محلل إسرائيلي: بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، إبعاد الإيرانيين من المنطقة لا يلوح في الأفق!

محلل إسرائيلي: بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، إبعاد الإيرانيين من المنطقة لا يلوح في الأفق!

عاموس هرئيل – محلل عسكري إسرائيلي

بضربة سيف واحدة، أو بمجرد تغريدة واحدة على الأصح، شوّش دونالد ترامب على جميع برامج مستشاريه وجنرالاته. فمنذ أشهر عديدة، يجتهد هؤلاء جميعاً – من وزير الدفاع جيمس ماتيس [الذي أعلن استقالته الليلة الماضية] وحتى مستشار الأمن القومي (الثالث في غضون أقل من سنتين) جون بولتون – في شرح مدى أهمية الوجود الأميركي في سوريا للجم التمدد الإيراني، ولكبح التأثير الروسي في الشرق الأوسط، ولتحصين مكانة الولايات المتحدة الدولية. وأمس الأول، سحب ترامب السجادة من تحت أرجل هؤلاء. فقد قرر أن يغادر الدبلوماسيون وموظفو الإدارة سورياا في غضون 24 ساعة، بينما سيغادر الجندي الأميركي الأخير بعد 100 يوم.

من هو الحكيم الذي يمكن أن يعرف السبب الذي دفع ترامب إلى قراره هذا؟ هل كان هذا شيئاً ما شاهده على التلفزيون، على شبكة “فوكس” التي يمضي جزءاً غير قليل من وقته في متابعة برامجها؟ أو ربما أراد حرف النقاش الإعلامي، سريعاً، إلى موضوع آخر، بعد أسبوع مأسوي آخر بدا فيه كأن الحلقات تستحكم عليه، أكثر فأكثر؟ أو ربما تذكّر وعده الانتخابي بأن يعيد لأميركا هيبتها وعظمتها، من خلال تقليص توظيفاتها في حروب بعيدة عن حدودها أيضاً؟

فيما يخص إسرائيل، هنا ثمة استنتاج فوري وعبرة بعيدة المدى. الاستنتاج الفوري هو أن التطلع إلى إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات عن سوريا لن يتحقق خلال الفترة القريبة المقبلة. يتضح أن روسيا قطعت لإسرائيل وعوداً وهمية تتبدد بعد مضي نصف سنة فقط، بينما لا تبدي الولايات المتحدة أي حماسة لتقديم المساعدة. وعلى الرغم من أن الجيش الإسرائيلي حقق نجاحاً ملفتاً في سلسلة المواجهات مع الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الربيع الأخير، فإن هذا لا يعني أن إيران قد تنازلت عن برامجها ومشاريعها. أمّا العبرة في المدى البعيد فهي أن ترامب، في وضعه الحالي، قد أصبح “حائطاً مائلاً” لا يمكن الاتكاء عليه. حتى لو كان لديه تعاطف أساسي مع إسرائيل، وعلى الرغم من كونه محاطاً بأبناء عائلة، مساعدين ومستشارين من اليهود، إلاّ إن الرجل غارق في مصائب كبيرة جداً ويتصرف على نحو مضطرب ومحموم، لدرجة أنه لا يمكن لحكومة نتنياهو أن تكون واثقة من دعمه زمناً طويلاً.

تبدو فرص تقديم الإدارة الأميركية الحالية “صفقة قرن” متبلورة ومتماسكة مع الفلسطينيين الآن ضئيلة جداً. وكذلك أيضاً احتمال مصالحة الرئيس مع الإيرانيين فجأة، على غرار ما حدث له حين وقع في غرام ديكتاتور كوريا الشمالية (وإعلانه، في تلك اللحظة ومن دون أي أساس، إزالة التهديد النووي الكوري الشمالي). لكن بالنسبة إلى ترامب لا أحد يمكنه أن يعلم أو أن يتوقع. ولذلك على صُنّاع القرار في القدس أن يأخذوا في الحسبان حقيقة ازدياد عدم الوضوح الذي يعملون في كنفه.

حرب مُجزية          

إن خيبة الأمل الإسرائيلية هي مسألة صغيرة، نسبياً، مقارنة بالخيانة التي يشعر بها الأكراد، بعد أن قدموا آلاف الضحايا من مقاتليهم في دعم المعركة الأميركية ضد “داعش”، بينما سيبقون الآن من دون أي ظهر عسكري في سوريا. وفي المقابل، يُستقبَل الانسحاب الأميركي بالترحاب والرضى لدى معسكر المؤيدين والداعمين لنظام بشار الأسد في الحرب الأهلية، وعلى رأسه روسيا وإيران. في إمكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يلخص مغامرته السورية باعتبارها نجاحاً باهراً.

جميع التوقعات التي صدرت عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقالت إن روسيا سوف تغرق في المستنقع السوري، بمثابة فيتنام خاصة بها (أو أفغانستان ثانية بالنسبة إليها)، تبددت أدراج الرياح. قرار بوتين، من أيلول/ سبتمبر 2015، إرسال سربين من الطائرات الحربية لنجدة الرئيس السوري، بشار الأسد، كان مُجزياً. فقد رجّح كفة الحرب لمصلحة النظام الذي كان على وشك الانهيار آنذاك، ثم وطّد مكانة موسكو على الساحة الدولية.

يعتبر البروفسور ديما أدمسكي، من المركز المتعدد المجالات في هرتسيليا، أحد المحللين الأبرز للاستراتيجيات الروسية. وفي مقال نشره مؤخراً، ضمن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، يشرح أدمسكي التأثير العميق للتدخل العسكري الروسي في سوريا في التفكير الاستراتيجي الروسي وفي المفاهيم والرؤى العملانية الروسية.

يكتب أدمسكي أن روسيا دخلت معترك الحرب في سوريا لتضافر جملة من الأسباب والأهداف: الدفاع عن شريكها (الأسد)؛ صيانة ثرواتها وحمايتها (وخصوصاً سيطرتها على ميناء طرطوس، على شواطئ البحر المتوسط)؛ ضرب المتطرفين الذين جاء بعضهم من جاراتها في آسيا الوسطى؛ محاولة تحسين مكانتها الدولية والإقليمية؛ حرف الأنظار عمّا تقوم به في شبه جزيرة القرم وفي شرق أوكرانيا.

يحدد أدمسكي ثلاثة مبادئ استراتيجية روسية تجسدت في سوريا. المبدأ الأول هو المحافظة على حالة الاحتكاك بدرجة متوسطة، لكن تحت السيطرة، بما يتيح لروسيا إمكان تعزيز مكانتها كوسيط يحافظ على علاقة واتصال بجميع الأطراف الذين تحتاج إليهم أيضاً. كانت روسيا جزءاً من المشكلة في سوريا حقاً، لكن جزءاً من الحل أيضاً. فالعلاقة والاتصال الدائمان اللذان حافظت عليهما بجميع الأطراف المتنازعة منحاها أفضلية كبيرة جداً على الأميركيين. في أي نزاع، يكتب أدمسكي، تحرص روسيا على أن تبيّن لكل الأطراف محدودية قوتها، من جهة، وحاجتها إلى الكرملين، من جهة أخرى.

يمكننا أن نضيف أن هذا المبدأ قد تحقق في الاتصالات بإسرائيل، أيضاً: في إنشاء الخط الساخن لمنع الصدامات الجوية بين طائرات من الدولتين بداية، ثم بالتجاهل الواضح الذي حظي به نتنياهو مؤخراً، في أعقاب قضية إسقاط طائرة إليوشن الروسية.

المبدأ الثاني، وفق أدمسكي، هو تجنب ما اعتبره الروس الخطر الأكبر ـ اتساع الحرب بصورة غير قابلة للسيطرة (ما يطلق عليه الأميركيون اسم Mission Creep، أي: المهمة التي تنزلق بصورة تدريجية إلى ما هو أوسع وأبعد من حدودها الأصلية).

والمبدأ الثالث هو المحافظة على المرونة الاستراتيجية، من خلال فهم محدودية القوة وإجراء ملاءَمات سريعة عندما تستدعي الحاجة ذلك. وهو يرى أن لدى بوتين ثمة أسباباً عديدة للشعور بالرضى. ليس فقط تثبيت نظام الأسد. فتكلفة الحرب، بالضحايا والأموال، كانت معقولة بالنسبة إلى روسيا. وتعززت مكانتها الإقليمية والدولية بصورة كبيرة وواضحة واكتسب ضباط الجيش الروسي خبرات عملانية مهمة جداً خلال المعارك التي خاضتها وأدارتها القوات الروسية، وكانت معارك غنية جداً بالعناصر التكنولوجية والاستخباراتية، إذ وضعت روسيا تحت الفحص عدداً من المفاهيم والنظريات القتالية الحديثة وعَرَضت على الساحة الدولية حجم قدراتها العسكرية وقوتها، بما في ذلك منظومات الأسلحة الأحدث والأكثر تطوراً لديها.

المصدر: صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية