الأزمة في العلاقات بين السعودية ضربة إضافية للبنان

الأزمة في العلاقات بين السعودية ضربة إضافية للبنان

شجون عربية / بقلم: أوزنا مزراحي ويوئيل غوزنسكي_ باحثان في معهد دراسات الأمن القومي

قررت السعودية قطع علاقاتها بلبنان بالكامل، بعد الانتقادات التي نُشرت في 25 تشرين الأول/أكتوبر ضد الحرب في اليمن من طرف وزير الإعلام المسيحي جورج قرداحي، العضو في الحكومة التي يترأسها نجيب ميقاتي، والتي أُلّفت قبل نحو شهرين فقط، وبعد تأجيل استمر أكثر من عام منذ استقالة الحكومة السابقة في أعقاب انفجار مرفأ بيروت (آب/أغسطس 2020). يمثل قرداحي حزباً صغيراً هو “المردة” الذي يتزعمه سليمان فرنجية، والذي ينتمي إلى معسكر حزب الله وأمل وأكبر حزب مسيحي “التيار الوطني الحر”. وقرداحي صحافي وإعلامي (من مواليد 1950)، معروف جداً في العالم العربي. تصريحاته سبق أن أدلى بها في آب/ أغسطس وقبل تعيينه وزيراً.

رداً على ذلك، طلبت الرياض وشركاؤها من دول الخليج – البحرين، والكويت، والإمارات – في 29-30 تشرين الأول/أكتوبر من سفرائها في لبنان مغادرة بيروت، وطُلب من سفراء لبنان لديها العودة إلى بلدهم. كما طلبت السعودية والإمارات من مواطنيهما الامتناع من زيارة لبنان، وجمّدت الكويت إعطاء التأشيرات للبنانيين. وما لبثت السعودية أن أعلنت وقف التجارة مع لبنان بصورة كاملة. قطر وعمان أعربتا عن تضامنهما مع الخطوة السعودية، لكنهما اكتفتا ببيانات الإدانة.

يشعر اللبنانيون بالقلق من التداعيات الاقتصادية والسياسية للأزمة مع السعودية ودول الخليج، والتي تهدد بقاء الحكومة الجديدة، ويمكن أن تؤدي إلى عودة الشلل إلى المنظومة السياسية، وهو ما سيحول دون القدرة على اتخاذ القرارات المطلوبة لتحسين الوضع في لبنان. وهذه ضربة قاسية توجَّه إلى الاقتصاد اللبناني المنهار. في بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان في سنة 2019، كانت السعودية الدولة الرابعة من حيث حجم تجارتها مع لبنان، وهي المستوردة المركزية للإنتاج الزراعي اللبناني. التصدير اللبناني إلى السعودية تراجع تدريجياً وبلغ 280 مليون دولار في سنة 2019 ونحو 200 مليون دولار في سنة 2020. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تواصل دول الخليج وقف تحويل الأموال التي وعدت لبنان بها (في مؤتمر الدول المانحة للبنان. في سنة 2018 وعدت السعودية بتقديم مليار دولار من أصل 11 مليار دولار جُمعت من الدول المشاركة). الأخطر من ذلك صدور قرار مستقبلي يمنع نحو نصف مليون لبناني يعملون في دول الخليج من تحويل ما يقدَّر بنحو 3-5 مليارات دولار سنوياً – أي 60% من التحويلات المالية إلى لبنان.

… تصريحات قرداحي التي أثارت غضب الرياض هي في الواقع القشة التي قصمت ظهر الجمل السعودي حيال أفعال حزب الله. بالإضافة إلى تدخُّل حزب الله في اليمن، تشعر الرياض بالقلق من تعاظُم قوة الحزب في المنظومة اللبنانية، ومن أن “يفتح الباب” أمام إيران التي تستغل ظروف لبنان الصعبة لإحكام قبضتها عليه. وزير الخارجية السعودية تطرّق إلى ذلك علناً عندما قال إن سبب الأزمة يعود إلى “هيمنة عميل إيران على الساحة”، أي حزب الله، وهو ما يُقلق السعودية ويجعل سلوكها وسلوك دول الخليج إزاء لبنان لا فائدة منه. تعتقد السعودية أن الحكومة الجديدة أسيرة في يد حزب الله وهو الذي يديرها. وهذا الإدراك يكشف واقعاً فعلياً: قبل أسبوعين من انفجار قضية قرداحي لم تجتمع الحكومة اللبنانية بسبب مطالبة حزب الله بتنحية المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، الذي أدى إلى مواجهة عنيفة في شوارع بيروت (14 تشرين الأول/أكتوبر).

… الخطوات السعودية الأخيرة إزاء لبنان هي جزء من حملة واسعة تشنها السعودية ضد حزب الله، وفي إطارها أعلنت مؤخراً أن مؤسسة “القرض الحسن” المالية التابعة لحزب الله منظمة إرهابية. على الصعيد الإقليمي، السعوديون غاضبون، وخصوصاً من المساعدة التي يقدمها حزب الله للحوثيين منذ اندلاع حرب اليمن في سنة 2015. وأُضيفَ إلى ذلك في السنة الأخيرة اتهام السعودية حزب الله بأنه المسؤول عن تهريب المخدرات إلى المملكة من خلال الكبتاغون. في نيسان/أبريل الماضي أحبطت المملكة تهريب 5.3 مليون حبة كبتاغون كانت مخبأة في شحنة من الرمان من لبنان. في إثرها جمدت السعودية استيراد المنتوجات الزراعية من لبنان فترة من الزمن.

لكن توقيت الخطوة السعودية الحادة حيال لبنان يثير تساؤلات، في ضوء الحوار المستجد بين السعودية وإيران بشأن موضوعات إقليمية. وهي يمكن أن تعبّر عن عدم إحراز تقدّم حقيقي في المحادثات مع إيران، وربما هي أداة ضغط على طهران. تجدر الإشارة إلى أنه بعكس خطوات سعودية سابقة حيال لبنان في الأعوام الأخيرة، هذه المرة نسّقت الرياض مع شركائها في الخليج، وقطعت العلاقات مع بيروت. يمكن تفسير الخطوة بأنها محاولة من ولي العهد محمد بن سلمان والحاكم الفعلي في السعودية لترميم مكانة السعودية الإقليمية التي ضعفت في الأعوام الأخيرة، ومكانته الشخصية داخلياً. ومن المهم الإشارة أيضاً إلى تأييد الإمارات للخطوة السعودية بعد الاحتكاكات التي جرت بين الدولتين، وانضمام الكويت التي تفضّل عموماً الوقوف على الحياد ولعب دور الوسيط.

بالنسبة إلى حزب الله، ابتعاد دول الخليج البراغماتية يخدم مصالحه في الساحة الإقليمية وداخل لبنان، لذا هو مصر على عدم استقالة قرداحي والمحافظة على موقعه المسيطر في الحكومة الحالية. في جميع الأحوال، حتى لو وافق قرداحي على الاستقالة في نهاية المطاف، ثمة شك كبير في أن ذلك سيحل الأزمة. لقد جازفت السعودية كثيراً باستخدامها رافعة الضغط الأخير لديها، أي الاقتصادي، بعد التآكل الذي شهده نفوذها السياسي وسط السنّة في لبنان. لذلك يبدو أنها لن تتنازل بسهولة عن هدفها الرامي إلى إحداث تغيير في المنظومة الداخلية في لبنان، وبصورة خاصة إضعاف سيطرة حزب الله وإيران من خلال استخدام ضغط موازٍ على حزب الله والحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي. لكن في مواجهة ضعف معارضي حزب الله في لبنان، يمكن أن يؤدي استمرار الأزمة إلى نتائج عكسية. وبالإضافة إلى تداعيات الأزمة السياسية والاقتصادية السلبية، فإنها يمكن أن تبعد لبنان عن الدول البراغماتية وترسّخ نفوذ حزب الله وإيران في لبنان.

هذه التطورات تتعارض مع مصالح إسرائيل والدول الغربية. بناء على ذلك، من المهم أن تسارع الولايات المتحدة وفرنسا بمساعدة أطراف عربية إلى التدخل لدى دول الخليج للمساعدة في حل الأزمة، والشروع في تحرّك مشترك لصوغ أساليب عمل يمكن أن تُضعف حزب الله من دون أن تضر بالدولة اللبنانية ومعارضي الحزب في الداخل.