كيف أخرجت إسرائيل مصر من المعادلة الاستراتيجية للصراع

كيف أخرجت إسرائيل مصر من المعادلة الاستراتيجية للصراع

بقلم: دان شيفتان – مدير برنامج الأمن الدولي في جامعة حيفا، ومحاضر في جامعة تل أبيب |

النقاش بشأن حرب يوم الغفران [حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973] وتداعياتها يتضمن منظوراً له أهمية حاسمة تضع الحرب ضمن سياق تاريخي واسع. هذا المنظور يسمح أيضاً بإعادة فحص النصر الذي أصبح شديد التعقيد في العصر الجديد، حيث لا تنتهي الحروب في ملجأ في برلين، أو على متن سفينة في مرفأ طوكيو. فقد وجدت إسرائيل نفسها في منتصف الخمسينيات أمام أخطر تحدّ لوجودها منذ حرب 1948، وبعد ربع قرن على هذه الحرب استطاعت إنهاء هذا الفصل من تاريخها بانتصار مطلق وتحقيق 100% من الهدف الاستراتيجي الإقليمي الحاسم في تاريخها…
التهديد الوجودي الذي كان يحيق بالمشروع الصهيوني منذ بدايته كان تجنيد موارد كل الدول العربية، حتى قبل أن تنال الاستقلال الكامل، من أجل صراع منسق ومشترك هدفه منع قيام الدولة اليهودية، وتوجيهه منذ لحظة قيامها نحو تقزيمها والقضاء عليها. في حرب 1948 نجح ديفيد بن غوريون، بدعم من الزعامة الصهيونية، في تقويض التضامن العربي.
……

منذ سنة 1949 كان هدف إسرائيل على الصعيد الاستراتيجي مأسسة النتائج السيادية والديموغرافية والإقليمية لحرب 1948: تسليم العرب بوجودها، ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتأمين الشرعية لإدخال الأراضي الواقعة بين حدود التقسيم إلى “الخط الأخضر”. لكن الكابوس بقي على حاله: تجنيد كل الموارد العربية الهائلة للعرب – السياسية والعسكرية والاقتصادية، للصراع ضدها. وعاد هذا بقوة مرة أُخرى مع بروز الطاقة المسيانية التي تجسدت في الزعامة الكاريزماتية للرئيس المصري جمال عبد الناصر.
كل حروب إسرائيل منذ أواسط الخمسينيات – عملية قادش [العدوان الثلاثي على مصر1956]، وحرب الأيام الستة [حرب حزيران/يونيو 1967]، وحرب الاستنزاف، وحرب يوم الغفران – والصراعات السياسية الأساسية تركزت على تأمين هذا الهدف الاستراتيجي. الأداة الأساسية والاختبار الحاسم لنجاح هذا الهدف الأهم من أي شيء آخر هو إجبار مصر على الخروج بتسوية منفردة من الصراع النشط ضد إسرائيل. وكان لمصر أهمية كبيرة نظراً إلى كونها الدولة العربية الأقوى والأكثر استقراراً، والوحيدة التي تقدر زعامتها على تجنيد الموارد العربية. منذ اللحظة التي تخلصت فيها إسرائيل من التهديد المصري، كانت قادرة على تحويل مواردها ضد أعدائها المنقسمين، والأكثر ضعفاً، وردعهم عن مواجهة شاملة والتغلب عليهم إذا اختاروا محاربتها.
بالإضافة إلى مواردها ومكانتها الطليعية، كانت مصر مهمة بسبب زعامة عبد الناصر المسيانية. ففي تاريخ العرب الحديث هو لم ينجح فقط في تأجيج مشاعر العرب “من المحيط إلى الخليج”، وفي الحصول على تأييد “الشارع” السياسي والنخب في كل المنطقة، وتشجيع الثورات التي أدت إلى وصول مَن يشبهونه وأفكاره إلى السلطة، بل نجح أيضاً في إخضاع أعدائه لمشيئته، خوفاً من غضبه ومن “ذراعه” الطويلة.
كانت المحاولة الأولى في عملية “قادش” في سنة 1956. صفقة “السلاح التشيكي” التي زودت مصر بكميات غير مسبوقة من السلاح الحديث، بالإضافة إلى التأييد السوفياتي واستعداد الولايات المتحدة لترك إسرائيل من دون دعم مقابل، والذي أدى إلى حرب استباقية بمشاركة بريطانيا وفرنسا هدفت إلى كسر عبد الناصر وإذلاله. الفشل الذريع في تحقيق هذا الهدف بسبب قصر نظر الرئيس الأميركي أيزنهاور ترافق، كما تبين لاحقاً، مع هدف موازٍ خلق واقعاً معقداً: من جهة، أدت السياسة الأميركية الخطأ إلى صعود هائل في شعبية عبد الناصر لم يعرف مثلها من قبل، وساهمت في زعزعة وسقوط الأنظمة الموالية للغرب، وعززت الراديكالية، وعمقت نفوذ الاتحاد السوفياتي في المنطقة، ومن جهة أُخرى الحرب والتعاظم المستمر في قوة إسرائيل أكدا لعبد الناصر إصرارها، وقدرة إسرائيل على الصمود ردعته عن خوض مواجهة شاملة، وحولته إلى طرف كابح في وجه الأطراف الراديكالية بزعامة سورية.
كل ذلك، بالإضافة إلى التغير الإيجابي في السياسة الأميركية في عهد الرئيس ليندون جونسون، منح إسرائيل عقداً من الزمن من دون حرب، حولت خلاله كتلتها البشرية إلى شعب فاعل، وأرست الأسس لخروجها من “العالم الثالث”. عملية مأسسة إنجازات إسرائيل في سنة 1949 اجتازت المرحلة الصعبة الأولى بعد مرور أقل من عقدين بفضل امتناع العرب من خوض الحرب…
حرب الأيام الستة فاجأت مَن صاغ الآلية التي أدت إلى نشوبها. فبعد أعوام من الكبح المسؤول والإحباط فقد عبد الناصر السيطرة على آلية الحماسة الجماهيرية التي غذّت قوته وتوقه إلى الزعامة، وأدت إلى جر المنطقة كلها إلى حرب أسفرت نتائجها عن تقويض عميق لرسالته المسيانية…
من المهم فهم نتائج الصراع بين إسرائيل وأعدائها في مرحلة ما بعد 1967: على الصعيد الاستراتيجي، كان هدف إسرائيل أن تفرض على مصر اتفاقاً منفرداً، أساسه “1967 مقابل 1948″، أي التنازل عن الإنجاز الإقليمي في حرب الأيام الستة في سيناء مقابل الحصول على شرعية مصرية لإنجازات إسرائيل في حرب 1948. ضمن هذا الإطار، كان على مصر الخروج من دائرة الحرب مع إسرائيل وإقامة منطقة منزوعة السلاح تجعل من الصعب مشاركتها فجأة في حرب كهذه، من دون علاقة بمطالب وخطوات سائر الدول العربية والفلسطينيين. في إمكان مصر الإعراب عن تضامنها مع مطالبهم وانتقاد إسرائيل بشدة لعدم تلبيتها هذه المطالب، لكن عدم المشاركة بصورة كبيرة في نضالهم.
منذ نهاية الحرب في سنة 1967 فهمت مصر أن إسرائيل تقترح عليها هذه الخطة ورفضتها لأنها عرفت أن قبولها سيُلحق هزيمة بالحركة المسيانية الناصرية والآمال المعقودة عليها. أدرك عبد الناصر ومناصروه أن القبول معناه عجز عربي شامل، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضاً يعني انسحاب مصر من قيادة النضال وعدم وجود بديل من زعامتها…
كان الهدف من حرب الاستنزاف في الأساس إجبار الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل في ظل التهديد بحدوث مواجهة بين القوى العظمى، وانتهت ضمن هذا الإطار بفشل كامل وبتكلفة لا تُحتمل بالنسبة إلى مصر. حرب يوم الغفران، التي كانت المعركة الأخيرة في “حروب السبع سنوات 1967-1973″، أدت إلى نتيجة معقدة: من جهة، الموقف التفاوضي الإسرائيلي تضرر موقتاً بصورة كبيرة؛ ومن جهة أُخرى، قبل نشوب الحرب وفي الخطوات التي أعقبتها، وفي مواجهة نتائجها، برزت شروط اتفاق سلام وقّعته مصر في سنة 1979 حقق الهدف الإسرائيلي على الصعيد الاستراتيجي بالكامل: “1967 مقابل 1948” وإخراج مصر من المعادلة الاستراتيجية في الصراع العربي ضد إسرائيل.
……

اتفاق السلام في سنة 1979 حقق لإسرائيل الهدف القومي على المستوى الاستراتيجي بنسبة 100%: اتفاقية سلام منفرد جرى اختبارها أكثر من 40 عاماً ووضعت حداً للحرب مع مصر، وأيضاً احتمال نشوب حرب شاملة. عمليات الجيش الإسرائيلي الواسعة نسبياً التي يُطلق عليها أحياناً اسم “حرب” هي مسألة مختلفة تماماً من ناحية التهديد لإسرائيل والخطورة الدولية.
الاتفاق المنفرد أدى إلى التخلي عن الفلسطينيين، ومنع سورية من خوض الحرب، وصمد لدى احتلال عاصمة عربية (بيروت)، ولدى تدمير المفاعل النووي في العراق، وفي سورية، والهجمات الجوية على دول عربية (من العراق، وصولاً إلى السودان)، وعنما جرى سحق الفلسطينيين في الانتفاضة الثانية. وبعد نجاح الاتفاق وصموده، وبالإضافة إلى الشراكة المصرية – الإسرائيلية في محاربة الإرهاب في سيناء ، نشأ في الأعوام الأخيرة الشرط الضروري لاستبدال النزاع بين إسرائيل والعرب بائتلاف أمر واقع بين إسرائيل وأغلبية الدول العربية ضد إيران وتركيا والإخوان المسلمين. في هذا الواقع الجديد لم يعد مطلوباً من الولايات المتحدة الاختيار بين العرب وبين إسرائيل لأن أغلبيتهم أصبحت في الجانب نفسه.
هكذا يبدو النصر في منظور “حرب السنوات السبع” (ما بين 1967-1973)، أو “حرب ربع القرن” (منذ صعود عبد الناصر إلى السلطة وحتى حرب الغفران) بعد أن مر اتفاق السلام بسلسلة طويلة من الاختبارات الحاسمة. وبعد مرور نحو 50 عاماً على الحرب الأخيرة مع مصر، أصبحت إسرائيل دولة إقليمية عظمى مزدهرة، وسورية دولة مدمَّرة، ومصر أمام حائط مسدود من ناحية قدرتها على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وتدرك جيداً علاقات القوة مع إسرائيل.

المصدر: صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية.