النيوليبرالية حطمت فرصتنا في إصلاح أزمة المناخ

النيوليبرالية حطمت فرصتنا في إصلاح أزمة المناخ

شجون عربية – كتب جيف سبارو مقالة في صحيفة “الغارديان” البريطانية تناول فيها قضية “التغيّر المناخي” معللاً الأسباب التي أفشلت فرص إنقاذ الكوكب من تصاعد الاحتباس الحراري.

وقال الكاتب: لماذا لم نوقف تغيّر المناخ في مهده؟ سؤال مهم طرحه ناثانيال ريتش في مقال مهم لصحيفة نيويورك تايمز في عام 2018 (نُشر لاحقاً ككتاب). ويشير إلى أنه لفترة وجيزة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، نشأ إجماع حول ضرورة العمل.

في ذلك الوقت، لم يكن أحد يعتبر العلم أمراً قابلاً للتشكيك، لذا أقر عدد مفاجئ من السياسيين العاديين بالتهديد الذي يواجه الإنسانية وتعهدوا بمعالجته.

يقول ريتش: “إن شروط النجاح لم يكن يمكن أن تكون أكثر ملاءمة”. وقد ضاعت الفرصة بسبب الإحجام عن التضحية بـ”الراحة الحالية لإحباط عقوبة تُفرض على الأجيال القادمة”، وهو أمر ينسبه إلى الطبيعة البشرية.

الكاتبة الكندية نعومي كلاين ترفض هذا الجزء من الجدل وتصر على أنه لم يكن من الممكن أن يكون التوقيت أسوأ، منذ أواخر الثمانينيات التي مثلت “الذروة المطلقة” للتحول النيوليبرالي.

وبدلاً من الطبيعة البشرية، كانت المشكلة أنه كما “كانت الحكومات تتضافر للعمل بجدية بشأن كبح جماح قطاع الوقود الأحفوري، انتقلت الثورة النيوليبرالية العالمية إلى مستعر أعظم، وعارضت مشروع إعادة الهندسة الاقتصادية والاجتماعية مع ضرورات علم المناخ وتنظيم الشركات في كل منعطف”.

وقال الكاتب إن السياسيين، بسبب التزامهم بتعصب للسوق الحرة كمنظم لجميع التفاعلات الاجتماعية البشرية، استبعدوا الإنفاق العام أو الحظر المباشر على الانبعاثات. تركزت الإجراءات الوحيدة التي تعتبر ذات مصداقية على إنشاء أنظمة تجارية حولت النتائج البيئية إلى سلع يمكن للممولين العالميين التكهن بها، وترشيح الأشخاص الأكثر فساداً على هذا الكوكب كأفضل رهان لإنقاذ البشرية.

مما لا يثير الدهشة أن أعمال الشركات استمرت كالمعتاد وزادت الكارثة البيئية بشكل كبير.

قد نكمل تقرير كلاين من خلال الإشارة إلى طريقة أخرى ظهرت بها أزمة المناخ في لحظة غير مناسبة بشكل خاص.

كانت ثمانينيات القرن الماضي عقداً تغيرت فيه السياسة التقدمية بشكل كبير. تطورت العديد من الافتراضات الأساسية لليسار من الحركات الاجتماعية في الستينيات والسبعينيات. كانت تلك حقبة يهيمن عليها ما أسميه في كتابي “تحذيرات الزناد”، “السياسة المباشرة”: زمن الاحتجاجات الجماعية، والتعبئة الشعبية مع التركيز على الديمقراطية التشاركية التي تركز على العمال والطلاب والمضطهدين.

رسم دعاة السياسة المباشرة صلات بين القضايا التي تبدو متباينة (التحرر الوطني وتحرير السود وتحرير المرأة وتحرير المثليين وما إلى ذلك) بحجة أن جميع أنواع العلل الاجتماعية تتطلب تغييراً اجتماعياً مادياً، لا يمكن تحقيقه إلا إذا اتحدت الجماهير ضد الأقلية الصغيرة التي استفادت من الوضع الراهن.

مع تضاؤل ​​الراديكالية في الستينيات، أصبح تنظيم العمل الجماهيري للسياسة المباشرة أكثر صعوبة في التنظيم.

يلاحظ الناشط والمؤرخ تود غيتلين أنه منذ منتصف السبعينيات، أفسح الالتزام السائد سابقاً بالمثل الثورية، الطريق لما يسميه “السعي العملي للإصلاحات”. تمكن العديد من الراديكاليين السابقين من إيجاد منافذ مهنية لنشاطهم. أصبح البعض أكاديميين، وقام آخرون بتكوين أو الانضمام إلى المنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية والاستشارات والجمعيات الخيرية والشركات.

في المناخ الجديد في ثمانينيات القرن العشرين، مع احتجاجات وتجمعات وإضرابات أصغر وأصعب تنظيماً من ذي قبل، اعتاد اليساريون على تقديم الحجج باسم جمهور لم يعد يُحشد. وبدلاً من المشاركة الراديكالية المرتبطة بالسياسة المباشرة، فقد تبنوا “السياسة المفوضة”، حيث دافع النشطاء – الذين يتمتعون عادة بنوع من السلطة المؤسسية – نيابة عن الكوادر السلبيين إلى حد كبير.

وبدلاً من الضغط من أجل تغيير هيكلي عميق، ركزوا بشكل متزايد على الإصلاحات الرمزية أو الثقافية، التي تركز بشكل خاص على أماكن مثل الحرم الجامعي.

وعلى الرغم من أن العديد من المطالب المرتبطة بالسياسات المفوّضة كانت صحيحة تماماً، إلا أن التركيز الجديد كانت له عواقب وخيمة بما في ذلك في ما يتعلق بتغيّر المناخ. فالاحتباس الحراري هو عملية ناتجة عن العلاقة الغريبة التي تفرضها الرأسمالية بين البشرية والطبيعة.

ومع ذلك، فإن الميل الجديد للنشطاء لرؤية السياسة في المقام الأول من حيث الثقافة، قد مكّن الشركات من تحويل التركيز بعيداً عن الإنتاج إلى المجال الرمزي.

أصبح المناخ جبهة مركزية في الحرب الثقافية التي اندلعت بشكل أو بآخر بلا هوادة منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو صراع خيض إلى حد كبير على مستوى التمثيل. فبعد التخلي عن علم الاقتصاد لصالح يمين السوق الحرة، سعى التقدميون إلى إلهام التغيير إما من خلال الأمثلة الفردية (إعادة التدوير، وركوب الدراجا ، وما إلى ذلك) أو الأحداث الرمزية مثل احتفالية “ساعة الأرض”.

“ساعة الأرض” Earth Hour‏ هي حدثٌ عالمي سنوي يتم خلاله تشجيع الأفراد والمجتمعات والشركات على إطفاء الأضواء والأجهزة الإلكترونية غير الضرورية لمدة ساعةٍ واحدة من الساعة 8:30 حتّى 9:30 في أحد أيّام السبت في شهر آذار / مارس، وذلك لرفع الوعي بخطر التغيّر المناخي.

ورأى الكاتب أنه من الناحية السياسية، غالباً ما تتجلى القضية البيئية بالإيمان بدلاً من العمل. فمع انغماس المحافظين في التشكيك في قضية التغيّر المناخي، صوت الليبراليون لمرشحين وعدوا بأنهم “قبلوا العلم”. ومع ذلك، فإن مثل هذه التصريحات عن الإيمان لم تغير شيئاً من تلقاء نفسها.

خذ مثالاً خطاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما المرتفع النبرة في قمة المناخ الأخيرة في غلاسكو. فمن الناحية الرمزية، لا يمكن أن تكون خطابه أكثر اختلافاً عن الإنكار الصريح للرئيس السابق دونالد ترامب أو قبول رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون على مضض، (بالالتزام بتحديد مهلة للوصول إلى صفر انبعاثات حرارية في عام 2050).

ومع ذلك، خلال فترة رئاسة نيوليبرالية متقنة، قام أوباما، كما تفاخر لاحقاً، بتحويل أميركا إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

من الناحية الرمزية، وقف أوباما مع التقدميين ضد الجمهورية المناهضة للعلم والتي كانت تحتقره. لكنه من الناحية المادية، فقد كثف فقط الاعتماد على الوقود الأحفوري.

واعتبر الكاتب أن كربون الغلاف الجوي لا يهتم بالحرب الثقافية. ولا ينبغي لنا أن نهتم بها. فالاحترار العالمي يؤدي إلى تفاقم كل أنواع عدم المساواة، ويؤثر بشكل غير متناسب على أفقر الناس وأكثرهم اضطهاداً على هذا الكوكب. وبهذه الطريقة، فإنها تخلق جمهوراً محتملاً هائلاً للسياسة المباشرة، ولحملة جماهيرية تشاركية لإعادة تشكيل كيفية ارتباط البشر بالطبيعة، ومع بعضهم البعض بشكل جذري. ولكن لاغتنام الفرصة، يحتاج التقدميون إلى توجّه مختلف تماماً.

وخلص الكاتب إلى القول إنه “إذا واصلنا القتال في عالم الرمزية، فإن فرصتنا الأخيرة والأفضل لإنقاذ الكوكب ستنزلق من بين أصابعنا”.

نقله إلى العربية: هيثم مزاحم عن الميادين نت