“معاريف”: سياسة احتواء الفلسطينيين تحولت إلى عقبة

“معاريف”: سياسة احتواء الفلسطينيين تحولت إلى عقبة

شجون عربية – بقلم: أهرون بابو – محام إسرائيلي |
هناك أمر مشترك بين مقتل حارس الحدود برئيل شمولي من وراء الحائط المتهالك على الحدود مع غزة وبين فرار الأسرى من سجن جلبوع. كان هذان الحادثان وما حدث بعدهما وقبلهما نتيجة لظاهرة “الاحتواء” التي تحولت إلى عقيدة عسكرية بكل معنى الكلمة، وإلى استراتيجيا غير مسبوقة، وقبول فاضح بالظلم والجريمة في حق الدولة والمجتمع الصهيوني.
وسائل الإعلام امتنعت من الربط بين الحادثين الصعبين كي لا تؤذي الأجواء التي رافقت حكومة التغيير، لبيد وبينت؛ لكن الرعب أن الجيش سمح للمسلحين من غزة بالوصول إلى الجدار الفاصل بينهم وبين جنوده- هذا الرعب هو وليد عقيدة “الاحتواء” التي طوّرها الذين ليس لديهم استعداد للرد بطريقة عقلانية على ما يفعله العرب.
الفرار من السجن أيضاً هو وليد هذه العقيدة التي بلغت أحجاماً مروعة من حكم ذاتي للأسرى الذين يحصلون على كل ما يطلبونه، ووصلت إلى حد تقديم شكاوى تحرش جنسي تعرضت له السجانات من طرف الأسرى الأمنيين.
يفرض القانون عدم اقتراب المسلحين من الجنود الإسرائيليين وتهديدهم، وضرورة اعتقالهم حتى من خلال إطلاق النار؛ بينما تكتفي سياسة الاحتواء بآمال كاذبة، فإذا لم نرد على هجوم المسلحين على الجدار فإنهم سينسحبون، وبذلك نمنع سقوط قتلى.
الموت المأساوي للجندي شمولي نجم عن سياسة الاحتواء، لأنه في أي منطق آخر كان يجب وقف المتظاهرين من غزة على بُعد نصف كيلومتر على الأقل من الجدار. لكن الأسوأ من ذلك اعتراف القائد المسؤول على الأرض بأنه كان يجب إعطاء الأمر بالانسحاب عندما وصل المتظاهرون إلى الجانب الثاني من الجدار. أي أن الحل العسكري لم يكن مهاجمة العدو الذي قتل جندياً، بل بالعكس، كان انسحاباً آخر. إلى أين كان يجب الانسحاب؟ كيف كان يمكن لإسرائيل أن تنتصر في حروبها لو تصرفت بحسب عقيدة “الاحتواء” في مواجهة العدوانية العربية؟
عموماً، ما هي تحديداً حدود الاحتواء؟ هل المقصود أوامر عليا من مستوى سياسي رفيع؟ أم المقصود مبادرة تأتي من مستوى قيادي أدنى؟… أمر واحد أكيد: الاحتواء تحول إلى مرض وانسحابات، وعدم الرد أصبح قانوناً جديداً.
على أي حال، هناك حدود للاحتواء، ويبدو أننا وصلنا إلى الحد الأقصى. في العملية العسكرية الأخيرة “احتوينا” أكثر من اللازم. وعلى ما يبدو امتنعت إسرائيل من إطلاق النار على أهداف مدنية استخدمتها التنظيمات المسلحة وقصفت أماكن فارغة بدلاً من الأماكن التي يتواجد فيها المسلحون، بينما كان هدف المسلحين الفلسطينيين معاكساً تماماً: قتْل أكبر عدد ممكن من المدنيين.
إلى متى سنبقى نلعب هذه اللعبة؟ هناك مثل فرنسي يقول: “في الحرب يجب أن تتصرف كما في الحرب”، لكن الجانب الإسرائيلي تبنى عقيدة قتالية غيرت قواعد اللعبة. لقد تحولت سياسة الاحتواء إلى عقبة وتطورت إلى مرض، ويجب وضع حدّ لها قبل أن تتحول إلى مرض خبيث.

المصدر: صحيفة “معاريف” الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية