خطاب رئيس الموساد في مؤتمر هرتسليا نقل تهديدات نتنياهو لطهران

خطاب رئيس الموساد في مؤتمر هرتسليا نقل تهديدات نتنياهو لطهران

رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي
نادراً ما يلقي رئيس الموساد خطاباً علنياً ويتحدث فيه عن الأمور بإسهاب وانفتاح، وبالقدر الذي فعله رئيس الموساد الحالي يوسي كوهين في الأمس في مؤتمر هرتسليا.
من الواضح تماماً أن هذا الخطاب كُتب وصيغ ليس فقط بموافقة رئيس كوهين بنيامين نتنياهو، بل يمكن الافتراض أن رئيس الحكومة تدخّل في وضع مضمون الخطاب وحجم التفصيلات والمعلومات التي قدمها رئيس الموساد في كلامه.
أشار كوهين إلى أننا مسؤولون عن منع إيران من الحصول على سلاح نووي – تصريح اعتاد بصورة عامة أفرادالمستوى العملاني تركه للمستوى السياسي.
لذلك من المفيد تفحص الجمهور الذي يستهدفه هذا الخطاب والغرض الذي يهدف إلى تحقيقه. من الواضح تماماً أن الهدف الأول والمركزي للخطاب هو ردع إيران. صحيح أن توقيت الخطاب حدده مؤتمر هرتسليا الذي يرأسه اللواء في الاحتياط عاموس جلعاد، لكن يمكن الافتراض أن هناك علاقة بين الخطاب والهجوم في سورية المنسوب إلى إسرائيل قبل ساعات منه، وأيضاً علاقة بتاريخ 1 تموز/يوليو، الموعد الذي أعلنه الإيرانيون مسبقاً للبدء بتخصيب كميات من اليورانيوم أكبر من تلك التي يُسمح لهم بالاحتفاظ بها بحسب الاتفاق النووي.
إيران لم تتخل عن جهودها لإقامة جبهة إضافية ضد إسرائيل في سورية، ولم تتخل عن تطوير مشروعها النووي العسكري، ولا عن الإرهاب. ولقد تجلى هذا كله في الأيام الأخيرة، وخطاب رئيس الموساد هو فعلياً الرد الإسرائيلي الاستراتيجي الذي يستهدف ردع طهران من خلال تذكيرها بحقيقة أن الاستخبارات الإسرائيلية تعرف ماذا تفعل إيران خفية في الماضي، وتعرف أكاذيبها، وماذا تفعل اليوم.
العنصر الثاني في الخطاب الذي يهدف إلى ردع الإيرانيين كان الجملة البسيطة التي قالها رئيس الموساد إن إسرائيل لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي. ولقد فعل ذلك بواسطة صيغة لمّح فيها إلى أنه حتى إذا لم تشارك الولايات المتحدة إسرائيل في عملية عسكرية ضد إيران، فإن إسرائيل ستتحرك ضد النووي الإيراني بقواها الذاتية وبوسائل متعددة.
في الإمكان أن نشعر بأن كوهين حاول في خطابه، بصورة غير مباشرة لكن واضحة، تعديل الانطباع المائع الذي تركه سلوك ترامب الضعيف حيال الاستفزازات الإيرانية في الخليج الفارسي. ما شجع الإيرانيين هو إلغاء الهجوم الأميركي رداً على إسقاط الطائرة الأميركية الموجهة للتجسس، ويرون في الخطوة دليلاً على ضعف. يوسي كوهين، كما قلنا، حاول أن يعدّل ذلك. وأوضح أيضاً ما حاول الأميركيون طمسه، وهو أن الإيرانيين هم الذين هاجموا ناقلات النفط التي كانت تعبر بالقرب من مضيق هرمز.
المعلومات التي قدمها بشأن سرقة الأرشيف النووي الإيراني من تحت أنف الحرس الثوري غرضها تذكير النظام الإيراني بأن لإسرائيل أرصدة في طهران يمكن استخدامها عند الحاجة من أجل زعزعة نظام آيات الله. لم يُخفِ كوهين تفاخره بهذه العملية، وكان واضحاً أنه يعتبرها، وعن حق، من أكبر إنجازات الموساد وأي جهاز آخر يمكن أن يحققه.
إعلان الإيرانيين اليوم تجاوز كميات اليورانيوم المخصب على درجة منخفضة المسموح بها لا يُعتبر خرقاً مهماً. وهو يهدف إلى التهديد والتلميح إلى الأوروبيين وتشجيعهم على مساعدة إيران على التغلب على العقوبات الأميركية. هم أعلنوا أنهم ينوون تخصيب اليورانيوم على مستوى 20%، وإذا فعلوا ذلك، فإن هذا يمكن أن يُعتبر خرقاَ مهماً للاتفاق النووي. تخصيب على درجة منخفضة 3.65 % لأكثر من 300 كيلوغرام ليس شيئاً مهماً. وهو خطوة استفزازية ليس أكثر.
ثمة هدف آخر لخطاب كوهين هو الرفع من مستوى إنجازات رئيس الحكومة ووزير الدفاع نتنياهو في مجاليْ الأمن والعلاقات الخارجية. بصفته رئيساً للموساد يتحدث عن “أطراف أُخرى في المنطقة مستعدة للتعاون”، وعن القدرة على أن نكون حليفاً وفياً للولايات المتحدة، وفي الوقت عينه إجراء حوار مع الكرملين، هو فعلياً يقول ما يريد نتنياهو أن يقوله، لكنه قد يُتهم باستغلال المعلومات ومكانته في موضوعات الأمن من أجل أغراض المعركة الانتخابية.
يمكن التقدير أيضاً أنه من الأفضل لرئيس الحكومة أن يعرض كوهين الإنجازات التي يعرف الجميع أن لنتنياهو دوراً كبيراً في تحقيقها، أي أن يترك الآخرين يقولون الأمور كي لا يظهر أنه يتفاخر بنفسه.
الهدف الثالث لخطاب كوهين هو الكشف أمام الجمهور الإسرائيلي بعضاً من العمل الضخم للموساد – ليس فقط على المستوى الاستخباراتي والعمليات الخاصة، لكن أيضاً على المستوى الاجتماعي، مثل الدفع قدماً بمكانة المرأة والمساواة في الفرص بين أصحاب القدرات المحدودة.
لقد بدا ذلك كحملة علاقات عامة للموساد ولرئيسه، لكن هذا مشروع. يمكن بالتأكيد تصديق كوهين عندما يقول إنه فخور بعمل النساء والرجال الذين يعملون تحت إمرته وبعمله هو نفسه. هذا العمل الذي لا يركز فقط على تحقيق أكبر قدر من الأمن لمواطني إسرائيل، بل ايضاً على العمل الأخلاقي والجماعي الذي يجعل المجتمع الإسرائيلي يستحق الجهود التي يوظفها نساء ورجال مجهولون من أجل ضمان وجوده وقيمه.
لا شك في أن هذا الجزء من الخطاب يهدف إلى مساعدة الموساد في تجنيد ألمع وأفضل العناصر التي يحتاج إليها في العصر السيبراني والذكاء الاصطناعي. لدى سماع خطاب رئيس الموساد لا يمكن التحرر من الشعور بأنه ذات يوم سيدخل الحلبة السياسية. وهذا أيضاً مشروع.
“Ynet”، 2/7/2019
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية