تداعيات الانسحاب الأميركي من سورية

تداعيات الانسحاب الأميركي من سورية

يهودا بلانغا – محاضر في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بار – إيلان/

ما هي المصلحة الأميركية اليوم؟ إنها الانسحاب من الشرق الأوسط. بحسب دراسة بعنوان “تكلفة الحرب” أصدرتها جامعة براون في سنة 2018، منذ سنة 2001، أنفقت الولايات المتحدة 5.9 تريليون دولار على الحرب في العراق، وأفغانستان، وسورية، وباكستان. الولايات المتحدة تعبت من حروب لا فائدة منها، تستهلك ميزانيات هائلة، وتتسبب بخسائر بشرية فادحة (منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001، قُتل نحو 7000 جندي أميركي في معارك في الشرق الأوسط). لم يعد الأميركيون يريدون أن يكونوا “شرطي العالم”، ويسعون للابتعاد عن المنطقة. هذا بالتأكيد الخط الذي يربط بين إدارة أوباما وإدارة ترامب. لكن بينما تصرفت الإدارة السابقة بصورة متسرعة ومدمرة، فإن الأخيرة تسعى للهدف عينه من خلال تفويض السلطة لحلفائها وتعزيز قوتهم بالسلاح وتجنب المسؤولية المباشرة.
النتيجة مع الأسف هي عينها، وفي النهاية تتلخص في مسألة التكلفة. في حلبة الشرق الأوسط الحافلة بالتحديات والأزمات التكلفة هي عالية دائماً.
تداعيات الانسحاب الأميركي من المنطقة الكردية في شمال سورية (وليس من سورية كلها) يمكن تقسيمها إلى التالي:
تقوية الجانب الروسي – الإيراني في سورية. بعد كفاح استمر أكثر من 8 سنوات، وتقديرات ليست قليلة بأن أيام بشار الأسد معدودة، الانسحاب [الأميركي] يقرّب الأسد من تحقيق حلمه باستعادة السيطرة على البلد بالكامل. وبوجيز العبارة، إسرائيل حصلت على “أربعة بثمن واحد”: الأسد زائد روسيا، وإيران وحزب الله. على الرغم من أن الجيش السوري استعاد شيئاً من قوته، إلاّ إنه لا يزال ضعيفاً. الروس تحولوا في غياب الأميركيين إلى قوة توازن ووساطة في المنطقة. السلاح الذي ترسله إيران لتطويق إسرائيل، بالإضافة إلى محاولتها بناء جبهة شمالية على الحدود السورية – الإسرائيلية، يشكلان تحدياً مهماً يتعين على الجيش الإسرائيلي مواجهته.
خطر عودة بقايا تنظيم داعش إلى العمل في الشرق الأوسط أو في دولهم الأم. يعتقل الأكراد أكثر من 10 آلاف مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية ومن أنصارهم في معسكرات اعتقال. البعض منهم من سكان الشرق الأوسط، والبعض الآخر يأمل بالعودة إلى موطنه الأساسي في أوروبا. تركيز الأكراد على وقف التقدم التركي سيترك معسكرات الاعتقال مكشوفة، ويمكن أن يؤدي إلى إطلاق سراح عناصر داعش.
أزمة اللاجئين. يريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يستضيف 3.6 مليون لاجىء سوري في بلده إعادتهم إلى سورية. لكن نظراً إلى أن نظام الأسد ليس لديه الرغبة ولا القدرة على استيعابهم، فإن النتيجة قد تكون كارثة إنسانية. في السنوات الأخيرة عمل الأسد وإيران وحزب الله على تغيير الميزان الديموغرافي في أجزاء كبيرة من سورية من خلال زيادة عدد السكان الشيعة على حساب السّنة. في نيسان/أبريل 2018، أقر الأسد “قانون 10” الذي يسمح للدولة بمصادرة العقارات والأملاك في حال عدم إمكان إثبات ملكيتها. الوقت الممنوح للأفراد كي يثبتوا ملكيتهم انقضى منذ بعض الوقت، وأصبح الأسد وحلفاؤه أحراراً في الاستمرار في خططهم. ماذا سيكون مصير اللاجئين السوريين، وأغلبيتهم الساحقة من السّنة، لدى عودتهم إلى سورية؟ هذا الموضوع يبقى من دون حل.
خطر اندلاع نزاع سوري – تركي – روسي. رحيل القوات الأميركية، ودعوة الأكراد جيش الأسد كي يأخذ مكانها، يمكن أن يؤديا إلى صدام سوري – تركي. الروس بالتاكيد لن يتركوا الأسد يخسر. بالنسبة إلى موسكو ودمشق، الانسحاب الأميركي هدية. فهو سيسمح للجيش السوري بالسيطرة على نحو ثلث المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد (حتى وقت قريب بالتعاون مع الأميركيين)، من دون الحاجة إلى محاربة الأكراد. لذلك، يمكن أن يؤدي الغزو التركي الذي وصفه الأسد كاعتداء وغزو، إلى مواجهة سورية – تركية – روسية. علاوة على ذلك، على الرغم من شن تركيا “عملية نبع السلام” بحسب وصفها، فإنها لا تزال عضواً في حلف شمال الأطلسي، وأي صدام عسكري بينها وبين سورية لن يكون حادثاً صغيراً (مع أنه من الواضح من الاجتماعات الأخيرة التي جرت بين بوتين وأردوغان، سواء في موسكو أو في أنقرة، أنهما غير معنيان بمثل هذا الصدام).
تآكل صدقية الولايات المتحدة في نظر حلفائها في الشرق الأوسط. هذه المسألة التي برزت خلال ولاية باراك أوباما في ظل “الربيع العربي” والاتفاق النووي مع إيران، أكدها مجدداً الرئيس ترامب. بعد أن دفع الأكراد دماءهم للقضاء على تهديد داعش الإرهابي، كان من المنتظر أن تُظهر الولايات المتحدة بعض التفهم لوضعهم، وأن تعبّر عن امتنانها (على الرغم من أنه من السذاجة التفكير بهذه الطريقة) للجهود التي بذلوها في محاربة الإرهاب الجهادي. الآن، بدلاً من الحصول على الدعم لتحقيق هدفهم في الحكم الذاتي، أو دعمهم في مواجهة تهديد التقدم التركي، أدارت واشنطن ظهرها للأكراد. لا يبدو الرئيس ترامب، بعكس سلفه، مدركاً أن حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين – السعودية، ودولة اتحاد الإمارات، والأردن ومصر وإسرائيل – سيفسرون خطوته بصورة مختلفة تماماً عن الطريقة التي يريدها. مع بقاء الملعب مفتوحاً، من الضروري اتخاذ إجراءات خاصة لتقليل الأضرار.
في غياب الوجود الاحتوائي والرادع للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن المنطقة ستعود إلى ما يشبه الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. في تلك الأيام كان هناك تهديد الاتحاد السوفياتي؛ في هذه الأيام هناك الخطر الإيراني. لكن بخلاف الفترة الماضية التي كانت تبدو إسرائيل فيها كالعدو الأكبر للعالم العربي، فإنها تُعتبر اليوم لاعباً يمكن التعاون معه (بما في ذلك من جانب أطراف ليس لديها علاقات دبلوماسية مع القدس) وذلك من أجل التصدي للخطر الأساسي الذي يهدد استقرار المنطقة – طهران.

مركز السادات بيغن، وجهات نظر، الورقة رقم 1330، 30/10/2019 (عن الإنكليزية)
المصدر: نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية