الاحتجاجات اللبنانية تهزم الانقسامات الطائفية العميقة

الاحتجاجات اللبنانية تهزم الانقسامات الطائفية العميقة

أسهمت الطوائف في تشكيل لبنان منذ حصوله على الاستقلال عن فرنسا عام 1943.

بقلم: د. ميرا عساف كافانتاريس* – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو | يحدد الدين في هذا البلد المتعدد الثقافات والذي يضم المسلمين والمسيحيين والدروز، وهم فرقة انبثقت من الإسلام في القرون الوسطى، الانتماء والمرجعية. وقد تغلغل الدين بالنسيج اللبناني الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
بدأت الاحتجاجات الجماعية في وسط تشرين الأول / أكتوبر الجاري ضد ضريبة مقترحة على تطبيق الواتس اب وبدأت تتحدى ذلك التقليد الراسخ.
انضم أكثر من مليون لبناني من جميع الطوائف إلى الاحتجاجات في تظاهرات شملت البلاد برمّتها ومن دون أية زعامة ظاهرة ضد الحكومة بحيث توسعت المطالب من تجنّب الضرائب إلى تغيير النظام.
صدح المتظاهرون بالقول: “كلهم يعني كلهم” مطالبين بالإطاحة بالطبقة السياسة الحاكمة من دون استثناء.
وفي يوم 29 تشرين الأول / أكتوبر، قدم رئيس الوزراء سعد الحريري، السني، استقالته مما أبهج المتظاهرين. يلوم المتظاهرون الحريري إضافة إلى الرئيس المسيحي ورئيس مجلس النواب الشيعي على الفساد المستفحل والاقتصاد المتزعزع والبيئة المدمرة. وطالبوا في رفض واضح لفكرة أن الولاء الديني مقدم على الوحدة الوطنية بانتخابات عادلة ونظام قضائي قوي ومحاسبة للحكومة.

الجوع لا دين له
يعتبر لبنان بطوائفه ال 18- بما في ذلك المسيحيون الموارنة والسنة والشيعة والعلويون والدروز- أكثر الدول تنوعاً في الشرق الأوسط.
اندلع الصراع الطبقي في أواسط السبعينيات من القرن المنصرم وتطور بشكل سريع إلى حرب أهلية بين الميليشيات المسيحية اليمينية والميليشيات المسلمة اليسارية.
طلب اتفاق الطائف في عام 1989 من جميع الفرقاء التخلي عن أسلحتهم وتوزيع المناصب الحكومية على الساسة من جميع الأديان وذلك من أجل إنهاء الصراع.
حافظ نظام تقاسم السلطة هذا على السلام في لبنان ولكنه منحه نظاماً سياسياً مبنياً على الحزبية الدينية.
تحمي الشبكات الحزبية التي يديرها “الزعيم” وفق التعبير الذي يطلق على زعماء الطوائف النافذين في لبنان مصالح مجتمعاتهم الدينية وتقدم التسهيلات الشرعية وغير الشرعية لمناصريها وتمتلك كل طائفة زعيمها الخاص بها.
منح الحكم المستند إلى الانتماء الطائفي لبنان مديونية وطنية هائلة وتزايداً ضخماً في التفاوت الطبقي. ووفق إحصائيات قاعدة بيانات عدم المساواة العالمية يمتلك 1% من اللبنانيين ما يقارب 25% من ثروة البلاد. كما أن البنية التحتية في لبنان متهاوية وتعاني معظم الأحياء من انقطاعات مزمنة للتيار الكهربائي حتى ضمن الأحياء الراقية.
ووفق المحلل السياسي باسل صلوخ يستخدم حكام لبنان “التحشيد الطائفي للتغطية على البؤس الاجتماعي والاقتصادي المستشري بين جميع الطوائف”. وهي استراتيجية “فرق-تسد” والتي يقصد بها منع توحد الطبقات والحيلولة دون ظهورها.
يحاجج المستفيدون من هذا النظام بأن استقرار لبنان يتمحور حول هذا التوازن الطائفي.
نجحت الطائفية بالفعل في الحفاظ على السلم الأهلي خلال الـ30 سنة الماضية وأوجدت شكاً عميقاً في نزاهة الحكومة وأظهر استطلاع حديث أن 96% من اللبنانيين يعتقدون أن الفساد السياسي واسع الانتشار.

البناء الطائفي
أدرس بصفتي مختصة بالتاريخ الأدبي القصص التي تخبرها كل أمة عن انتمائها وأدرك في وطني الأم لبنان أن الطائفية هي بنيان اجتماعي.
والبنى الاجتماعية مثلها مثل المدنية أو المال هي مفاهيم تعني شيئاً ما لأن الناس يتفقون على مقدرتها على الفعل وغالباً ما تفيد البنى الاجتماعية الأقوياء.
أعاقت الطائفية اللبنانية من خلال رسم حدود الاحتواء عبر الخطوط الدينية نهضة الأيديولوجيات الأكثر توحيداً للشعب مثل الوطنية أو العلمانية.
يقول المؤرخ أسامة مقدسي في كتابه المنشور عام 2000 “ثقافة الطائفية” إنه تم تصوير الطائفية كقوة موحّدة لا تتغير في مواجهة التاريخ ولكنه يشير إلى أن الطائفية مجرد منتج وبالتالي يمكن تغييره.
نشأ اللبنانيون منذ الحرب الأهلية على رؤية الدين كمؤشر وحيد للقرابة والتنافس ولكنهم يشتركون بمزايا عديدة مثل الإرث الأدبي المتعدد اللغات وحبهم لفيروز إحدى أشهر المطربات في العالم العربي.
يعاني اللبنانيون من كل الطوائف بلا استثناء، وكما أخبر أحد المحتجين مجلة “فورين بوليسي”، فإن “الجوع لا دين له”.
سبق أن تفككت السياسيات الطائفية من ذي قبل. وبعد أكثر من عقدين على اتفاقية “الجمعة الطيبة” لإيرلندا الشمالية لا يزال الانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت حاضراً لغاية اليوم. ولكن السياسة الحكومية الرسمية ترعى بناء السلم وحقوق الإنسان والحرية الدينية.
تحدى المحتجون اللبنانيون على غرار المحتجين في كل من تونس ومؤخراً السودان -الذين أزالوا الزعماء الدينيين الداعين إلى الفرقة على أمل تغذية ديموقراطية أكثر علمانية-نمطاً غربياً منهكاً يقول بأن الشرق الأوسط لا يحتمل الديموقراطية وأنه مكان طبيعي للسلطة الاستبدادية.
احتج المتظاهرون في الأيام الأخيرة والداعمين لحزب الله على ضم زعيمهم السيد حسن نصر الله في دعوات الحركة إلى تغيير النظام. وقالوا إن الادعاءات بالفساد والموجهة إلى هذا الزعيم السياسي النافذ والقوة الاجتماعية هي دليل على مؤامرة تحيكها السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل.
اندلع العنف يوم 29 تشرين الأول / أكتوبر عندما هاجم مواطنون معارضون لقطع الطرقات المتظاهرين وقاموا بفتح الطرقات الرئيسية التي أغلقها المحتجون.
ولا تزال الاحتجاجات تتنامى. فشل العنف السابق في إسكات التظاهرات وعروض الحكومة لتخفيض رواتب صناع القرار بمقدار النصف وفرض ضرائب على البنوك لتخفيض الدين العام.
تفتح استقالة رئيس الوزراء الحريري الباب أمام تغيير حقيقي ولكن التظاهرات ستستمر على الأغلب.
ويعني نظام الزعيم أن استبدال الحريري قد يعزز نفس النموذج لتقاسم السلطة.
لا شك أن الاحتجاجات الشعبية الراهنة تستند إلى انتفاضة عام 2015 المسماة “طلعت ريحتكم”. بدأت تلك الاحتجاجات عندما أغلق المكب الرئيسي للنفايات في لبنان وملأت أكداس القمامة شوارع بيروت ولكنها شملت أيضاً العديد من الأسباب: احتج الأطفال على التغير المناخي ودافع أنصار المرأة عن حقوق العاملات المحليات.
ترشحت النسوة في عام 2018 في الانتخابات اللبنانية بأعداد لم يسبق لها مثيل.

إعادة بناء الأمة
ثمة نظرية أكاديمية لبناء الأمم تروق لي وتدعى “الحميمية الثقافية”. وتقول إن الأفعال الجماعية مثل اقتسام رغيف الخبز سوية أو التفاني تلعب دوراً حاسماً في خلق مواطنة تشاركية.
لقد مشى مليون ونصف المليون لبناني جنباً إلى جنب السنة والشيعة والمسيحيين وهم متشابكو الأيدي ويصرخون ضد النظام وأرى أنهم ليسوا مجرد محتجين ولكنهم يبنون مجتمعاً يعمل من أجلهم ويلبّي تطلعاتهم.

* محاضرة في جامعة أوهايو الحكومية

المصدر: theconversation.com