكيفية بنائه من قبل الأطراف الفاعلة محليا، في مقابل المقاربات الأقدم المرتكزة على المزايا الجسدية الوراثية. في القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيه ” الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري”، تمّ تفسير العرق والتمييز العرقي على نطاق واسع ليشمل الفوارق على أساس النسب والأصل القومي أو العرقي، من بين فئات أخرى.

تطبيق ذلك على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين

هناك مجموعتان رئيسيتان تعيشان في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم: الإسرائيليون اليهود والفلسطينيون. وهناك جهة واحدة ذات سيادة رئيسية تحكمهم، هي الحكومة الإسرائيلية.

نية إبقاء الهيمنة

الهدف المعلن للحكومة الإسرائيلية هو ضمان الحفاظ على هيمنة اليهود الإسرائيليين في كل مناطق إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. في 2018، أقرّ “الكنيست” قانونا ذا مكانة دستورية أكّد أن إسرائيل “دولة قومية للشعب اليهودي”، وأعلن أن حق تقرير المصير داخل تلك المنطقة “خاص بالشعب اليهودي”، واعتبر “الاستيطان اليهودي” قيمة وطنية. للحفاظ على سيطرة اليهود الإسرائيليين، اعتمدت السلطات الإسرائيلية سياسات تهدف إلى تخفيف ما وصفته علنا بـ “التهديد” الديمغرافي الذي يشكله الفلسطينيون. شملت هذه السياسات الحد من السكان الفلسطينيين ومن سلطتهم السياسية؛ ومنح حق التصويت فقط للفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل كما كانت من 1948 إلى يونيو/حزيران 1967؛ والحد من قدرة الفلسطينيين على التنقل من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى إسرائيل، ومن أي مكان آخر في العالم إلى إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما تم اتخاذ خطوات أخرى لضمان الهيمنة اليهودية، ومنها اعتماد الدولة لسياسة “فصل” الفلسطينيين بين الضفة الغربية وغزة، التي حالت دون تنقل الأشخاص والبضائع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، و”تهويد” المناطق التي يسكنها عدد كبير من الفلسطينيين، بما في ذلك القدس وكذلك الجليل والنقب في إسرائيل. هذه السياسة، التي تهدف إلى تعزيز هيمنة الإسرائيليين اليهود على الأرض، جعلت غالبية الفلسطينيين الذين يعيشون خارج المدن الإسرائيلية الرئيسية ذات الأغلبية اليهودية متمركزين في جيوب محاصرة ذات كثافة عالية وخدمات رديئة. كما أنها قيّدت حصولهم على الأرض والمسكن، بينما رعت نموّ التجمعات اليهودية القريبة.

الاضطهاد الممنهج والتمييز المؤسسي

لتنفيذ هدف الهيمنة، تمارس الحكومة الإسرائيلية تمييزا مؤسسيا ضدّ الفلسطينيين. تختلف شدّة هذا التمييز بحسب القواعد المختلفة التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية من جهة في إسرائيل، ومن جهة أخرى في أجزاء مختلفة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يُمارَس الشكل الأشد من هذا التمييز.

في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي اعترفت بها إسرائيل كمنطقة واحدة تشمل الضفة الغربية وغزة، تُعامل السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين بشكل منفصل وغير متساو مع المستوطنين اليهود الإسرائيليين. وفي الضفة الغربية المحتلة، تُخضع إسرائيل الفلسطينيين إلى قانون عسكري قاس، وتُطبق عليهم الفصل، وتحظر دخولهم إلى المستوطنات إلى حد كبير. أما في قطاع غزة المحاصر، فتفرض إسرائيل إغلاقا شاملا ما يقيّد بشدة حركة الأشخاص والبضائع، وهي سياسات غالبا لا تفعل مصر، الجارة الأخرى لغزة، شيئا يذكر لتخفيفها. في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل (والتي تعتبرها جزءا من أراضيها السيادية، لكنها تبقى بموجب القانون الدولي منطقة محتلة)، تمنح إسرائيل للغالبية العظمى من مئات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون هناك وضعا قانونيا يُضعف حقوقهم في الإقامة من خلال ربط هذه الحقوق بعلاقة الفرد بالمدينة، من بين عوامل أخرى. يرقى هذا النوع من التمييز إلى التمييز المنهجي.

في إسرائيل، والتي تعتبرها الغالبية العظمى من الدول أنها تشمل المنطقة المحددة بحدود ما قبل 1967، أدى نظام المواطنة المزدوج والتفريق بين الجنسية والمواطنة إلى وضع الفلسطينيين في مكانة أدنى من اليهود الإسرائيليين بحكم القانون. على خلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يحق للفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل التصويت والمشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن هذه الحقوق لا تمكنّهم من التغلّب على التمييز المؤسسي الذي تمارسه بحقهم الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك القيود الواسعة على الوصول إلى الأراضي التي صودِرت منهم، وهدم المنازل، والحظر الفعلي على لمّ شمل العائلات.

تجزئة السكان الفلسطينيين، الذي يُنفذ في جزء منه بشكل متعمد من خلال القيود المفروضة على الحركة والإقامة، يعزّز تنفيذ هدف الهيمنة ويساعد في إخفاء الحقيقة المتمثلة في أن نفس الحكومة الإسرائيلية تقمع نفس المجموعة السكانية الفلسطينية، بدرجات مختلفة في مناطق مختلفة، لصالح نفس المجموعة المهيمنة، المكونة من اليهود الإسرائيليين.

الأفعال اللاإنسانية والانتهاكات الأخرى للحقوق الأساسية

عملا بهذه السياسات، ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجموعة من الأفعال اللاإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها فرض قيود شاملة على حركة 4.7 مليون فلسطيني هناك؛ ومصادرة الكثير من أراضيهم؛ وفرض ظروف قاسية، مثل الرفض القاطع لتصاريح البناء في أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، ما جعل آلاف الفلسطينيين يغادرون منازلهم في أوضاع ترقى إلى النقل القسري؛ وحرمان مئات آلاف الفلسطينيين وأقاربهم من حقوق الإقامة بسبب تواجدهم في الخارج عند بداية الاحتلال سنة 1967 أو غيابهم لفترات مطولة في العقدين الأولين من الاحتلال أو نتيجة للتجميد الفعلي للمّ شمل العائلات في العقدين الأخيرين؛ وتعليق الحقوق المدنية الأساسية، مثل حرية التجمع وتكوين الجمعيات، ما حرم الفلسطينيين من فرصة أن يكون لهم صوت في مجموعة واسعة من المسائل التي تؤثر على حياتهم اليومية ومستقبلهم. العديد من هذه الانتهاكات، ومنها الرفض القاطع لتصاريح البناء، والإلغاء الجماعي للإقامة أو تقييدها، ومصادرة الأراضي على نطاق واسع، ليس لها مبررات أمنية مشروعة. أما الانتهاكات الأخرى، مثل القيود المفروضة على التنقل والحقوق المدنية، فلا تحقق أي توازن معقول بين المخاوف الأمنية ومدى خطورة انتهاكات الحقوق الأساسية.

منذ تأسيس دولة إسرائيل، مارست الحكومة أيضا تمييزا منهجيا ضدّ الفلسطينيين وانتهكت حقوقهم داخل حدود الدولة ما قبل 1967، بما في ذلك رفض السماح للفلسطينيين بالوصول إلى ملايين الدونمات من الأراضي (ألف دونم يساوي مائة هكتار، أو حوالي 250 فدان أو 1 كيلومتر مربع) التي صودرت منهم. في منطقة النقب، جعلت هذه السياسات من شبه المستحيل بالنسبة إلى عشرات آلاف الفلسطينيين العيش بشكل قانوني في المجتمعات التي عاشوا فيها على مدى عقود. إضافة إلى ذلك، ترفض السلطات الإسرائيلية السماح لأكثر من 700 ألف فلسطيني ممن فرّوا أو طردوا في 1948 وذرّياتهم من العودة إلى إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرضت قيودا شاملة على الإقامة القانونية، ما منع الكثير من الأزواج الفلسطينيين وعائلاتهم من العيش معا في إسرائيل.

 السعي وراء أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين

سعت السياسة الإسرائيلية إلى هندسة وتوسيع عدد اليهود والأراضي المتاحة لهم في إسرائيل وأجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تطمع فيها الحكومة الإسرائيلية للاستيطان اليهودي. في الوقت نفسه، تسعى السياسة الإسرائيلية من خلال تقييد حقوق الإقامة للفلسطينيين إلى تقليص عدد الفلسطينيين والأراضي المتاحة لهم في تلك المناطق. مستوى القمع هو أكثر حدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع أنه غالبا ما يمكن العثور على جوانب أقل حدة لسياسات مماثلة داخل إسرائيل.

في الضفة الغربية، صادرت السلطات أكثر من مليونَي دونم من الأراضي من الفلسطينيين، ما يشكل أكثر من ثلث الضفة الغربية، منها عشرات آلاف الدونمات التي تقر بأنها بملكية خاصة تعود إلى فلسطينيين. أحد التكتيكات الشائعة الذي استخدمته هو إعلان الأراضي، ومنها ملكيات خاصة تعود إلى فلسطينيين، كـ “أراضي دولة”. قدّرت حركة “السلام الآن” الإسرائيلية الأراضي التي حددتها الحكومة الإسرائيلية كأراضي دولة بـ 1.4 مليون دونم، أي حوالي ربع الضفة الغربية. وجدت الحركة أيضا أن أكثر من 30% من الأراضي التي استخدمت لصالح المستوطنات اعترفت الحكومة الإسرائيلية بكونها بملكية خاصة للفلسطينيين. من بين أكثر من 675 ألف دونم من أراضي الدولة التي خصصتها السلطات الإسرائيلية للاستخدام من قبل أطراف ثالثة في الضفة الغربية، تم تخصيص أكثر من 99% منها للاستخدام من قبل مدنيين إسرائيليين، بحسب بيانات الحكومة. الاستيلاء على الأراضي من أجل المستوطنات والبنية التحتية التي تخدم المستوطنين بشكل أساسي، تسبب في تمركز الفلسطينيين في الضفة الغربية في”165 جزيرة تشكّل أقاليم مفصولة ومشلولة”، بحسب “بتسيلم”.

نتائج التقرير

يفحص هذا التقرير السياسات والممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، ويقارنها بمعاملة اليهود الذين يعيشون في نفس المناطق. هذا التقرير ليس تقييما شاملا لجميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وإنما يستعرض ممارسات وسياسات الحكومة الإسرائيلية التي تنتهك الحقوق الأساسية للفلسطينيين والتي تهدف إلى ضمان هيمنة اليهود الإسرائيليين، ويقيّمها في ضوء تعريف جريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد باعتبارهما جريمتَيْن ضدّ الإنسانية.

يعتمد التقرير على سنوات من البحث والتوثيق من قبل “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات حقوقية أخرى، بما في ذلك العمل الميداني الذي أجري في سياق هذا التقرير. راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا قوانين إسرائيلية، ووثائق تخطيط حكومية، وتصريحات لمسؤولين، وسجلات الأراضي في إسرائيل. ومن ثم، تم تحليل هذه الأدلة بموجب المعايير القانونية لجريمتي الفصل العنصري والاضطهاد. راسلت هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز 2020 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتمست وجهات نظر الحكومة بشأن القضايا المطروحة، لكنها لم تتلق ردا حتى تاريخ نشر التقرير.

لا يقارن التقرير إسرائيل بجنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري أو تحديد ما إذا كانت إسرائيل “دولة فصل عنصري”، وهو مفهوم غير معرف في القانون الدولي. إنما، يقيّم التقرير ما إذا كانت أفعال وسياسات محددة تنفذها السلطات الإسرائيلية اليوم ترقى في مناطق محددة إلى جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد كما يعرّفهما القانون الدولي.

ينظر كل واحد من الأقسام الموضوعية الرئيسية الثلاثة في التقرير في حكم إسرائيل للفلسطينيين: ديناميكيات حكمها وتمييزها بالنظر إلى إسرائيل ثم الأراضي الفلسطينية المحتلة، والانتهاكات الحقوقية الجسيمة التي ترتكبها هناك، وبعض الأهداف التي تحفّز هذه السياسات. يتم ذلك بحسب العناصر الأساسية لجريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد، على النحو المبيّن أعلاه. تقيّم هيومن رايتس ووتش ديناميكيات الحكم الإسرائيلي في من هاتين المنطقتين، مع أخذ الأطر القانونية المختلفة السارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل بعين الاعتبار، وهما الكيانان الإقليميان المعترف بهما قانونا، وكل منهما له وضع مختلف بموجب القانون الدولي. بينما يلاحظ التقرير وجود اختلافات كبيرة في الوقائع بين المناطق المختلفة ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، فهو لا يعرض نتائج منفصلة بكل منطقة ضمن هذين الإقليمين.

بناءً على بحثها، خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن الحكومة الإسرائيلية أظهرت نيتها الحفاظ على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي التي تسيطر عليها. في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، اقترنت هذه النية بالقمع المنهجي للفلسطينيين والأفعال اللاإنسانية ضدهم. عندما تحدث هذه العناصر الثلاثة معا، فإنها ترقى إلى جريمة الفصل العنصري.

كما ارتكب المسؤولون الإسرائيليون جريمة الاضطهاد، وهي أيضا جريمة ضدّ الإنسانية. تستند هذه النتيجة إلى نية التمييز الكامنة وراء معاملة إسرائيل للفلسطينيين، والانتهاكات الخطيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي شملت المصادرة الواسعة للأراضي بملكيّة خاصة، والمنع الفعلي للبناء أو العيش في العديد من المناطق، والحرمان الجماعي من حقوق الإقامة، والقيود المجحفة المفروضة منذ عقود على حرية التنقل والحقوق المدنية الأساسية. هذه السياسات والممارسات تحرم ملايين الفلسطينيين بشكل متعمد وبشدّة من حقوقهم الأساسية، ومنها الحق في الإقامة، والملكية الخاصة، والوصول إلى الأراضي والخدمات والموارد، وذلك على نطاق واسع وبشكل منهجي بحكم هويتهم كفلسطينيين.

يبدو أن تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأخير، بعنوان “تجاوزوا الحد، السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”. والذي رصد انتهاكات إسرائيلية بحق الفلسطينيين، ليس كما سبقه من تقارير للمنظمة الحقوقية، إذ أن التقرير الذي جاء في 213 صفحة، يستخدم لغة مباشرة في اتهاماته، الموجهة للجانب الإسرائيلي، ويقول إنه استند فيما توصل إليه من نتائج، إلى مصادر مختلفة، بما في ذلك “وثائق التخطيط الحكومية”.

ويضيف التقرير ” تستند هذه النتائج، إلى سياسة الحكومة الإسرائيلية الشاملة، للإبقاء على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين، والانتهاكات الجسيمة، التي تُرتكب ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”.

وجاء فيه أيضا “ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجموعة من الانتهاكات ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. تشمل هذه الانتهاكات مصادرة الأراضي على نطاق واسع، والحرمان من حقوق الإقامة، وتعليق الحقوق المدنية، وترقى إلى مستوى الأفعال اللاإنسانية، والانتهاكات الخطيرة للحقوق الأساسية للفلسطينيين”.

ويشير التقرير إلى تعريف الفصل العنصري في (اتفاقية الفصل العنصري) لعام 1973 والاضطهاد بموجب (نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية) لعام 1998. ويقول : “استنادا إلى هذه التعريفات وأبحاث هيومن رايتس ووتش، وجدنا أن السلطات الإسرائيلية ترتكب جريمتي الفصل العنصري والاضطهاد المرتكبتين ضد الإنسانية”.

المصدر: بي بي سي

 

 

شجون عربية