“يديعوت أحرونوت”: ماذا وراء الصراع بين رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس الموساد؟

“يديعوت أحرونوت”: ماذا وراء الصراع بين رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس الموساد؟

شجون عربية _ بقلم: رون بن يشاي _ محلل عسكري اسرائيلي |

هناك خلافات وفوارق في النظرة بين قيادة الموساد وقيادة الجيش الإسرائيلي بشأن موضوعات عملانية واستراتيجية كانت موجودة في الماضي وستظل موجودة أيضاً في المستقبل. لكن مؤخراً، وخصوصاً هذا الأسبوع، برز هذا الخلاف في وسائل الإعلام نتيجة الهجوم على باخرة يملكها إسرائيلي في الخليج الفارسي في الأسبوع الماضي.
“رئيس الموساد يوسي كوهين طالب بردّ جريء، بينما أيّد رئيس الأركان رداً معتدلاً”، بحسب ما ذكر تقرير إخباري. لاحقاً أُشيرَ إلى الموافقة على رأي رئيس الأركان – والرد المعتدل هو الذي نُفّذ عندما هاجمت إسرائيل معسكرات تدريب إيرانية بالقرب من دمشق، بالاستناد إلى تقارير أجنبية. من المحتمل أن النشر يهدف إلى أن يثبت للحرس الثوري أن في ترسانة إسرائيل العملانية ردوداً كثيرة أكثر تدميراً بكثير.
لكن لا يمكن استبعاد احتمال أن النشر والردود عليه في وسائل التواصل الاجتماعي قد دفع بصراع القوى الدائر منذ وقت بين المؤسسة الأمنية في إسرائيل إلى المجال الإعلامي؛ صراع على القيادة وتقرير السياسة العملانية للمواجهة مع إيران، دائر بين رئيس الموساد يوسي كوهين ورئيس الأركان أفيف كوخافي ورجاله. انكشف الصراع بعد نشر “يديعوت أحرونوت” أن كوهين عارض خطاب كوخافي الذي أعرب فيه عن معارضته الاتفاق مع إيران.
من دون شك الخلاف جدي ويتعلق بمسائل جوهرية – مَن يردع الإيرانيين في المدى القصير والمدى الطويل؟ لكن يوجد هنا أيضاً صراع على الموارد، وأيضا ً- لم لا – صراع على الكرامة والمهابة الشخصية.
في خلفية الصراع هناك المواجهة المعقدة بين المنظومة الأمنية وأجهزة الاستخبارات، والجيش الإسرائيلي والموساد والشاباك، مع أذرع التنين الإيراني. كل واحد بأساليبه وفي ساحة خاصة به، وأيضاً في عمليات مشتركة.
الجزء الأكبر من عمليات الموساد يجري سراً، ومن الممكن التقدير أنها تركز على المتابعة الاستخباراتية وإحباط مشروع السلاح النووي في إيران. مع ذلك، الموساد يقوم بجزء مهم وأكبر في إحباط جهود ازدياد القوة العسكرية وعمليات الإرهاب الموجهة ضد إسرائيل. وهذا ما يفعله الشاباك أيضاً، الذي يركز على تأمين منشآت ومعلومات في البلد بالإضافة إلى إحباط الإرهاب في إسرائيل، وفي المناطق المحتلة، وفي الخارج.
هناك جهازان يحصلان على معلومات واستخبارات حيوية من أجل عملياتهما من وحدة جمع المعلومات والتقدير في شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، وخصوصاً الوحدة 8200 ووحدة الاستخبارات الجبهوية. من المعقول الافتراض أنه من دون المعلومات من الجيش الإسرائيلي – كان الموساد والشاباك يتلمسان طريقهما في الظلام. من السائد الاعتقاد أيضاً أنه بالنسبة إلى أهداف بعيدة، مثل إيران، الموساد هو المسؤول الحصري عن جمع المعلومات، وعن عمليات الإحباط. كذلك فيما يتعلق بالصلات السياسية والعسكرية غير الرسمية مع أطراف في الخليج الفارسي.
فعلياً، الجيش يشارك في كثير من النواحي في المواجهة مع إيران في منطقة الخليج الفارسي وفي البحر الأحمر (اليمن ومضائق باب المندب)، وفي رصد أنشطة المنشآت النووية العسكرية والعمليات البحرية الإيرانية. كما يقيم الجيش أيضاً علاقات مع القيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية (سينتكوم) المسؤولة عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وأيضاً مع الأسطول الأميركي الخامس الذي يتخذ من البحرين قاعدة له.
التكلفة – الفائدة
المعلومات الاستخباراتية النوعية التي تقدمها أمان في الوقت الحقيقي تشكل أيضاً بنية تحتية أساسية وجوهرية لعمليات المعركة بين الحروب التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي. هدف هذه العمليات منع وإحباط تمركز وتعاظم قوة إيران ووكلائها (حزب الله والميليشيات الشيعية) في دول الطوق الأول والثاني (في الأساس لبنان وسورية والعراق)، وعلى الحدود مع إسرائيل (في هضبة الجولان وسيناء). كما يعمل الجيش أيضاً في إطار المعركة بين الحروب على المحافظة على حرية العمل في هذه الساحات؛ وفي الأساس على التفوق الجوي والاستخباراتي.
من حيث المبدأ، المعركة بين الحروب يجب أن تجري “تحت عتبة الحرب”؛ لذا يحرص الجيش عموماً على التكتم الإعلامي ولا يرد رسمياً على ما يُنشر من معلومات عن هذه العملية أو تلك التي تُنسب إلى إسرائيل في مصادر عربية وإيرانية أو أجنبية أُخرى. وذلك من أجل المحافظة على “هامش إنكار” للتحكم في السياسة التي تجري في إطارها المعركة بين الحروب، وكي لا يضطر إلى الرد وينجر إلى تصعيد وحرب لأسباب تتعلق بالهيبة والبقاء السياسي.
هذا هو أيضاً السبب الذي يخصص الجيش من أجله جهوداً كبيرة للقيام بضربات “جراحية” ضد أهداف نوعية من دون التسبب بوقوع ضرر كبير وضحايا لا علاقة لهم. جزء كبير من المعركة بين الحروب سرّي ولا يصل إلى وسائل الإعلام والجمهور. جزء آخر يحظى بالنشر في أحيان كثيرة، وهو عبارة عن هجمات تقوم بها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، أو وحدات برية من الجيش، تُلحق ضرراً مادياً بـ”أرصدة” إيرانية (أو بأشخاص) وتحبطها. في هذه العمليات من الصعب إخفاء تصاعُد النار والدخان وعمليات الاعتراض – لكن ما دامت إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها، فالإيرانيون ينتقلون إلى جدول عملهم اليومي على الرغم من الأذى الذي لحق بهم.
هذا الأسلوب في العمل موجود منذ سنة 2013، عندما بدأ الجيش الإسرائيلي بإرسال سلاح الجو إلى سورية ولبنان بهدف وقف شحنات السلاح النوعي (“الكاسر للتوازن”) من إيران إلى لبنان، عبر سورية. المعركة بين الحروب بدأت في الأيام التي كان فيها بني غانتس رئيساً للأركان، واستمرت وامتدت إلى مجالات إضافية في أيام رئيس الأركان غادي أيزنكوت، وتستمر الآن بنفس الوتيرة، وبإتقان أكبر في أيام كوخافي.
سبب ذلك هو نسبة التكلفة إلى الفائدة في عمليات المعركة بين الحروب. في كل هذه السنوات الإيرانيون وحلفاؤهم ووكلاؤهم نجحوا فقط في حالات متفرقة في القيام بعمليات انتقام ضد إسرائيل، وفي معظم الأحيان فشلت محاولاتهم. بالتأكيد هذا لا يوازي الفائدة التي جنتها إسرائيل من المعركة بين الحروب. بالإضافة إلى ذلك، خلقت المعركة بين الحروب ردعاً تراكمياً لدى الإيرانيين ووكلائهم. هذا الردع يُبعد منذ سنوات حرباً وتصعيداً يمكن أن يصيبا الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
الردع في المدى البعيد بواسطة عمليات المعركة بين الحروب، وهي تحت عتبة الحرب والتصعيد، هو السياسة التي يوصي بها الجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان. هذه السياسة مقبولة على ما يبدو حتى الآن، على الأقل من طرف وزير الدفاع ورئيس الحكومة.
على هذه الخلفية يجب أن ننظر إلى عملية الكباش التي تجري من وراء الكواليس بين رئيس الموساد ورئيس الأركان. الخلاصة المنطقية لذلك هي: إذا كان الجيش الإسرائيلي هو الذي يقوم بالجزء الأساسي من المواجهة الاستخباراتية مع إيران، ليس هناك سبب لأن يكون رئيس الموساد هو الذي يقود ويخطط السياسة في هذا الموضوع. عمليات الموساد تبعث على الإعجاب ومهمة جداً في كل المعايير- لكن حتى الآن الجيش الإسرائيلي ينجح في الاختبار في ردع الإيرانيين أكثر مما ينجح الموساد في عرقلة التقدم في المشروع النووي الإيراني. كان هذا صحيحاً في أيام مئير داغان الأسطوري عندما كان رئيساً للموساد، ويصح اليوم أيضاً. الفارق هو أن البروفايل الإعلامي ليوسي كوهين أكثر بروزاً بكثير من الذي سبقه في المنصب.

المصدر : صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينيه