مؤرخ: لن تكون نهاية الإمبراطورية الأميركية سلمية

مؤرخ: لن تكون نهاية الإمبراطورية الأميركية سلمية

شجون عربية – نشر مؤرخ ومؤلف كتب اسكتلندي، يدعى نايل فيرغسون، مقالا في مجلة “إيكونوميست” البريطانية، تناول فيها الأسباب التي يعتقد من خلالها أن “نهاية الإمبراطورية الأمريكية” لن تكون سلمية، بحسب تقديره.

واستعرض فيرغسون في مقاله الذي ترجمته “عربي21” أبرز الأسباب التي جعلته يعتقد بذلك، متطرقا إلى هزيمة أمريكا في أفغانستان، وحربها مع الصين.

وتاليا النص الكامل للمقال:

“ظلت الجماهير غارقة في الجهل، أما قادتهم الذين لا يهمهم إلا كسب الأصوات، فلم يبذلوا أي جهد لتخليصهم من الأوهام”. هذا ما كتبه ونستون تشرشل عن المنتصرين في الحرب العالمية الأولى في كتاب “العاصفة الوشيكة”. أشار رئيس وزراء بريطانيا السابق بمرارة إلى “عدم التطرق للقضايا الحساسة وانتشار الشعبوية، وتغليب المصالح الانتخابية وإهمال المصالح الحيوية للدولة”.

قد يجد المواطن الأمريكي الذي يتابع الخروج المذل لقوات بلاده من أفغانستان، ويستمع إلى محاولات الرئيس جو بايدن لتبرير الفوضى التي أحدثها الانسحاب الأمريكي، أن بعض انتقادات تشرشل للحكومة البريطانية في فترة ما بين الحربين تنطبق تماما على الوضع الحالي في الولايات المتحدة.

كانت الحالة الذهنية للبريطانيين في تلك الفترة نتاج مزيج من المشاكل القومية و”المشاكل الإمبراطورية”، على حد تعبير بول كينيدي، المؤرخ في جامعة ييل. منذ سنة 1914، عانت بريطانيا من حرب عالمية، ثم أزمة مالية بين سنتي 1918 و1919، بالإضافة إلى ظهور الإنفلونزا الإسبانية.

تكدّست جبال من الديون في البلاد، ورغم أن العملة البريطانية بقيت مهيمنة عالميا، إلا أن هذا الدور بدأ يتقلص. ألهمت الفوارق الاجتماعية السياسيين اليساريين للمطالبة بإعادة توزيع الثروات، وفي بعض الأحيان المطالبة بتطبيق الاشتراكية الصريحة، وذهبت نسبة كبيرة من المثقفين إلى أبعد من ذلك، ودعت إلى تطبيق الشيوعية أو الفاشية.

في غضون ذلك، تجاهلت الطبقة السياسية الحاكمة تطورات الوضع الدولي. كانت الهيمنة البريطانية العالمية مهددة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، واقتربت عصبة الأمم، التي تأسست سنة 1920 كجزء من التسوية الدولية بعد الحرب، من الانهيار، ولم يتبق سوى هامش ضئيل من التحالفات للحفاظ على موارد الإمبراطورية. كانت النتيجة فشلا كارثيّا في اكتشاف حجم التهديدات، وفي حشد الوسائل لمعالجة الوضع المتدهور والوقوف في وجه الأنظمة الراديكالية الصاعدة.

هل تساعدنا تجربة بريطانيا على فهم مستقبل الإمبراطورية الأمريكية؟ يفضل الأمريكيون استخلاص الدروس من تاريخ الولايات المتحدة، ولكن قد يكون من المفيد إجراء مقارنة مع الإمبراطورية البريطانية، باعتبارها قوة عالمية سابقة ناطقة بالإنجليزية؛ لأن أمريكا اليوم تشبه بريطانيا في فترة ما بين الحربين من نواح كثيرة.

على غرار كل هذه المقارنات التاريخية، لا تعتبر الحالتان متطابقتين تماما. ليس للعدد الهائل من المستعمرات التي حكمتها بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي نظير أمريكي حقيقي اليوم. يمكن للأمريكيين أن يطمئنوا أنفسهم لأنهم لم يبنوا إمبراطورية، حتى عند سحب جنودهم ومواطنيهم من أفغانستان بعد 20 سنة من وجودهم على تلك الأرض.

رغم ارتفاع معدل الوفيات بسبب كوفيد-19، فإن أمريكا لا تعيش وضعا مماثلا لما عانته بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، عندما قتلت أعدادا كبيرة من الشباب البريطاني (توفي ما يناهز 900 ألف شاب، أي حوالي 6 بالمئة من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و49 سنة، بالإضافة إلى 1.7 مليون جريح).

كذلك لا تواجه أمريكا تهديدا واضحا على غرار التهديد النازي الذي واجهته بريطانيا، لكن أوجه التشابه ملفتة للنظر وتتجاوز فشل كلا البلدين في فرض سيطرتهما على أفغانستان. (أشارت مجلة ذي إيكونوميست في شباط/ فبراير 1930، أنه بعد أن أدت جهود التحديث السابقة لأوانها إلى اندلاع ثورة، لن يكون هناك أي وجود غربي في أفغانستان).

خلال العقود الماضية، كُتبت العديد من المؤلفات والمقالات التي تتنبأ بالتراجع الأمريكي، إلى درجة أصبح فيها الموضوع مستهلكا إلى درجة الاجترار. لكن تجربة بريطانيا بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي، تذكّر بمصير أسوأ من التدهور الهادئ والتدريجي.

التدهور الاقتصادي

ارتفع الدين العام لبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى من 109 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 1918، إلى ما يناهز 200 بالمئة سنة 1934. تختلف الديون الفيدرالية الأمريكية من نواحٍ كثيرة عن ديون بريطانيا في تلك الفترة، لكنها قابلة للمقارنة من حيث المبالغ. سيصل حجم الديون الحكومية إلى ما يقرب من 110 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هذه السنة، أي أعلى من ذروته السابقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة. ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الدين يمكن أن يتجاوز عتبة 200 بالمئة بحلول سنة 2051.

هناك فرق مهم بين الولايات المتحدة اليوم والمملكة المتحدة قبل حوالي قرن من الزمان، وهو أن متوسط استحقاق الدين الفيدرالي الأمريكي قصير جدا (65 شهرا)، في حين أن أكثر من 40 بالمئة من الدين العام البريطاني اتخذ شكل سندات دائمة أو معاشات. هذا يعني أن الدين الأمريكي اليوم أكثر ارتباطا بتقلبات أسعار الفائدة مقارنة بالدين البريطاني.

ويتمثل الاختلاف الرئيسي الآخر في التحول الكبير الذي حدث في النظريات المالية والنقدية، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الانتقادات التي وجهها جون ماينارد كينز لسياسات بريطانيا في فترة ما بين الحربين.

سنة 1925، أدى قرار الحكومة البريطانية إعادة معيار الذهب مقابل الإسترليني ليصبح عند معدلات ما قبل الحرب، إلى ثماني سنوات من الانكماش في الاقتصاد البريطاني. كما أدت القوة المتزايدة للنقابات العمالية إلى تأخر تخفيضات الأجور خلال فترة الكساد، وساهم ذلك في فقدان الكثير من الوظائف.

بلغت معدلات البطالة ذروتها سنة 1932، حين وصلت إلى 15 بالمئة. ومع ذلك، اعتُبر كساد بريطانيا معتدلا لأسباب، منها أن التخلي عن معيار الذهب سنة 1931 سمح بتيسير السياسة النقدية. وأدى انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية إلى انخفاض عبء خدمة الدين، وخَلَقَ هامشا جديدا للمناورة.

حاليا، يبدو أنّ التخفيض في تكاليف خدمة الديون ليس خيارا مطروحا بالنسبة لأمريكا في السنوات القادمة. ومنذ فترة، تنبأ الخبراء الاقتصاديون، وفي مقدمتهم وزير الخزانة السابق، لورانس سامرز، بمخاطر التضخم. انخفضت أسعار الفائدة الحقيقية بشكل عام في بريطانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، لكن في أمريكا، من المتوقع أن تتحول إلى نسبة إيجابية اعتبارا من سنة 2027، وترتفع بثبات لتصل إلى 2.5 بالمئة بحلول منتصف القرن.

صحيح أنّ توقعات ارتفاع أسعار الفائدة كانت خاطئة من قبل، كما أنّ الاحتياطي الفيدرالي لا يتعجّل في تشديد السياسات النقدية، ولكن إذا ارتفعت المعدلات، فإن خدمة الديون الأمريكية ستكون أكثر تكلفة، مما يؤدي إلى الضغط على أجزاء أخرى من الميزانية الفيدرالية، وخاصة النفقات التقديرية، على غرار ميزانية وزارة الدفاع.

هذا يقودنا إلى جوهر الموضوع. كان هاجس تشرشل الأكبر في ثلاثينيات القرن الماضي هو أن الحكومة كانت تماطل بدلا من إعادة التسلح بقوة؛ ردا على السلوك العدواني المتزايد لهتلر وموسوليني والحكومة العسكرية في اليابان. كانت إحدى الحجج الرئيسية للفريق الذي تبنى سياسة عدم المواجهة، هي أن الضغوط المالية والاقتصادية – ومنها التكلفة العالية لإدارة إمبراطورية ممتدة من فيجي إلى غامبيا ومن غيانا إلى فانكوفر- تجعل من خيار إعادة التسلح السريع أمرا مستحيلا.

قد يبدو من غير المنطقي أن نقول إن أمريكا تواجه اليوم تهديدات مماثلة -من الصين وغيرها-، ومع ذلك، فإن مجرد التفكير في أن احتمالات المواجهة غير مطروحة أساسا، يكفي لتوضيح هذه النقطة. غالبية الأمريكيين حاليا، مثل غالبية البريطانيين في فترة ما بين الحربين، لا يريدون ببساطة التفكير في إمكانية شن حرب كبرى ضد نظام استبدادي أو عدة أنظمة.

هذا ما يفسر الذعر الذي قد يسببه الانخفاض المتوقع في حجم ميزانية الدفاع الأمريكية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، من 3.4 بالمئة سنة 2020، إلى 2.5 بالمئة في سنة 2031، بالنسبة لمن يحاولون استقراء المستقبل، مثلما فعل تشرشل. يمكن لمن ينظرون إلى الأمور من هذه الزاوية أن يتوقعوا الكثير من الانتقادات، وحتى الاتهامات بالترويج للحرب، تماما مثلما حصل مع تشرشل.

القوة نسبية

يمثل التقهقر النسبي مقارنة بالدول الأخرى نقطة تشابه إضافية. وفقا لتقديرات المؤرخ الاقتصادي أنجوس ماديسون، فإن الناتج المحلي البريطاني بحلول ثلاثينيات القرن الماضي، كانت قد تجاوزته أمريكا (في وقت مبكر من سنة 1872)، وألمانيا (سنة 1898، ومرة أخرى سنة 1935 بعد سنوات الحرب العالمية الأولى والتضخم المفرط) والاتحاد السوفيتي (سنة 1930).

صحيح أن اقتصاد الإمبراطورية البريطانية ككل كان أكبر من اقتصاد المملكة المتحدة، خاصة إذا تم تضمين دول دومينيون -، وربما ضعف حجم اقتصاد أمريكا. لكن الاقتصاد الأمريكي بلغ أكثر من ضعف حجم اقتصاد المملكة، رغم تأثير الكساد الكبير في الولايات المتحدة.

تواجه أمريكا اليوم مشكلة مماثلة، وهي التراجع النسبي في الناتج المحلي، وقد بلغت وتيرة الناتج المحلي الإجمالي للصين مثيلتها في الولايات المتحدة منذ سنة 2014. وعلى أساس قيمة الدولار الحالي، لا يزال الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد في العالم، لكن من المتوقع أن تضيق الفجوة خلال الفترة القادمة. هذه السنة سيكون الناتج المحلي الإجمالي للصين بالدولار حوالي 75 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا، وبحلول سنة 2026 سيبلغ 89 بالمئة.

لا يخفى أن الصين تشكل تحديا اقتصاديا للولايات المتحدة أكبر مما كان عليه الاتحاد السوفيتي من قبل، حيث لم يتجاوز الاقتصاد السوفيتي في ذروته 44 بالمئة من حجم الاقتصاد الأمريكي خلال الحرب الباردة. كما أنه ليس سرا أن الصين تسعى إلى اللحاق بأمريكا في العديد من المجالات التكنولوجية، بدءا من تطبيقات الأمن القومي، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية. كما أن طموحات الرئيس الصيني شي جين بينغ معروفة جيدا، حيث يعادي بوضوح الحريات الفردية وسيادة القانون والديمقراطية.

توترت العلاقات الأمريكية الصينية بشكل ملحوظ في السنوات الخمس الماضية، لكن لا يبدو أن ذلك أدى إلى إجراءات فعالة لمواجهة التهديد العسكري الصيني. إذا غزت بكين تايوان، فمن المحتمل أن يردد معظم الأمريكيين ما قاله رئيس الوزراء البريطاني، نيفيل تشامبرلين، الذي وصف المحاولة الألمانية لتقسيم تشيكوسلوفاكيا سنة 1938 بأنه “صراع في بلد بعيد، بين أناس لا نعرف عنهم شيئا”.

إحدى أبرز مؤشرات الضعف البريطاني في فترة بين الحربين، هو تمرد النخبة المثقفة ضد الإمبراطورية وضد القيم البريطانية التقليدية بشكل عام. في هذا الشأن، يتذكر تشرشل باشمئزاز ما قيل في اتحاد أكسفورد سنة 1933: “هذا المجلس يرفض القتال من أجل ملكه وبلده”.

وأشار تشرشل حينها إلى أنه “كان من السهل أن نضحك على حادثة كهذه داخل إنجلترا، إلا أنه في ألمانيا أو روسيا أو إيطاليا أو اليابان، ترسخت فكرة عميقة بأن بريطانيا دولة ضعيفة ومنحلة، مما أثر على العديد من القرارات”. ولا شك أن ذلك يشبه بالضبط الطريقة التي ينظر بها عدد الدبلوماسيين والمثقفين القوميين الصينيين إلى الولايات المتحدة اليوم.

كان لدى النازيين والفاشيين والشيوعيين على حد سواء سبب وجيه للاعتقاد بأن البريطانيين أصبحوا في مرحلة متقدمة من الضعف. في مقاله “إطلاق النار على فيل”، كتب جورج أورويل عن تجربته كشرطي استعماري: “لم أكن حتى على علم بأن الإمبراطورية البريطانية تحتضر”، وكان يعتقد بأن بريطانيا في حال “أفضل بكثير من الإمبراطوريات الشابة”.

اعتنق كثيرون – على عكس أورويل – الشيوعية السوفيتية، مما أدى إلى نتائج كارثية على الاستخبارات الغربية. وانجذب عدد مذهل من أبناء النخبة الأرستقراطية إلى أفكار هتلر. حتى قراء ديلي إكسبريس أبدوا ميلا للسخرية من الإمبراطورية بقدر أكبر من الاحتفاء بها.

نهاية الإمبراطوريات

قد لا تتجسد الإمبراطورية الأمريكية كمجموعة من المستعمرات والمحميات على غرار بريطانيا، لكن الرغبة في الهيمنة الدولية والتكاليف المرتبطة بالتوسع في أنحاء العالم متشابه بين الإمبراطوريتين. حاليا، يسخر كل من اليسار واليمين الأمريكيين من فكرة المشروع الإمبراطوري، ويوجهون لها الانتقادات على نحو روتيني. على سبيل المثال، قال الصحفي توم إنغلهارت في مقال نشرته مجلة “ذا نيشن”؛ إن “الإمبراطورية الأمريكية تنهار”.

ويتساءل الخبير الاقتصادي اليميني تايلر كوين ساخرا: “كيف يمكن أن يبدو سقوط الإمبراطورية الأمريكية”. ويرى كورنيل ويست، الفيلسوف الأمريكي الأفريقي التقدمي، أن “حركة حياة السود مهمة والحرب ضد الإمبراطورية الأمريكية وجهان لعملة واحدة”. وقد وصف النائبان الجمهوريان المؤيدان لترامب، ريان جيمس غيردوسكي وهارلان هيل، الجائحة بـ “أحدث مثال على أن الإمبراطورية الأمريكية لا تلبس ثيابا”.

لا يزال اليمين يدافع عن التصور التقليدي لأسباب قيام الجمهورية – وهو رفض الحكم الاستعماري البريطاني – ويرفض محاولات اليسار “الواعية” لإعادة صياغة التاريخ الأمريكي على أنه قصة بدأت بالعبودية ثم انتقلت للفصل العنصري. لكن قلة من المفكرين السياسيين من الجانبين، مازالت تفتخر بعصر الهيمنة العالمية الذي بدأ في أربعينيات القرن الماضي.

باختصار، على غرار البريطانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد الأمريكيون في عشرينيات القرن الحالي حب الإمبراطورية، وهي حقيقة لاحظها المراقبون الصينيون واحتفوا بها كثيرا.

رغم كل ذلك، مازالت الإمبراطورية الأمريكية باقية. في الواقع، لا تحكم أمريكا سوى عدد قليل من المستعمرات، وهي: بورتوريكو وجزر فيرجن الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي، وغوام وجزر ماريانا الشمالية في شمال المحيط الهادئ، وساموا الأمريكية في جنوب المحيط الهادئ، وهو ما لا يُقارن بما كانت تحكمه بريطانيا، لكن الوجود العسكري الأمريكي عالميا لا يقل عن انتشار القوات البريطانية في أنحاء العالم في أثناء ذروة توسعها الإمبراطوري. تنتشر القوات المسلحة الأمريكية في أكثر من 150 دولة، ويبلغ عدد الجنود خارج حدود الولايات المتحدة حوالي 200 ألف جندي.

لم يكن الحصول على مثل هذا النفوذ العالمي بالأمر السهل، لكن من الوهم الاعتقاد بأن التخلص منه سيتطلب جهدا أقل. هذا هو الدرس المستفاد من التاريخ البريطاني الذي يحتاج الأمريكيون إلى أن يهتموا به بشكل أكبر. كان القرار غير الحكيم الذي اتخذه الرئيس جو بايدن بـ”الانسحاب النهائي” من أفغانستان أحدث إشارة من رئيس أمريكي بأن بلاده تريد تقليص التزاماتها الخارجية.

برزت أولى الإشارات عندما قرر باراك أوباما الانسحاب من العراق بشكل متسرع، وأعلن سنة 2013 أن “أمريكا ليست شرطي العالم”. وكانت عقيدة “أمريكا أولا” خلال رئاسة دونالد ترامب نسخة شعبوية قائمة على التصور نفسه: أراد هو الآخر بشدة الخروج من أفغانستان وتعويض سياسة مكافحة التمرد بفرض التعريفات الجمركية.

لكن المشكلة التي توضحها كارثة الانسحاب من أفغانستان، هو أن التراجع عن الهيمنة العالمية، نادرا ما يكون عملية سلمية. بغض النظر عما قد تروج له الولايات المتحدة، فإن الإعلان عن نهاية الحرب الأطول في تاريخ البلاد دون أي مكاسب، هو اعتراف صريح بالهزيمة، في نظر كل العالم، وليس فقط في نظر حركة طالبان.

تراقب الصين تحركات أمريكا عن كثب، حيث تشترك بحدود برية مع أفغانستان. كما تنظر روسيا لما يحدث بكثير من التشفي، ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتدخل روسيا عسكريا في أوكرانيا وسوريا بعد أشهر قليلة من تخلي أوباما عن مسؤوليات حفظ الأمن في العالم.

إن اعتقاد بايدن (الذي أكده لريتشارد هولبروك سنة 2010) بأنه يمكن مغادرة أفغانستان تماما كما غادر ريتشارد نيكسون فيتنام، دون عواقب وخيمة، ليس إلا قراءة خاطئة لدروس التاريخ. كان لإذلال أمريكا في الهند الصينية عواقب وخيمة، مثل تشجيع الاتحاد السوفيتي وحلفائه على التدخل في مناطق أخرى، بما في ذلك جنوب وشرق أفريقيا وأمريكا الوسطى، وأفغانستان التي تعرضت للغزو سنة 1979. يدل ذلك على أن سقوط كابول سيكون له آثار سلبية مماثلة لما حدث عند سقوط سايغون.

لم يكن من الصعب توقع نهاية الإمبراطورية الأمريكية، حتى في ذروة غطرسة المحافظين الجدد بعد غزو العراق سنة 2003. وكما توقعت في كتاب “الصنم: صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية” الذي نُشر سنة 2004، فقد كان هناك ما لا يقل عن أربع نقاط ضعف أساسية في مكانة أمريكا العالمية في ذلك الوقت، هي:

– نقص في القوى البشرية (قلة من الأمريكيين لديهم الرغبة في قضاء فترات طويلة من الوقت في أماكن مثل أفغانستان والعراق).

– عجز مالي (انظر أعلاه).

– نقص الاهتمام (ميل الناخبين إلى عدم الاهتمام بأي تدخل واسع النطاق بعد ما يقرب من أربع سنوات).

– عجز عن قراءة التاريخ (عدم اهتمام صانعي السياسات بدروس التاريخ، سواء التاريخ الأمريكي أو العالمي).

يكمن أحد الاختلافات الأخرى بين الإمبراطوريتين الأمريكية والبريطانية -الذي يعد من عدة نواح أكثر عمقا من العجز المالي-، في صافي وضع الاستثمار الدولي السلبي للولايات المتحدة، حيث يقل عن سالب 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. عندما يكون صافي وضع الاستثمار الدولي سلبيا، فإن ذلك يعني أن الملكية الأجنبية للأصول الأمريكية تتجاوز الملكية الأمريكية للأصول الأجنبية.

على النقيض من ذلك، تمتعت بريطانيا بصافي إيجابي بنسب مرتفعة للغاية خلال فترة ما بين الحربين، على الرغم من مبالغ الأصول الخارجية التي تم تصفيتها لتمويل الحرب العالمية الأولى. في الفترة المتراوحة بين 1922 و1936، كانت نسب وضع الاستثمار الدولي أعلى من 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها انخفضت إلى نسبة 3 بالمئة بحلول سنة 1947.

كان بيع عملات الفضة الإمبراطورية المتبقية (أو على وجه الدقة، إلزام المستثمرين البريطانيين ببيع الأصول الخارجية وتسليم الدولارات)، إحدى الطرق التي دفعت بها بريطانيا ثمن الحرب العالمية الثانية. أما أمريكا، الإمبراطورية الدائنة، فليس لديها مخبأ مالي لتمويل عملياتها القادمة. لا تستطيع أمريكا دفع تكلفة الحفاظ على مركزها المهيمن عالميا، إلا من خلال بيع المزيد من ديونها الحكومية للأجانب، وهذا أساس غير مستقر للحفاظ على النفوذ العالمي.

عواصف جديدة

كان تشرشل يرى أنه بالإمكان تجنب الحرب إذا اتخذت الديمقراطيات الغربية إجراءات أكثر حسما في مطلع الثلاثينيات. عندما سأله الرئيس فرانكلين روزفلت عن الاسم الذي يجب أن يُطلق على الحرب، أجابه فورا: “الحرب غير الضرورية”.

على المنوال نفسه، لا يوجد شيء محتوم بشأن صعود الصين، ناهيك عن صعود روسيا، خاصة أن الدول الأصغر المتحالفة معهما تعد دولا فاشلة اقتصاديا، بما في ذلك كوريا الشمالية وفنزويلا. بالإضافة إلى ذلك، تشهد الصين شيخوخة ديموغرافية متسارعة، وقوتها العاملة في تقلص، وديون القطاع الخاص تلقي بثقلها على النمو الاقتصادي. كما أدى سوء تعامل الصين مع التفشي الأولي لفيروس كورونا إلى إلحاق ضرر كبير بمكانتها الدولية، وهي تخاطر الآن بأن تصبح المتهم الأول في أزمة المناخ، حيث لا يمكنها بسهولة التخلص من الانبعاثات الملوثة للبيئة.

مع ذلك، فمن السهل جدا تخيل سلسلة من الأحداث التي تؤدي إلى حرب أخرى غير ضرورية، يُرجح أن تشن بسبب النزاع على تايوان التي تطمع بها بكين، والتي تلتزم أمريكا بالدفاع عنها ضد الغزو، وهو التزام يفتقر بشكل متزايد إلى المصداقية، مع تحول موازين القوى العسكرية في شرق آسيا.

إذا فشل الردع الأمريكي وراهنت الصين على خطوة متهورة، ستواجه الولايات المتحدة خيارا صعبا بين خوض حرب طويلة وصعبة – كما فعلت بريطانيا سنة 1914، ثم في 1939- أو الانسحاب كما حدث في السويس سنة 1956.

يقول تشرشل في مجلده: “الحقائق أفضل من الأحلام”، لكن القادة الأمريكيين أصبحوا في السنوات الأخيرة مغرمين بالأحلام، بدءا من خيال “الهيمنة الكاملة” في عهد جورج دبليو بوش، وصولا إلى كابوس “الفوضى” على الأراضي الأمريكية في عهد دونالد ترامب. وبينما تنذر الأوضاع الراهنة بعاصفة عالمية جديدة، يبدو الوقت مناسبا لمواجهة الحقيقة التي أدركها تشرشل تمام الإدراك، وهي أن نهاية الإمبراطوريات – نادرا أو من المستحيل – أن تكون عملية خالية من التعقيدات.

المصدر: عربي21 عن الإيكونوميست