كيف أبقت سنغافورة الوباء خارج جامعاتها؟

كيف أبقت سنغافورة الوباء خارج جامعاتها؟

كتبت سو لي وي تحقيقاً في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تناولت فيه كيف تمكنت سنغافورة من حماية الحرم الجامعي في جامعاتها من تفشي فيروس كورونا.

وقالت الكاتبة إن رئيس جامعة سنغافورة الوطنية يقوم كل يوم بفحص لوحة التحكم الخاصة به على الإنترنت ليرى مدى ازدحام الكافيتريات. فإذا أظهرت الخريطة أن إحدى الكافيتريات مكتظة للغاية، يرسل رئيس الجامعة، تان إنج تشاي، إداريين لنصيحة الطلاب بتجنب الكافيتيريات وتذكيرهم بأن هناك خدمات توصيل طعام يديرها الحرم الجامعي مجاناً.

وعلى خطى الحكومة، اتبعت الجامعات في سنغافورة، الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6 ملايين شخص، نهجاً من أعلى إلى أسفل لإدارة فيروس كورونا. وكانت النتيجة أنه منذ بداية الوباء العام الماضي، لم يتم اكتشاف أي حالات انتقال مجتمعية في أي من الجامعات الثلاث الكبرى في سنغافورة.

وفي حين استفادت الجامعات من العدد المنخفض للحالات بشكل عام بين سكان سنغافورة الأوسع نطاقاً، فإن خبرتها وإجراءاتها الصارمة تبدو في تناقض صارخ مع العديد من الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. فقد شهد عدد من الجامعات الأميركية انفجاراً في تفشي الحالات فور عودة الطلاب إلى الحرم الجامعي في الخريف الماضي تقريباً.

استراتيجية التصدي للوباء
وتصف جامعة سنغافورة الوطنية استراتيجيتها بأنها احتواء وإزالة الاحتقان وتتبع الاتصال. وقد استفادت الجامعة من التكنولوجيا لفرض تدابير التباعد الاجتماعي، ووضعت الطلاب في مناطق مختلفة في الحرم الجامعي وفرضت عقوبات صارمة على انتهاك القواعد. وتقول الجامعة إنها مستعدة إذا لزم الأمر لاختبار الأشخاص على نطاق واسع. وهي تقوم بالفعل بغربلة مياه الصرف الصحي بحثاً عن آثار الفيروس في المهاجع، كما فعلت بعض الكليات الأميركية.

وقال البروفيسور تان إن الهدف “هو التأكد من عدم وجود إصابات” بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين في الجامعة. وأضاف في مقابلة: “نحن ندرك جيداً أننا أمام عدد كبير من السكان يبلغ 50000 فقط في الحرم الجامعي، وكل ما نقوم به له تأثير على المجتمع الأكبر خارج الحرم الجامعي”.

وتأتي السلامة النسبية في جامعات سنغافورة الثلاث الكبرى (جامعة سنغافورة الوطنية – جامعة نانيانغ التكنولوجية – جامعة سنغافورة للإدارة) مع بعض الفروقات.

وقالت كاثلين لايو، وهي طالبة تبلغ من العمر 19 عاماً تعيش في الحرم الجامعي لجامعة سنغافورة الوطنية، إن الحفلة الوحيدة التي حضرتها العام الماضي كانت على تطبيق زووم Zoom، من أجل عيد “الهالوين”. وهي أمضت الفصل الدراسي الأول لها وهي تأكل معظم وجبات الطعام في غرفة سكنها، وهي تقوم بإحصاء عدد الأشخاص في صالة السكن قبل الدخول، والإبلاغ عن درجة حرارتها مرتين يومياً من خلال تطبيق جامعي.

وجعلت قيود تقسيم المناطق من الصعب على الطلاب الوصول إلى الخدمات المصرفية أو تناول الطعام في الكافيتريات المفضلة لديهم أو تنظيم اجتماعات جماعية، على الرغم من أنه يمكنهم مقابلة الأصدقاء والزملاء خارج الحرم الجامعي. ووقع أكثر من 800 طالب على عريضة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي لرفع القيود.

وقالت لايو: “أعتقد أنه من الصعب جداً التعايش مع ذلك. إنها فكرة مختلفة تماماً عن الكلية”.

يقول الخبراء إن أحد الأسباب الرئيسية لنجاح جامعات سنغافورة في السيطرة على الفيروس، هو الاستجابة العدوانية للوباء في المجتمع ككل. فالحكومة تقدم فحوصات مجانية ورعاية طبية لجميع المواطنين والمقيمين على المدى الطويل، كما أنها تعزل المصابين بسرعة وتتتبع مخالطيهم. ويعاقب من يتبين أنه انتهك القيود، بما في ذلك ترحيل الرعايا الأجانب وإلغاء تصاريح العمل.

وقال راجيش كريشنا بالان، الأستاذ المشارك لنظم المعلومات في جامعة سنغافورة للإدارة، “لم يحدث أي تفشٍ في الجامعات لأن الحكومة اهتمت جيداً بالسياسات”.

يوجد في سنغافورة نحو 59 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا و29 حالة وفاة، وفقاً لقاعدة بيانات “نيويورك تايمز”. وكان 93 في المئة من تلك الحالات بين العمال المهاجرين من جنوب آسيا وأماكن أخرى، حيث كانت مهاجعهم موقعاً لتفشي المرض بشكل حاد ومفاجئ للحكومة.

العامل المساعد هو تعاون الطلاب
ومنذ أن تم القضاء على تلك التفشيات في الخريف الماضي، كان معدل سنغافورة أقل من حالة واحدة منقولة محلياً كل يوم. في 28 كانون الأول/ديسمبر، بدأت البلاد مرحلتها الأخيرة من إعادة الافتتاح، على الرغم من أن العمال المهاجرين لا يزالون يعيشون في ظل قيود أقسى من بقية السكان.

ومع استمرار إعادة افتتاح الجامعات، تخطط جامعة سنغافورة للإدارة لمزيد من الفصول الدراسية وجهاً لوجه، بينما تخطط جامعة سنغافورة الوطنية لرفع قيود تقسيم المناطق. لكن الجامعات تتوخى الحذر أيضاً. وقالت جامعة نانيانغ التكنولوجية إنها ستقدم اختباراً مجانياً لجميع الطلاب العائدين إلى المساكن في هذا الفصل الدراسي.

يقول الأساتذة في سنغافورة إن هناك خيطاً رئيسياً واحداً يربط جميع الجامعات الثلاث هو عدد الطلاب المتعاونين.

وقد لاحظ تان، نائب عميد الشؤون الأكاديمية في كلية الحقوق بجامعة سنغافورة الوطنية، أن الطلاب في كلية الحقوق بجامعة هارفارد عارضوا بشدة خططاً لعقد دروس عبر الإنترنت في الخريف الماضي. في المقابل، قال إن طلابه لم ينطقوا بكلمة احتجاج. وأضاف: “في سنغافورة، أعتقد أننا محظوظون بطلاب ممتثلين إلى حد ما”.

ميزة أخرى في سنغافورة بعكس الولايات المتحدة هي أن معظم الطلاب لا يعيشون في الحرم الجامعي. ويجب على أولئك الذين يعيشون فيه الالتزام بمزيد من القيود، مثل القيود المفروضة على عدد زوار مهاجعهم. ولا توجد في سنغافورة كذلك أخويات وجمعيات نسائية، فقد استضافت هذه الأخويات في الجامعات الأميركية مئات الحفلات التي أدت إلى تفشي المرض بشكل كبير.

وقال ديل فيشر، الأستاذ في جامعة سنغافورة الوطنية: “لن ترى 500 شخص في حفلة بها موسيقى صاخبة ويشربون الخمر في سنغافورة. قد لا يحدث حتى في الأوقات العادية”.

وقالت أوليفيا ليم، وهي طالبة جامعية في جامعة نانيانغ التكنولوجية، إنها وزملاءها في الفصل شعروا بالحيرة من التقارير حول احتفال طلاب جامعيين أميركيين وسط الجائحة. وأضافت: “قلنا جميعاً: لماذا يخاطرون بأنفسهم للقيام بمثل هذا الشيء؟ من الصعب بعض الشيء تصديق ذلك لأننا من أعمار متشابهة، لكنني أعتقد أنها ثقافة. الكل يبحثون عن الحرية، ولكن عندما تقول الحكومة هنا ارتدوا أقنعة، فإننا جميعاً نفعل ذلك”.

يقول الطلاب في سنغافورة إنهم يمتثلون للقواعد بسبب التهديد بالعقاب. فقد تم طرد بعض زملائهم في الفصل من المهاجع لاستضافة الزوار.

وقال فوك ثينغ فونغ، 24 عاماً، وهو طالب حقوق: “العواقب وخيمة، لذلك الطلاب خائفون”.

في حرم جامعة سنغافورة الوطنية، وهو يضم العديد من المطاعم والمقاهي، قال الطلاب إنه من الواضح أن العديد منهم جاؤوا من مناطق أخرى من دون إذن. اعترف العديد بأنهم لم يبلغوا بأمانة عن درجات الحرارة.

اعتماد كبير على التكنولوجيا
للسيطرة على حشود الحرم الجامعي، اعتمدت الجامعات بشكل كبير على التكنولوجيا. لقد بدأت الربيع الماضي بمشروع استخدم شبكات الواي فاي العامة لجمع بيانات الموقع من الهواتف المحمولة للأشخاص. وبدأ تطبيقه في نيسان/أبريل كوسيلة لرصد الحشود قدر الإمكان وبأقل قدر من الإزعاج.

وقال البروفيسور تشي إن الأهم من التكنولوجيا هو الموقف السائد بين الطلاب من أن الصالح الجماعي مهم. وأضاف: “ليس لدينا نهج التشدد. يجب أن تكون لدينا الحرية مثل الغرب. والتكنولوجيا تدعم المهمة، لكنها غير مجدية إذا لم يكن لدى الناس تلك الروح والثقافة لتطبيقها”.

وقال العديد من الطلاب إنهم تحملوا القيود لأنهم أدركوا الحاجة إلى حماية الصحة العامة.

وقالت فالنسيا ماجي كاندرا، وهي طالبة تبلغ من العمر 20 عاماً عادت إلى سنغافورة في أيلول/سبتمبر من موطنها إندونيسيا، إنها “شعرت بالتأكيد باختلاف” في مواقف الناس. وأشارت إلى أنها كانت تدرس بمفردها في صالة المهجع في تشرين الثاني/نوفمبر عندما جاء حارس أمن وطلب منها ارتداء قناعها. فامتثلت بسهولة. وأضافت: “كل شخص مسؤول اجتماعياً بنسب متفاوتة. لكن على الرغم من عدم اتباع القواعد بنسبة 100٪، فلا يزال الجميع يحترمها”.

ترجمة بتصرف: د. هيثم مزاحم – عن الميادين نت