المؤسسة السياسية الفلسطينية – إلى أين؟

المؤسسة السياسية الفلسطينية – إلى أين؟

بقلم: د. عيدان زلكوفيتس – زميل في معهد “ميتفيم” الإسرائيلي ورئيس دائرة دراسات الشرق الأوسط في الكلية الأكاديمية عيمك يزراعيل —

استقالة رامي الحمد الله رئيس الحكومة الفلسطينية الذي ترأس الحكومة لولايتين، وهو من المقربين من أبو مازن، جاءت عملياً في مفترق طرق حساس، وتبشر بتشدد علاقة أبو مازن إزاء استمرار حكم “حماس” في قطاع غزة.
في الواقع، الحكومة المستقيلة هي الحكومة الثانية التي ترأسها الحمد الله. فقد عُيّن في هذا المنصب في بداية سنة 2013، وبدأ ولايته الثانية في سنة 2015، بعد أن اختاره أبو مازن لرئاسة حكومة الوفاق الوطني التي تجمع بين “فتح” و”حماس”. تـألفت هذه الحكومة من تكنوقراط، وجرى تعيينها ليس لتحكم فقط، بل من أجل تحضيرالظروف لإجراء انتخابات عامة وإجراء إصلاحات تسمح من جديد بتوحيد المؤسسة السياسية الفلسطينية.
تعمل السلطة الفلسطينية بصفتها جمهورية رئاسية، يحتفظ الرئيس بأغلبية الصلاحيات، والحكومة في الواقع هي هيئة تنفيذية تعمل وفق ما يريده الرئيس. إقالة الحكومة هي إحدى الوسائل التي يستطيع الرئيس من خلالها تمرير رسالة إلى الجمهور، ومواجهة النقد الداخلي، أو اجراء تحضيرات قبيل القيام بعملية تتطلب تغييراً سياسياً شاملاً.
اختار أبو مازن تعيين حكومة جديدة لمواجهة تحديات سياسية داخلية، إلى جانب الرد على أحداث راهنة داخل المجتمع الفلسطيني. السباق على الوراثة بين كبار المسؤولين في حركة “فتح” يثير توتراً كبيراً. أحد المخاوف المشتركة بين كبار مسؤولي الحركة هو أن يراكم الحمد الله قوة سياسية وشعبية كرئيس للحكومة، وأن يتحول إلى خصم حقيقي في الصراع على وراثة أبو مازن. وعلى الرغم من أن الحمد الله، الذي شغل سابقاً منصب رئيس جامعة النجاح في نابلس يتماهى مع حركة “فتح”، فإنه ليس لديه منصب رسمي فيها. ومن المفارقات أن القيادة السياسية لـ”فتح” حرصت على وصفه داخل أجهزة الحركة بأنه لاعب سياسي لا ينتمي إليها فعلياً.
يجري السباق على الوراثة في موازاة صراع قائم منذ عشر سنوات بين “فتح” و”حماس” على قيادة المؤسسة السياسية في السلطة الفلسطينية. وبصفته رئيساً لحكومة الوحدة، المطلوب حالياً من الحمد الله أن يدفع ثمناً سياسياً غير بسيط لقرار أبو مازن وقيادة “فتح” إغلاق الباب أمام جهود المصالحة الداخلية الفلسطينية. السبب الأساسي لإقالة الحكومة التي ستستمر بممارسة مسؤولياتها الوزارية حتى تشكيل حكومة جديدة، هو الحاجة إلى إعداد الأرضية لإجراء انتخابات عامة للبرلمان وانتخابات رئاسية. هذه الانتخابات من المفترض أن تجري فقط في الضفة الغربية، وليس في قطاع غزة، وبذلك سيتحول الانقسام في المؤسسة السياسية الفلسطينية إلى واقع مفروغ منه.
إزاحة رئيس الحكومة المنتهية ولايتها هي مؤشر إضافي إلى أن أبو مازن ما يزال قوياً. يريد أبو مازن صوغ خطوط سياسية للسلطة الفلسطينية مستقبلاً وضمان استمرار سيطرة “قتح” ، بعد أن خسر قطاع غزة خلال فترة حكمه. على الرغم من مركزة السلطة بيد أبو مازن التي ظهرت في السنوات الأخيرة، والتي جرى التعبير عنها أحياناً من خلال تقليص حدود نطاق حرية التعبير، قرر أبو مازن، بالإضافة إلى قرار إقالة حكومة الحمد الله- تجميد قانون إنشاء ضمان وطني – فلسطيني. هذا القانون أثار الاستياء وسط شرائح كثيرة في المجتمع الفلسطيني تتخوف من تخصيص نسبة من رواتبها لخزينة السلطة.
حتى تشكيل الحكومة الجديدة، لدى أبو مازن وكبار مسؤولي “فتح” هامش كاف من الزمن للتعرف على رد فعل الجمهور على الخطوات السياسية. وسيكون على الرئيس المقبل للحكومة مواجهة تراجع الشرعية الشعبية لحكم أبو مازن، كما سيتعين عليه الحصول على ثقة الجمهور من أجل ضمان استمرار سيطرة “فتح”. وستواجه الحكومة الجديدة تحديات لها علاقة ببناء الدولة الفلسطينية، على خلفية فقدان الثقة بين قيادة السلطة الفلسطينية والإدارة الأميركية، وانعدام أفق سياسي، والجمود المطلق للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

المصدر: صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية