على إسرائيل أن تعتذر للشعب الفلسطيني عن النكبة

على إسرائيل أن تعتذر للشعب الفلسطيني عن النكبة

بقلم ديمتري شومسكي – محلل سياسي إسرائيلي —

في رد على مقالي بشأن التأييد الأميركي للأونروا، ادّعى عدي شورتس (“هآرتس”، 26/9) أنه بينما أبدت الحركة الصهيونية استعدادها للتراضي بشأن مبدأ أرض إسرائيل الكاملة الذي هو من الخصائص المركزية المميزة لقوميتها المركزية، فإن الفلسطينيين يواصلون التمسك بشدة بتحقيق حق العودة إلى داخل إسرائيل، ولا يبدون أي استعداد للمرونة في ما يتعلق بميزة قومية مركزية بالنسبة لهم.
لكن، يبدو أن شورتس نفسه يعلم أن الجزء الأول من ادعائه المتعلق بالتساهل الصهيوني يرسم صورة وردية للواقع، يكتب: “إذا قرر الإسرائيليون، عندما تسنح الفرصة، التنازل عن مناطق في يهودا والسامرة فإنهم سيفعلون ذلك… لأن السيادة والرغبة في الحياة تأتي في سلم أولوياتهم قبل السيطرة الإقليمية على كل البلد”. معنى هذا أن شورتس يعترف أن الإسرائيليين لم يصلوا بعد إلى الحسم بشأن تسوية إقليمية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.
يجب تحديد هذه النقطة، ونكتفي لهذه الغاية بنموذج ملموس واحد. في كل جولات المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، شكلت مسألة أريئيل إحدى الخلافات المركزية في المسائل الجوهرية المتعلقة بـ”الحدود والمساحة”. ونظراً لأن كتلة أريئيل تمتد على نحو 20 كيلومتراً داخل الأراضي الفلسطينية، وتقسم الدولة الفلسطينية العتيدة إلى قسمين، من الطبيعي أن وضعها تحت السيادة الإسرائيلية لن يسمح عملياً بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. بالإضافة إلى ذلك يوجد تحت أريئيل الجزء الرئيسي من المياه الجوفية لمياه الجبل، ولهذا السبب فإن ضمها إلى إسرائيل سيمنع الفلسطينيين من تحقيق حقوقهم في مجال المياه. في ضوء هذا كله، من البديهي ألا يستطيع الفلسطينيون الموافقة بأي شكل من الأشكال على إبقاء كتلة المستوطنات هذه بيد إسرائيل.
لكن، كما هو معروف، بالنسبة إلى إسرائيل ضم أريئيل في أي تسوية مستقبلية هو بمثابة “إجماع وطني”. وفي هذه الأثناء تثبت الخطوات الكولونيالية الأخيرة لحكومة المستوطنين في المنطقة، مثل تحويل كلية أريئيل إلى جامعة وافتتاح كلية طب فيها، عملياً أن ما تتطلع إليه إسرائيل هو بذل كل ما في وسعها من أجل تأبيد سيطرتها على هذا الجزء من الأرض، التي من دونه لا أمل بقيام دولة فلسطينية فاعلة.
معنى هذا، أن الاتجاه التصالحي حيال تقسيم البلد الذي تحدث عنه شورتس، والذي له وجود متردد في الوعي الصهيوني منذ طرح فكرة التقسيم من قبل فيكتور يعقوبسون في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، هو حالياً في حالة تراجع واضح.
وإذا كان الجزء الأول من ادعاء شورتس بشأن حجم التساهل الإقليمي للصهيونية ولدولة إسرائيل يخلق انطباعاً متفائلاً مبالغاً فيه، فإن الجزء الثاني المتعلق بالموقف الفلسطيني من مسألة العودة، يكشف موقفاً متشائماً للغاية. بحسب شورتس الفلسطينيون لم يوضحوا أبداً أنهم لا ينوون إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين. هذا كلام غير دقيق. بل على العكس، يعرفون ويدركون في زعامة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية جيداً أن التطلع لتحقيق عودة مئات اللاجئين إلى داخل حدود إسرائيل هو أمر غير واقعي.
في 2004 تعهد ياسر عرفات ألا يؤدي حل مشكلة اللاجئين إلى تغيير “الطابع اليهودي لإسرائيل”. وهو بذلك أكد ما كتبه في 2002 في مقال نشرته “النيويورك تايمز”، أنه يجب تحقيق قرار الأمم المتحدة 194 بشأن حق العودة بصورة تأخذ في الحسبان مخاوف إسرائيل.
الباحث شاوول أريالي، الذي منذ سنوات يدرس أسس عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، كتب في كتابه “حق العودة”، أنه بعد توقيع اتفاق أوسلو، أعلنت الزعامة الفلسطينية أنه إذا اعترفت إسرائيل بحق العودة وأعلنت أسفها على الدور الذي لعبته في الدينامية التي خلقت مسألة اللاجئين، فإن الفلسطينيين مستعدون للاعتراف بالواقع الذي نشأ منذ ذلك الحين. الإسرائيليون يعتقدون من جهتهم أنه حتى لو لم يتحقق حق العودة بالفعل في المرحلة الأولى، فإن جوهر الاعتراف ينطوي على نهاية إسرائيل كدولة يهودية.
هذا الخلاف في الآراء برز أيضاً في عملية أنابوليس [المؤتمر الذي انعقد في 2007 في مدينة أنابوليس في ولاية ميريلند في الولايات المتحدة]: بحسب صائب عريقات، الفلسطينيون طالبوا، بين أمور أخرى، بأن تعترف إسرائيل بالقرار 194، وتستوعب 150 ألف لاجىء خلال 10 سنوات، وأن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية أو تعبر عن اعتذارها كمكون أساسي، بينما لم يوافق إيهود أولمرت على القبول بالقرار 194 كمصدر للصلاحيات، وتحدث بصورة رسمية عن استيعاب 15 ألف لاجىء على الأكثر، يسمح لهم بالدخول إلى إسرائيل خلال خمس سنوات، وأعرب عن استعداده للاعتراف بمعاناة اللاجئين الفلسطينيين لا أكثر، من دون مكونات تحمل المسؤولية أو الاعتذار.
في الإمكان ألا نحب المطالبة الفلسطينية بدخول 150 ألف لاجىء إلى إسرائيل خلال 10 سنوات، لكن من الواضح أن 150 ألف لاجىء ليسوا ملايين من اللاجئين. معنى هذا أن الذين يواصلون الادعاء بشدة بأن الزعامة الفلسطينية تسعى إلى إغراق الفلسطينيين بملايين من أبناء ذرية اللاجئين، ولهذا السبب ليس لنا شريك، يذرون الرمال في عيون الجمهور، ويفضلون مواصلة شيطنة الموقف الفلسطيني.
بالإضافة إلى ذلك، في الوقت الذي يمكننا فيه فهم الصعوبة التي تلاقيها إسرائيل في أن تتبنى بصورة مباشرة القرار 194 (لقد وجد أولمرت طريقة للتعامل معه بصورة غير مباشرة، من خلال الاعتراف بروحية المبادرة العربية)، فإنه لا بد من الاعتراف بأنه من دون مكون الاعتذار الإسرائيلي عن النكبة، لن يكون ممكناً تحقيق تقدم لا في مسألة حق العودة ولا في عملية السلام عموماً. وما دامت إسرائيل تواصل إنكار مسؤوليتها عن دمار المجتمع الفلسطيني في سنة 1948، من خلال الترحيل والطرد القسري لمئات الآلاف من المدنيين غير المسلحين الذين لم يشاركوا في القتال، وهي عملية ترافقت في جزء من الأماكن بتفجير منازل ومحو قرى من على سطح الأرض وأعمال نهب، وانتهت مع عملية نهب رسمية للأملاك الفلسطينية في إطار قانون أملاك الغائبين، كنوع من “تعويض” مقبول على رفض الزعامة الفلسطينية تقاسم وطنهم مع مستوطنين جاؤوا قبل فترة قريبة، وما دامت إسرائيل تواصل الإنكار من الصعب أن نتخيل كيف يمكن التوصل إلى تسوية حقيقية مع الشعب الفلسطيني.
من جهة أخرى، عندما يتجرأ اليهود الإسرائيليون على طلب الصفح من الشعب الفلسطيني عن الدور الأساسي لأمتهم في التسبب بالكارثة الوطنية الفلسطينية، فإن هذا سيساهم في الاحترام الوطني لإسرائيل، وربما من شأنه أن يشجع الزعامة الفلسطينية على إبداء مرونة في موقفها من قضية حق العودة.

المصدر: صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية