“معهد هرتسليا”: روسيا تبحث عن شركاء في الشرق الأوسط للدفع قدماً بإعادة إعمار سورية

“معهد هرتسليا”: روسيا تبحث عن شركاء في الشرق الأوسط للدفع قدماً بإعادة إعمار سورية

شجون عربية_ بقلم: كسينيا سفتلوفا _ عضو كنيست سابقة وباحثة في معهد هرتسليا للسياسة والاستراتيجيا
شهد الأسبوع الماضي نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً لروسيا في الشرق الأوسط؛ إذ قام وزير خارجيتها بزيارة إلى السعودية وقطر والإمارات، واجتمع لاحقاً بوفد من حزب الله، وأيضاً بوزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي في موسكو. في هذه الأثناء تواصل موسكو الدفع قدماً بسياستها الإقليمية بصورة مستمرة وجدية. الهدف من العلاقات الوثيقة التي تقيمها روسيا مع أغلبية اللاعبين الإقليميين هو الدفع قدماً بالمصالح الروسية، ويبدو أنهم في إسرائيل توقفوا عن طرح التساؤلات بشأن زيارات عناصر حزب الله و”حماس” والجهاد الإسلامي إلى موسكو.
هل ستنجح روسيا في الاستفادة من التوترات بين السعودية والولايات المتحدة؟
عندما تصطدم العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها بصعوبات وتقع في أزمة، يُظهر الدبلوماسيون الروس دائماً استعدادهم لتقديم اقتراحات تعاون واستثمارات وصفقات سلاح. هذه المرة أيضاً، وقبل أن تستفيق الرياض من صدمة الأخبار ضد منفّذي اغتيال جمال الخاشقجي وتحوُّل ولي العهد محمد بن سلمان الشخصية الكلية القدرة إلى شخص غير مرغوب فيه في واشنطن، وصل وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى الرياض. بحث الطرفان في العلاقات الثنائية والتجارية ومجالات التعاون الأُخرى. كلمة “حقوق الإنسان” لم تُذكر قط. زار لافروف أيضاً أبو ظبي، حيث وجد تفهماً لفكرة إعادة إعمار سورية. وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد أشار إلى أن “قانون قيصر” الأميركي، الذي يفرض عقوبات صارمة على دول وكيانات تتعاون مع نظام الأسد، “إشكالي ويعرقل عودة سورية إلى الحضن العربي”. والمعروف أنهم يعتقدون في الإمارات أن السبيل إلى تقليص النفوذ الإيراني في سورية هو من خلال عملية إعادة إعمار واسعة النطاق تؤدي أبو ظبي دوراً مهماً فيها إلى جانب روسيا. لافروف زار أيضاً قطر، حيث وقّع تفاهمات جديدة تتعلق باستئناف المفاوضات للتوصل إلى “حل سلمي” في سورية مع أنقرة والدوحة.
هل التوترات بين الرياض وإدارة بايدن وتغيّر موقف البيت الأبيض فيما يتعلق بحقوق الإنسان والاتفاق النووي مع إيران ستدفع الدول العربية في الخليج إلى تغيير توجهها والتقرب من روسيا بصورة كبيرة ؟
قبل 6 سنوات عندما قاد رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، كان يبدو أن السعودية والإمارات ستزيدان بصورة كبيرة جداً تعاونهما مع موسكو. ولي العهد محمد بن سلمان زار حينئذ مع والده سانت بترسبورغ والتقى الرئيس بوتين، ووقّع الطرفان صفقات كثيرة، وأنشأوا صندوقاً للاستثمارات المشتركة. بعد مرور 6 سنوات يمكن القول إن العلاقات بين الدول الخليجية (من السعودية حتى قطر) تحسنت كثيراً، لكن الخلافات القائمة بينهم بقيت على ما هي عليه وحتى إنها خرجت إلى العلن على صورة حرب نفطية علنية واضحة بين الرياض وموسكو. حالياً روسيا تبيع الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية والإمارات، المزيد من السلاح، لكن العلاقة بين هذه الدول وبين الولايات المتحدة ظلت قوية جداً، وظلت هذه الدول تعتبر روسيا حليفة استراتيجية لإيران. هذه الظروف الأساسية لم تتغير خلال السنوات الست التي مرت منذ اللقاء الأول بين ولي العهد محمد بن سلمان وبين الرئيس بوتين. من المعقول الافتراض أنه على الرغم من التوترات في العلاقة بين واشنطن والرياض فإن ما يجري ليس انفصالاً بينهما، على الرغم من مواصلة روسيا تطبيق سياسة تمدُّدها في الشرق الأوسط وتحوُّلها إلى لاعب قوي لا يمكن تجاهله.
مثلث روسيا الجديد من أجل إعادة إعمار سورية
التصريح الأهم للوزير لافروف خلال زيارته إلى دول الخليج هو الذي صدر في الدوحة. فقد أعلن لافروف عملية سياسية جديدة بقيادة 3 دول- سورية و قطر وتركيا. التفاهمات الجديدة تتحدث عن تحريك عملية حوار ومفاوضات بين نظام الأسد والمتمردين والمعارضة من أجل صوغ حل سياسي للنزاع الدائر منذ 10 سنوات.
وشدد الطرفان الروسي والقطري على أن المقصود ليس عملية تحل محل محادثات أستانة وتفاهمات سوتشي – العمليتان اللتان بادرت إليهما روسيا مع تركيا وإيران. على الرغم من ذلك، لا شك في أن المثلث الجديد الناشىء خلال زيارة وزير الخارجية الروسي إلى الدوحة هدفه الالتفاف على إيران من أجل تحقيق هدف واحد – إعادة إعمار سورية اقتصادياً. في نظر الغرب، مشاركة إيران أبطلت الخطوات الأخيرة التي بادرت إليها روسيا في سوتشي وفي أستانة، كما أن المنافسة بين روسيا وإيران على الموارد السورية، وعلى النفوذ، وعلى صورة سورية المستقبلية، آخذة في الازدياد.
“المثلث” الجديد فيه طرفان لديهما علاقات قوية مع الولايات المتحدة ويمكنهما أن يدفعا قدماً بالعملية السياسية المتعثرة وتقديم الحل إلى الأميركيين. بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الجديدة، لا تحتل سورية مرتبة عالية في سلّم الأولويات، لكن الولايات المتحدة لا تزال تتمسك بالعقوبات المفروضة ضد نظام الأسد، وبـ”قانون قيصر”.
بعد أن حققت روسيا الانتصار العسكري في سورية وسيطرت على جزء كبير من الدولة، فإنها تواجه اليوم حاجزين كبيرين: رفضُ تركيا أي تقدم في منطقة إدلب وموافقتها على التعاون في شمال شرق الدولة فقط في مقابل انسحاب كبير للقوات الكردية. الحاجز الثاني الكبير هو الحاجز الاقتصادي: الانتصار العسكري لم يضمن إعادة إعمار الدولة المدمرة، والعقوبات الأميركية والأوروبية فرضت عدم مشاركة الدول العربية في جزء مهم منها ما دام لم يطرأ تقدم للتوصل إلى حل سياسي. في موسكو لاحظوا أن الأسد لا يتعاون بصورة كاملة من أجل الدفع قدماً بالعملية السياسية، ولو ظاهرياً، وبدأوا باستخدام الضغوطات على أفراد عائلة الأسد.
على ما يبدو الخطوة الأخيرة من شأنها أن تعزز أكثر التحالفات بين روسيا وتركيا وقطر لمصلحة إعادة إعمار سورية اقتصادياً. الذين بقوا وحدهم في الخارج هم الإيرانيون، لكن على ما يبدو أنهم في موسكو قدّروا أنه يمكنهم المسّ بمشاعر آيات الله لأن روسيا حليف لا يوجد بديل منه بالنسبة إلى إيران.
الوفد الرفيع المستوى لحزب الله في زيارته إلى موسكو تحدث عن مستقبل لبنان والتدخل الروسي المتزايد
منذ سنوات تعمل روسيا في لبنان من أجل ترسيخ نفوذها ومكانتها هناك. وكعادتها تتعاون مع أطراف كثيرة ولا تمتنع من إقامة علاقات مع حزب أو حركة، بما فيها حزب الله. لبنان مهم جداً لروسيا كدولة مجاورة في شمال سورية، حيث تبني روسيا لنفسها قوة إقليمية عظمى، وأيضاً بسبب مخزون الغاز الموجود في المياه الإقليمية اللبنانية، وبسبب موقعه الاستراتيجي المهم كمفترق طرق بين إسرائيل، التي تتماهى مع الولايات المتحدة، وسورية الواقعة تحت النفوذ الروسي- الإيراني.
وسط هذا كله يبقى حزب الله القوة الأكثر تنظيماً والأقوى والأكثر استقراراً حالياً في الفوضى اللبنانية. رفض الحزب اقتراحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتسوية تُخرج لبنان من الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي يعاني جرّاءهما حالياً، لكن على ما يبدو يشعر لبنان بأن عليه الآن التعاون مع روسيا التي تسيطر على سورية. يدرك عناصر حزب الله جيداً أن في كل نزاع عسكري بين إسرائيل ولبنان ستكون روسيا الوسيطة، تماماً كما جرى في صيف 2019، وأن موسكو لا تريد أية تحركات تخرّب بصورة أو بأُخرى مكانة روسيا في المنطقة والعالم. ليس واضحاً ما إذا كانت موسكو ستجد حلولاً للأزمة اللبنانية الداخلية، لكن من المتوقع أن يزداد التدخل الروسي في لبنان في الفترة المقبلة.

المصدر: معهد هرتسليا