“فورين بوليسي”: السياسة الخارجية لإدارة ترامب.. سجل بائس

“فورين بوليسي”: السياسة الخارجية لإدارة ترامب.. سجل بائس

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية مقالا لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفين والت، تناول تقييما لسياسة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب الخارجية.

وقال والت في المقال الذي ترجمته “عربي21”: “جلست في كانون الثاني/ يناير 2017 لتقييم أداء السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما. لقد ورث أوباما حالة من الذعر المالي العالمي وحربين فاشلتين، وتصرف بتوازن ووقار مثاليين طوال فترتيه كرئيس، وحقق العديد من النجاحات الواضحة في السياسة الخارجية. ولكن على الرغم من أنني صوت له مرتين، فقد خلصت إلى أن “سجل أوباما في السياسة الخارجية كان في الغالب سجلا فاشلا””.

وأضاف: “الآن، بينما تقترب فترة ولاية الرئيس دونالد ترامب الواحدة من نهايتها الفوضوية وغير الكريمة، فقد حان الوقت لإجراء تقييم مماثل”.

بعد ترشحه للرئاسة ووصفه السياسة الخارجية الأمريكية بأنها “كارثة كاملة وشاملة”، هل كان ترامب قادرا على تصحيح مسار الدولة ورسم مسار أفضل؟ بالمقارنة مع الدول الأخرى. تساءل والت. وتابع: “هل ارتفعت قوة أمريكا ومكانتها وتأثيرها العالمي في عهده؟ أم أن تعامل ترامب مع السياسة الخارجية يعيد للذهن كازينوهاته المفلسة أو شركة ترامب شاتل أو جامعة ترامب أو غيرها من المشاريع التجارية الفاشلة؟”.

ويجدر أن نتذكر ما وعد بفعله. مثل معظم برنامجه السياسي، نشأت سياسة ترامب الخارجية من المظلومية، حيث يعتقد أن بقية العالم تستغل أمريكا. كان سيضع “أمريكا أولا” بدلا من ذلك.

سيدفع الحلفاء الثمن الكامل مقابل حماية أمريكا وسيواجه الخصوم ويُهزمون، وستسعى أمريكا إلى تحقيق مصلحتها الذاتية مع القليل من الاهتمام بالمجاملات الدبلوماسية. كان سيمنع الصين من “سرقة” الوظائف الأمريكية ويُخرج أمريكا من “الصفقات السيئة” مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاقية النووية مع إيران. وصور نفسه على أنه مفاوض محترف، ووعد بالتوصل إلى صفقات تجارية جديدة “جميلة” من شأنها أن تعيد التصنيع في أمريكا وتستهل حقبة جديدة من الازدهار. لن تلعب أمريكا دور المغفل بعد الآن: فهي ستخرج “من مهمات بناء الدول” وتشن حملة على الهجرة وإعادة بناء المؤسسة الدفاعية الضعيفة، وإجبار المكسيك على دفع ثمن جدار على الحدود الجنوبية.

يقول والت: باختصار، قدم ترامب رؤية مغرية وعدت بنجاح غير منقطع بجهد إضافي ضئيل أو بدون جهد. لن تتطلب استعادة الهيمنة الأمريكية تضحية شخصية أو وحدة وطنية أو حتى استراتيجية مدروسة جيدا، ولكن مجرد وضع “عبقري مستقر للغاية” على رأس القيادة هو كل ما يتطلبه الأمر “لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. ووعد ترامب أنه بمجرد أن يصبح رئيسا، سيصل الأمريكيون إلى “السأم والتعب من النجاحات”.

فكيف كانت نتيجة كل هذا؟ على الرغم من أن ترامب يمكن أن يدعي بعض النجاحات في السياسة الخارجية، إلا أن سجله العام كئيب. أعداء أمريكا أكثر خطورة مما كانوا عليه في عام 2016، وأمريكا أضعف وأكثر مرضا وأكثر انقساما، والعلاقات مع العديد من حلفاء أمريكا أسوأ، وأي تطلعات إلى القيادة الأخلاقية التي ربما كان الأمريكيون يحتفظون بها قد تلطخت بشكل كبير.

ولكي نكون منصفين، يمكن لترامب أن يدعي عددا من الإنجازات الحقيقية. أحدها هو أنه لم يبدأ أي حروب جديدة ولم ينشئ دولا فاشلة جديدة. قد لا يبدو هذا إنجازا كبيرا، لكن لا أحد من أسلافه الثلاثة يستطيع تقديم ادعاء مماثل. وتفاوضت الإدارة أيضا على اتفاقية تجارية جديدة مع كوريا الجنوبية ونسخة محدثة من اتفاقية نافتا، على الرغم من أن أيا من الاتفاقين لم يمثل تحسنا كبيرا عن الترتيبات السابقة. ومن خلال التلميح المتكرر إلى أنه قد يخرج أمريكا من حلف شمال الأطلسي، شجع ترامب الجهود الأوروبية لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم وربما أقنع بعض الجالسين على السياج بالموافقة على طلبات أمريكا بعدم استخدام شركة هواوي الصينية لإنشاء بنيتهم التحتية الرقمية. كما قد يمنح بعض المراقبين إدارته الفضل في إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، على الرغم من أن هذه الخطوات لم تفعل شيئا يُذكر لدفع قضية السلام أو العدالة في الشرق الأوسط.

يؤكد والت: “لسوء الحظ، يجب أن تقارن هذه القائمة المتواضعة من النجاحات مع قائمة طويلة من حالات الفشل اللاحقة”.

لننظر ابتداء إلى كيفية تعامله مع العلاقات مع الصين. لقد حاول إقناع الرئيس الصيني شي جين بينغ أن يمارس المزيد من الضغط على كوريا الشمالية ورفض شي. وحاول إقناع الصين بإجراء إصلاحات هيكلية كبرى وإنهاء ممارساتها التجارية والاستثمارية الجشعة وأطلق في النهاية حربا تجارية مكلفة في محاولة لإجبار بكين على الامتثال. لم ينجح ذلك أيضا، لأن الصين ردت وتكيفت؛ وتحملت الشركات والمستهلكون والمزارعون الأمريكيون معظم تكاليف التعرفات التي فرضها ترامب؛ واختار ترامب الضغط على الصين من جانب واحد بدلا من اصطفاف دول أخرى إلى جانب أمريكا. أدت حملة الإدارة المتصاعدة ضد “تيك توك” و”زد تي أي” و”هواوي” وغيرها من شركات التكنولوجيا الصينية إلى الإضرار بهذه الشركات على المدى القصير، لكنها حفزت أيضا الجهود الصينية لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية، وقد تكلف الشركات الأمريكية في النهاية الكثير من الأرباح المستقبلية.

ليس من المستغرب أن العلاقات مع الصين قد تدهورت باطراد على مدى السنوات الأربع الماضية.

هذا التراجع ليس خطأ ترامب بالكامل. فهو من نواح كثيرة مرتبط بالهيكل الناشئ للنظام الدولي. خطأ ترامب هو تدهور وضع أمريكا داخل هذا الهيكل وفشلها في الاستفادة من زلات بكين. فقد شنت الصين إجراءات صارمة في هونغ كونغ وعلى أقلية الأويغور (بموافقة ترامب بحسب التقارير)، واشتبكت مع الهند على طول حدود الهيمالايا، وواصلت تعدياتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وذهبت إلى أبعد الحدود في التنمر على أستراليا، الحليف القديم للولايات المتحدة. لقد استفادت من تخلي ترامب عن الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) للتفاوض والتوقيع على شراكة اقتصادية إقليمية شاملة جديدة مع 14 دولة آسيوية أخرى، وأكملت للتو اتفاقية استثمار جديدة مع الاتحاد الأوروبي.

بعد سوء التعامل مع تفشي فيروس كورونا في البداية، يبدو أن الصين الآن تسيطر على الوباء داخل حدودها وأعادت فتح اقتصادها. وفي الوقت نفسه، تواصل أمريكا إضافة عشرات الآلاف من الحالات الجديدة كل يوم ولا تزال في حالة إغلاق جزئي.

لم يكن تعامل ترامب مع القوة الآسيوية العظمى الأخرى -روسيا- أفضل. أخبر مؤيديه في عام 2016 أنه “ستكون لدينا علاقة رائعة مع بوتين وروسيا”، ولا يزال احترام ترامب الثابت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمرا غامضا. ومع ذلك، لم يبذل ترامب أي جهد جاد لتحسين العلاقات أو دق إسفين بين موسكو وبكين، على الرغم من أن القيام بذلك منطقي من ناحية جيوسياسية. وعدا عن معاقبة عدد قليل من المسؤولين الروس، لم يفعل ترامب الكثير لتحدي روسيا أيضا. وبدلا من ذلك، تعرض ترامب للمساءلة بسبب محاولته تعزيز احتمالات إعادة انتخابه من خلال حجب المساعدات الأمريكية لأوكرانيا حتى تقوم كييف بالبحث عن بعض الأمور التي تشوه عائلة بايدن.

والنتيجة؟ لا تزال روسيا تتدخل في أوكرانيا اليوم، ولا تزال تدعم نظام بشار الأسد في سوريا وأمير الحرب خليفة حفتر في ليبيا، ولا تزال تشن هجمات قاتلة على التهديدات المتصورة في الداخل والخارج. وتعد موسكو أيضا الجاني المحتمل للخرق الإلكتروني الهائل الذي أضر بشبكات الكمبيوتر التابعة للحكومة الأمريكية، بما في ذلك وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومختبر لوس ألاموس الوطني ووكالة الأمن القومي. هل يمكنك أن تتخيل ما كان سيقوله ترامب لو حدث هذا في عهد أوباما؟

يقدم تعامل ترامب غير الاحترافي مع كوريا الشمالية مثالا آخر على عدم كفاءة السياسة الخارجية. فبعد تبادل بعض تغريدات الاستهزاء الطفولية على “تويتر” مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، كان لدى ترامب الحس السليم للتوجه إلى الدبلوماسية بدلا من ذلك. ولكن بدلا من تنظيم مفاوضات منهجية للحد من البرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، اختار ترامب عقد قمتين استعراضيتين مع كيم واللتين كانتا كبيرتين من حيث المشهد وصغيرتين من حيث المضمون. مقتنعا بأنه يمكنه من خلال سحره الشخصي ومهاراته في إبرام الصفقات أن يقنع كيم بالتخلي عن الردع النووي الذي يعتمد عليه بقاء نظامه، وانتهى الأمر بترامب إلى عدم الحصول على شيء. على الرغم من أن القمتين ولدتا هذا النوع من الاهتمام الإعلامي الذي كان يتوق إليه ترامب، إلا أنهما نجحتا فقط في تعزيز مكانة كيم والتأكيد على سذاجة ترامب. فقد الرئيس اهتمامه بهذه القضية بمجرد فشل حذلقته في العلاقات العامة، واستمرت ترسانة كوريا الشمالية النووية وقدراتها الصاروخية في التحسن منذ ذلك الحين.

ثم هناك الأخطاء الفادحة الأكثر وضوحا. لقد كان من الخطأ مغادرة اتفاقية باريس للمناخ، والتي كانت على الأقل خطوة أولى مفيدة نحو معالجة أكبر خطر طويل الأجل تواجهه البشرية. لقد كان من الخطأ التخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ مع محاولة موازنة الصين في الوقت نفسه، وخطأ أكبر هو الانسحاب من الصفقة النووية مع إيران. ويواصل ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو والعناصر المتشددة في اللوبي الإسرائيلي الإصرار على أن سياسة ترامب المتمثلة في “الضغط الأقصى” ناجعة، لكن مثل هذه الادعاءات هي هراء صارخ. نعم، لقد عانى الكثير من الإيرانيين العاديين نتيجة العقوبات الأمريكية، لكن النظام الديني لا يزال في السلطة، واكتسب المتشددون نفوذا أكبر، واستأنفت إيران تخصيب اليورانيوم، وزادت مخزونها ثمانية أضعاف، وقلصت وقت تحقيق الاختراق إلى النصف.

أخيرا، لا يمكن للمرء أن يتجاهل تأثير ترامب المدمر على العناصر الأساسية لقوة أمريكا، والتي يعتمد عليها أمنها ورفاهيتها في نهاية المطاف. وفيما يتعلق بـكوفيد-19، قدم ترامب درسا مهما في كيفية عدم التعامل مع حالة طوارئ خطيرة. لقد سمح بالتراخي في التأهب لحالات الطوارئ قبل ظهور فيروس كورونا، ثم نفى أن يشكل الفيروس خطرا كبيرا، وأصر علانية على عدم ارتداء الكمامات وغيرها من الإجراءات الوقائية، وأصر على أن الفيروس سيختفي “مثل السحر”، وأثبت أنه غير قادر على تنسيق نظام فحص وتتبع كان يمكن أن يحتوي الوباء منذ شهور. لم يتسبب فشله فقط في خسارة أرواح الأمريكيين بأعداد أكبر من الحرب العالمية الأولى وحرب فيتنام والحرب الكورية مجتمعة، ولكنه تسبب أيضا في إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الأمريكي وألحق أضرارا بالغة بصورة الكفاءة الأمريكية.

علاوة على ذلك، على الرغم من تعهده المبكر بإعادة بناء عصب القوة الأمريكية، لم يفعل ترامب الكثير لتحسين البنية التحتية لأمريكا، كما أن سياسات الهجرة الخاصة به جعلت من الصعب على الشركات الأمريكية توظيف أفضل المواهب من الخارج. وبدلا من تشجيع الوحدة الوطنية والشعور الواسع بالاحترام الوطني لمواطنينا، أمضى سنواته الأربع في المنصب في زرع انقسامات أكبر. لقد ترأس نزيفا غير مسبوق لكبار المسؤولين في وزارة الخارجية ومؤسسات الأمن القومي الأخرى، تاركا المناصب الرئيسية إما شاغرة أو مشغولة بموظفين ذوي مؤهلات ضعيفة من الموالين له. في عالم مليء بالتحديات المعقدة، لم يكن هذا أقل من نزع للسلاح الدبلوماسي من جانب واحد.

والنتيجة النهائية ساخرة ومأساوية. كان لدى ترامب غريزة معقولة بشأن عدد من القضايا واستعداد منعش لتحدي بعض المعتقدات الراسخة ولكن المريبة. لقد كان محقا في اتهام الأوروبيين بإهمال دفاعاتهم، وكان محقا في اتهام الصين بالتخلي عن بعض التزاماتها التجارية، وكان محقا في معارضة الجهود التي لا نهاية لها لبناء دول في أراضٍ بعيدة ذات أهمية استراتيجية ضئيلة أو معدومة بالنسبة لأمريكا. وكان الدعم الشعبي لسياسة خارجية أقل طموحا وأكثر واقعية وأكثر نجاحا واسع الانتشار. ومع ذلك، لم يكن قادرا على ترجمة غرائزه إلى سياسة خارجية ناجحة. لماذا؟

لكي نكون منصفين، واجه ترامب معضلة كبيرة منذ البداية. أدت انتقاداته للسياسة الخارجية الأمريكية إلى نفور معظم النخب الموجودة -بما في ذلك العشرات من المسؤولين الجمهوريين المخضرمين- وتركته مع عدد قليل من المساعدين ذوي الخبرة للتوظيف في إدارته. توظيف أشخاص من الخارج عديمي الخبرة سيؤدي حتما إلى الكثير من أخطاء المبتدئين، كما أن تعيين الأشخاص الذين يعرفون كيفية تشغيل الأجهزة الحكومية سيمكنهم من مواصلة السياسات التي وعد بإنهائها.

كانت هذه المشكلة حادة بشكل خاص في مجال الأمن القومي، حيث كانت معرفة ترامب محدودة بشكل خاص، وهي تساعد في تفسير ردود أفعاله العشوائية لقضايا مثل الناتو وسوريا وإيران وأفغانستان.

ثانيا، كان ترامب ضعيفا في تقييم إمكانيات الأشخاص. لقد اختار مرارا كبار المسؤولين الذين إما لديهم خبرة قليلة أو معدومة في الحكومة (مثل ريكس تيلرسون وجاريد كوشنر)، أو تاريخ شخصي متقلب (مثل مايكل فلين ولاري كودلو) وذوي أفكار حمقاء للغاية (مثل بيتر نافارو وستيف بانون)، أو تاريخ طويل من الإخفاقات السياسة السابقة (مثل إليوت أبرامز وجون بولتون). وفي نهاية المطاف، لم يعد المعينون الأكثر تقليدية (مثل غاري كوهن وجيمس ماتيس وإتش آر ماكماستر) محبوبين، مما ترك سياسة الأمن الخارجي والوطني في أيدي كفاءات من الدرجة الثانية أو المتشددين مثل روبرت أوبراين أو ريتشارد غرينيل.

أثبت ترامب أيضا أنه رئيس فظ، لا يمكن التنبؤ بتحركاته، عنيف، جاحد للجميل، تمكن من حرق أربعة رؤساء أركان وأربعة مستشارين للأمن القومي في أقل من أربع سنوات. ووصف أحد الموظفين البيت الأبيض في عهد ترامب بأنه “أكثر بيئات العمل سُمية على هذا الكوكب”، وظلت معدلات التغيير داخل الإدارة عند مستويات غير مسبوقة تاريخيا طوال فترة توليه المنصب.

إن محاولة إدارة عالم معقد في خضم مثل هذه الفوضى كان من شأنه أن ينهك بسمارك أو لينكولن أو روزفلت، وكان ترامب بعيدا كل البعد عن هؤلاء الاستراتيجيين الدهاة الأذكياء.

وأخيرا وليس آخرا، استسلمت معالجة ترامب للسياسة الخارجية لعيوبه الشخصية. إن عبقريته في الترويج الذاتي وقدرته الرائعة على تحدي المعايير الحالية لم تستطع التغلب على جهله في معظم مجالات السياسة وعدم الثقة في الخبرة الحقيقية وقصر مدى الانتباه وعدم الأمانة غير القابلة للإصلاح وعدم القدرة على وضع المصلحة الوطنية قبل حاجته إلى الاهتمام والتملق.

وأثبتت الصفات التي كانت مفيدة في بعض الأحيان في حياته المهنية المتقلبة في تلفزيون الواقع وحتى أثناء الحملة الانتخابية، أنها غير مناسبة تماما لمهام الحكم، خاصة في عالم السياسة الخارجية الذي لا يرحم. ففي النهاية، حتى المزايا العديدة المتبقية لأمريكا لم تتمكن من أن تعوض عن عدم كفاءة ترامب الفطرية.

ولحسن الحظ، يبدو أن الناخبين الأمريكيين توصلوا إلى هذا الاستنتاج أيضا. ترامب هو الرئيس الوحيد الذي لم تتجاوز معدلات تأييده 50% -ولا حتى مرة واحدة- وخسر محاولته لإعادة انتخابه على الرغم من أن تشكيلة المجمع الانتخابي تجعل فوز الجمهوريين أكثر سهولة.

وفي الواقع، حقق المرشحون الجمهوريون لمقاعد مجلسي النواب والشيوخ أداء أفضل مما كان متوقعا في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بينما حصد الرجل الذي كان على رأس القائمة هزيمة ساحقة. وليس هناك من يلومه ترامب سوى نفسه، وهذا قد يكون سبب رفضه قبول ذلك.

من نواح عديدة، كانت رئاسة ترامب فرصة ضائعة. أخطأ أسلافه في إدارة اللحظة أحادية القطب، وأتيحت الفرصة لترامب لوضع السياسة الخارجية لأمريكا على أسس أسلم. لقد أوضح عامة الناس أنهم لا يريدون الانعزالية، لكنهم يريدون سياسة خارجية أكثر تحفظا ونجاحا. كان بإمكان ترامب البناء على قاعدة الدعم هذه والعمل مع حلفاء أمريكا لتحقيق توازن أفضل في التزامات البلاد.

كان بإمكانه أن يبني على الاتفاق النووي الإيراني للتحرك نحو موقف أكثر عدالة وتوازنا للقوى في الشرق الأوسط وإنهاء الحرب الأفغانية على الفور. كان بإمكانه العمل مع الاقتصادات المتقدمة الأخرى لمواجهة الصين معا والعمل على إصلاح منظمة التجارة العالمية بدلا من محاولة تدميرها.

إن التحول إلى استراتيجية كبرى أكثر واقعية، لو تم تنفيذها بشكل صحيح، كان سيحافظ على أمريكا آمنة ومزدهرة، ويحرر الموارد اللازمة لمعالجة الأولويات الملحة في الداخل. ولو تحرك ترامب في هذا الاتجاه، لكانت البلاد أفضل حالا اليوم، وما كان ليضطر إلى أن يبحث عن مكان جديد للعيش فيه في غضون ثلاثة أسابيع.

لكنها كانت أكثر من مجرد فرصة ضائعة، لأن أخطاء ترامب الفادحة جعلت أمريكا في حالة أسوأ بكثير مما كانت عليه عندما تولى منصبه.

بالنسبة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن وفريقه، فإن الأخبار السيئة هي أن لديهم قدرا هائلا من أعمال الإصلاح التي يتعين عليهم القيام بها. والنبأ السار هو أنه لن يكون من الصعب القيام بعمل أفضل من الأشخاص الذين سبقوهم.

المصدر: عربي21