ماذا وراء الصفقة التي يقترحها بوتين على نتنياهو وترامب؟

ماذا وراء الصفقة التي يقترحها بوتين على نتنياهو وترامب؟

رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي —

الروس هم الذين بادروا إلى الاجتماع الذي انعقد أمس بين مستشاري الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. الرئيس فلاديمير بوتين هو الذي اقترح على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عقد هذا الاجتماع غير المسبوق خلال زيارة نتنياهو إلى موسكو في مطلع نيسان/أبريل للتعبير عن شكره على العثور على جثمان زكريا باوميل وإعادته لدفنه في إسرائيل. بالنسبة إلى نتنياهو كانت هذه مناسبة ذهبية لتوثيق العلاقات مع الكرملين، وفي الأساس كي يُظهر عشية الانتخابات قدراته ومؤهلاته كسياسي على الصعيد الدولي.
بوتين رأى في اجتماعه مع رئيس حكومة إسرائيل فرصة مهمة لتسخير نتنياهو وعلاقاته الجيدة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لمصلحة جهود المبادرة الروسية من أجل تسوية تنهي الحرب الأهلية في سورية وتحقق سيطرة بشار الأسد على كامل أراضي بلده.
لم تعد الحرب السورية تحتل العناوين الأولى في وسائل الإعلام الدولية، لكنها مستمرة ودموية، وما دام الأسد لا يسيطر على الدولة كلها، فإن روسيا مضطرة إلى مساعدته ومساعدة جيشه وذلك على حساب الخزينة الروسية التي تعاني مصاعب لا بأس لها. عموماً– لا يسيطر الأسد على منطقة إدلب التي يتحصن فيها الجهاديون السنّة القريبون من القاعدة، وعلى المنطقة الواقعة شرقي نهر الفرات.
ما يزعج الكرملين هو عدم قدرة روسيا على السيطرة الاستراتيجية في سورية وتحقيق الأرباح الاقتصادية من إعادة إعمار الدولة المدمرة (حقوق استغلال النفط، والفوسفات وإعادة إعمار البنية التحتية للمياه، والكهرباء والمساكن).
حالياً تجري عمليتان للتسوية في سورية: الأولى في جنيف برعاية الأمم المتحدة، تشارك فيها دول أوروبية وعربية وآسيوية وطبعاً الولايات المتحدة؛ والأُخرى في أستانة في كازاخستان، التي بادرت إليها روسيا وتقودها وتشارك فيها إيران وسورية من دون الولايات المتحدة. والعمليتان مجمدتان لأسباب كثيرة متعددة ولا أمل بأن تثمرا نتائج، لذلك بادرت روسيا إلى إطلاق مبادرة ثالثة – تلتف على طاولات المفاوضات – تحاول من خلالها التوصل إلى النتيجة التي ترغبها. ومن المفترض أن يحدث ذلك بطريقة زاحفة- التوصل إلى اتفاقات مناطقية جزئية مع كل الأطراف المحلية والخارجية التي تربطها علاقة بالقتال في سورية، إلى أن يتمكن الأسد من بسط سيطرته على سورية كلها.
تسيطر الولايات المتحدة على شرق سورية وشمال شرقها – شرقي نهر الفرات – بواسطة نحو 400 جندي تحتفط بهم هناك، وفي الأساس من خلال القوات الكردية والعربية الموالية لها (قوات الدفاع السورية). هذه القوات المشتركة هزمت داعش لكنها لا تزال تقاتل لمنع استعادة بقايا داعش قوتها في المنطقة ومن أجل إلحاق الهزيمة بها. يتطلع الأسد والروس إلى هذه المنطقة التي تشكل ربع مساحة سورية، وتوجد فيها حقول النفط والفوسفات.
ثمة مشكلة إضافية سيضطر الروس إلى التغلب عليها هي مَن سيدفع ثمن إعادة إعمار سورية التي تريد روسيا الاستفادة منها. لقد سبق أن أعلن ترامب أنه غير مستعد للدفع، السعوديون مستعدون للدفع- لكنهم لن يفعلوا ذلك من دون موافقة الولايات المتحدة على قبول سيطرة الأسد بحماية روسية، وكذلك دول أُخرى.
بالنسبة إلينا، لا تستطيع إسرائيل مساعدة الروس على التوصل إلى تسوية في سورية إلّا بطريقة غير مباشرة. وذلك من خلال الموافقة الصامتة على بسط الأسد سيادته على جنوب سورية وهضبة الجولان السورية، ومن خلال الامتناع بقدر الممكن من شن هجمات على منشآت ومشاريع عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني.
تواصل القوات التابعة للحرس الثوري محاولة التمركز في سورية لإقامة جبهة ضد إسرائيل بالإضافة إلى الجبهة التي يقيمها حزب الله في لبنان. الهجمات الإسرائيلية والردود عليها من جانب الإيرانيين وجيش الأسد، من المحتمل في تقدير الروس أن تؤدي إلى نشوب حرب بين إسرائيل وسورية تنهي كل مساعي التسوية التي يعملون عليها.
يوافق نتنياهو والمؤسسة الأمنية من حيث المبدأ على مطالب الروس لكنهما يطالبان في مقابل الامتناع من التدخل عسكرياً بأن يُخرج الروس الإيرانيين والتنظيمات الدائرة في فلكهم من سورية، وألّا يستفز الأسد إسرائيل.
ليست هذه نهاية طلبات بوتين. تملك إسرائيل رصيداً آخر يريد الروس استغلاله، وهو نفوذ نتنياهو لدى ترامب. يأمل بوتين ليس فقط بأن يعطي الأميركيون ضوءاً أخضر للسعوديين لتمويل إعادة إعمار سورية، بل هو يريد أيضاً أن يسحب ترامب قواته من شرق الفرات والسماح للأسد باستعادة المنطقة، وأيضاً الجيب الصغير في منطقة التنف، بالقرب من مثلث الحدود مع العراق والأردن وسورية الذي يحتفظ فيه الأميركيون والبريطانيون بقاعدة جوية هي بمثابة شوكة في حلق السوريين والإيرانيين، على الطريق الأساسي من العراق إلى دمشق ولبنان.
بحسب التقديرات والمؤشرات التي تجمعت في القدس، يعتقد بوتين أن نتنياهو قادر على إقناع ترامب بقبول صفقة يستفيد منها كل الأطراف. لقد اقترح بوتين اجتماع المستشارين الأمنيين لروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة للتوصل إلى صيغة حل جزئي هذه هي مكوناته الأساسية:
تعترف الولايات المتحدة بشرعية نظام الأسد، وتخلي مواقعها في سورية وتسمح للسعوديين بتمويل إعادة إعمار سورية والمشاركة فيها. وربما تشارك في ذلك هي بنفسها، وبذلك تضع حداً للحرب، ولموجات اللاجئين التي تتوجه إلى أوروبا وشتى أنحاء العالم. يدير جيش الأسد وسلاح الجو الروسي الحرب ضد داعش والمتطرفين الإسلاميين في المنطقة التي ستخليها الولايات المتحدة ويحلان محلها ومحل قوات قسد.
تبدي إسرائيل ضبطاً للنفس وتمتنع من الهجوم على مواقع إيرانية عسكرية في سورية، ما دامت لا تشكل خطراً مباشراً عليها ولا تقع بالقرب من الحدود. في المقابل تتعهد روسيا بإبعاد الإيرانيين إلى شمال سورية وبمنع الوجود الإيراني أو وجود الميليشيات الشيعية وحزب الله العاملين تحت إمرة الإيرانيين إلى مسافة 100 كيلومتر على الأقل شرقي الحدود في الجولان، وبعدم وجود إيران والتنظيمات الدائرة في فلكها في منطقة دمشق أيضاً، وتتعهد الشرطة العسكرية الروسية بتنفيذ ذلك.
كيف ينوي الروس أن يضمنوا قيام الإيرانيين بدورهم في الصفقة؟ الروس يسيطرون على سورية، ولقد أثبتوا أنهم عندما يريدون إبعاد الإيرانيين هم قادرون على ذلك- كما فعلوا في مطار دمشق وفي أماكن أُخرى. الإيرانيون هم أيضاً يريدون أن يربحوا من إعادة إعمار سورية، وأن يقيموا لأنفسهم مواقع استراتيجية-عسكرية مثل الروس. لذلك يوجد اليوم سباق اقتصادي وعسكري شديد بين الروس والإيرانيين في سورية.
في موازاة ذلك، في الساحة الدولية تساعد روسيا إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية وتبيعها سلاحاً. وبوتين يربح جيداً على المستويين، وكذلك من وقوفه في وجه الأميركيين. لذلك لا مصلحة له في تحطيم الأواني مع الإيرانيين. لكن الروس يعتقدون أنهم يستطيعون أن يسيروا على حبل دقيق في سورية وتحقيق التفاهمات التي بحثها بولتون، وبتروشوف وبن مئير اليوم في القدس.

في هذه الأثناء، لا تزال نتائج الاجتماع غير معروفة، ويمكن الافتراض أن الأميركيين لن يسارعوا إلى الموافقة – كي لا يسمحوا للإيرانيين بإقامة ممر بري من طهران إلى لبنان.

المصدر: موقع ynet الإسرائيلي – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية