“نيويورك تايمز”: تراجع اعتماد “إسرائيل” على أميركا يقلّص نفوذها عليها

“نيويورك تايمز”: تراجع اعتماد “إسرائيل” على أميركا يقلّص نفوذها عليها

 

 

شجون عربية _ كتب ماكس فيشر مقالة في صحيفة “نيويورك تايمز”  الأميركية تناول فيها التغيّر الذي طرأ على العلاقة بين “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية.

وقال الكاتب إن “إسرائيل”، وهي دولة صغيرة محاطة بالخصوم وفي خضم صراع مع الفلسطينيين، تعتمد بشكل مطلق على الدعمين الدبلوماسي والعسكري الأميركيين. فمن خلال منحها هذا الدعم، تحمي الولايات المتحدة “إسرائيل” وتمارس في الوقت نفسه نفوذاً كبيراً على أفعالها.

وأشار الكاتب إلى أن هذه كانت الحكمة التقليدية وكان ذلك صحيحاً لعقود من الزمن: “فقد عامل القادة والناخبون الإسرائيليون على حد سواء واشنطن على أنها ضرورية لبقاء” كيانهم.

وأضاف أن هذا الاعتماد قد ينتهي. فبينما لا تزال “إسرائيل” تستفيد بشكل كبير من المساعدة الأميركية، يقول المحللون إنها قد تكون قد حصلت على استقلال ذاتي فعال عن الولايات المتحدة.

وقال فيبين نارانغ، أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والذي درس الإستراتيجية الإسرائيلية: “إننا نشهد المزيد من الاستقلال الإسرائيلي”.

لم تعد “إسرائيل” بحاجة إلى ضمانات أمنية أميركية لحمايتها من الدول المجاورة، التي وقع بعضها اتفاقات سلام معها. كما أنها لا ترى نفسها في حاجة إلى وساطة أميركية في الصراع الفلسطيني، الذي يجد الإسرائيليون إلى حد كبير أنه يمكن تحمله ويدعمون الإبقاء عليه كما هو.

وبينما كانت “إسرائيل” تعتمد على عمليات نقل الأسلحة الأميركية، فهي تنتج الآن العديد من أسلحتها الأساسية محلياً. لقد أصبحت أكثر اكتفاء ذاتياًمن الناحية الدبلوماسية كذلك، حيث لها حلفاء مستقلون عن واشنطن. حتى من الناحية الثقافية، فإن الإسرائيليين أقل حساسية لموافقة الولايات المتحدة ويمارسون ضغطاً أقل على قادتهم للحفاظ على مكانة جيدة في واشنطن.

وبينما تظل المساعدة الأميركية لـ”إسرائيل” مرتفعة من حيث القيمة المطلقة، فإن الازدهار الاقتصادي الإسرائيلي على مدى عقود جعلها أقل اعتماداً. في عام 1981، كانت المساعدات الأميركية تعادل نحو 10 في المائة من اقتصاد “إسرائيل”، لكن هذه المساعدات كانت في عام 2020، نحو 4 مليارات دولار تعادل نحو 1 في المائة فقط من حجم الاقتصاد الإسرائيلي.

وقال الكاتب إن واشنطن قد أكدت تراجع أهميتها بالنسبة للصراع الأسبوع الماضي، ودعت إلى وقف إطلاق النار فقط بعد أن اقترب اتفاق بوساطة مصرية من الاكتمال، والذي قال القادة الإسرائيليون إنهم وافقوا عليه لأنهم أكملوا أهدافهم العسكرية في صراع كانت مدته عشرة أيام مع غزة. ويزور وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين المنطقة هذا الأسبوع، على الرغم من أنه قال إنه لا ينوي استئناف محادثات السلام الرسمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويأتي التغيير في الوقت الذي يتحدى فيه فصيل من الديمقراطيين والنشطاء اليساريين الأميركيين، بسبب غضبه من معاملة “إسرائيل” للفلسطينيين وقصف غزة، إجماع واشنطن طويل الأمد بشأن “إسرائيل”. ومع ذلك، فإن أعداداً كبيرة من الأميركيين، وإن كانت متراجعة عن السابق، تعبّر عن دعمها لـ”إسرائيل”، وقاوم السياسيون الديمقراطيون دعم ناخبيهم المتزايد للفلسطينيين.

وأوضح الكاتب أنه لا يزال لدى الولايات المتحدة نفوذ على “إسرائيل”، كما هو الحال مع كل دولة تقدم فيها الأسلحة والدعم الدبلوماسي. وأظهر احتضان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للحكومة الإسرائيلية أن “إسرائيل” لا تزال تستفيد من هذه العلاقة. لكن النفوذ الأميركي قد يتراجع إلى ما بعد النقطة التي تكون فيها “إسرائيل” قادرة وراغبة في أن تفعل ما تشاء، سواء بإجماع من الحزبين الديمقرطي والجمهوري أم من دونه.

خطوات نحو الاكتفاء الذاتي

وقال الكاتب: عندما يفكر الأميركيون في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لا يزال الكثيرون يتصورون الفترة المعروفة باسم الانتفاضة الثانية، عندما تحطمت الدبابات الإسرائيلية في البلدات الفلسطينية وانفجرت القنابل الفلسطينية في المقاهي والحافلات الإسرائيلية. لكن ذلك كان قبل 15 عاما.ً ومذاك، أعادت “إسرائيل” هندسة الصراع بطرق يجدها الناخبون والقادة الإسرائيليون إلى حد كبير محتملة. فالعنف ضد الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة نادر وأقل مستوى، وهو نادر أكثر في الكيان الإسرائيلي نفسه، أي أراضي فلسطين المحتلة عام 1948.

وأضاف أنه على الرغم من اندلاع القتال مرات عدة بين “إسرائيل” والفصائل المتمركزة في غزة، إلا أن القوات الإسرائيلية نجحت في دفع العبء بأغلبية ساحقة على عاتق سكان غزة. وفيات الصراع، التي كانت ذات يوم من 3 إلى 1 من الفلسطينيين إلى الإسرائيليين، أصبحت الآن أقرب إلى 20 إلى 1.

وقد ترك الاستياء الإسرائيلي من عملية السلام شعوراً لدى الكثيرين بأن القتال الدوري هو الخيار الأقل سوءاً. وعلى الرغم من أن الاحتلال قوة ساحقة ودائمة للفلسطينيين، إلا أن معظم اليهود الإسرائيليين يتجاهلونه في معظم الأيام.

وقالت يائيل مزراحي-أرنو، الباحثة الإسرائيلية في منتدى التفكير الإقليمي، وهو مؤسسة بحثية إسرائيلية: “لقد أصبح الإسرائيليون مرتاحين بشكل متزايد لهذا النهج. هذه تكلفة هم على استعداد لقبولها”. وأضافت: إنه وضع راهن يمكن لـ”إسرائيل” الحفاظ عليه بمساعدة خارجية قليلة. في السنوات الماضية، كانت أهم أدواتها العسكرية هي الطائرات الحربية الأميركية الصنع وغيرها من المعدات المتطورة، والتي تطلبت موافقة الكونغرس والبيت الأبيض. لكنها الآن، تعتمد على تكنولوجيا الدفاع الصاروخي التي يتم تصنيعها وصيانتها إلى حد كبير في الداخل، وهو إنجاز يلمح إلى إصرار “إسرائيل” على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وأشار نارانغ، الباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى أن لدى الإسرائيليين نظام دفاع صاروخي متعدد الطبقات ضد الصواريخ قصيرة المدى والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وفعال بنسبة 90 في المائة.

وعلى الرغم من أن التمويل الأميركي الضخم في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد ساعد في دعم النظام الدفاعي الصاروخي، إلا أنه يعمل الآن بسعر معقول نسبياً قدره 50.000 دولار لكل منصة اعتراض.

 

لقد بدأت “إسرائيل” العمل نحو الاستقلال العسكري في تسعينيات القرن العشرين. فالعلاقات الباردة مع إدارة الرئيس جورج بوش الأب وفشل الولايات المتحدة في منع الصواريخ العراقية من ضرب “إسرائيل” أقنعت قادتها بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على الدعم الأميركي إلى الأبد.

تعمق هذا الاعتقاد في ظل الرؤساء الأميركيين اللاحقين، الذين يتعارض ضغطهم لتحقيق السلام مع الفلسطينيين بشكل متزايد مع التفضيلات الإسرائيلية للحفاظ على السيطرة على الضفة الغربية ومحاصرة غزة بإحكام.

وقال نارانغ: “أدت الحسابات السياسية إلى البحث عن قدرات مستقلة لم تعد عرضة للضغط الأميركي”، وأضاف أن “إسرائيل” سعت كذلك إلى جمع معلومات استخباراتية مستقلة، ويبدو أنهم تمكنوا من الوصول إلى هذه النقطة”.

وقال الكاتب إن هناك تهديداً وجودياً آخر لم تعد “إسرائيل” تعتمد عليه بشدة على الحماية الأميركية، وهو العزلة الدولية. فقد سعت “إسرائيل” في السابق كي تكون مقبولة من الديمقراطيات الغربية، التي طالبتها بأن تفي بالمعايير الديمقراطية. اليوم، تواجه “إسرائيل” مناخاً دولياً أكثر دفئاً. فالقوى “المعادية للإمبريالية” التي تحدت “إسرائيل” في يوم من الأيام قد ولّت. في حين أن المواقف الدولية تجاهها متباينة وتميل إلى السلبية بشكل صارخ في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، إلا أن “إسرائيل” أنشأت روابط في أجزاء من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وأضاف أنه حتى الدول العربية المجاورة، مثل الأردن ومصر، التي كانت ذات يوم من بين أكبر أعدائها، تسعى الآن إلى السلام، في حين خففت دول أخرى من حدة الأعمال العدائية. العام الماضي شهد ما يسمى بـ”اتفاقات أبراهام”، بوساطة ترامب، والتي منحت “إسرائيل” تطبيع العلاقات مع البحرين والإمارات العربية المتحدة. وقامت “إسرائيل” بعد ذلك بتطبيع العلاقات مع المغرب وتوصلت إلى اتفاق دبلوماسي مع السودان.

وقالت داليا شيندلين، المحللة السياسية وخبيرة استطلاعات الرأي الإسرائيلية، “كنا نتحدث عن تسونامي دبلوماسي قادم”. وتجري شيندلين استطلاعاً سنوياً يطلب من الإسرائيليين تصنيف التحديات الوطنية. يأتي الأمن والاقتصاد بشكل موثوق به في المقام الأول. والعلاقات الخارجية الآن قريبة من الحضيض. وقالت إنه حتى في الوقت الذي يحذر فيه الدبلوماسيون الأوروبيون من العواقب التي لن تأتي أبداً ويناقش الديمقراطيون مستقبل التحالف، فإن الإسرائيليين ينظرون إلى مكانتهم الدولية على أنها ممتازة.

الاستقلال الدبلوماسي

في الدبلوماسية كذلك، سعت “إسرائيل” إلى الاستقلال عن الأميركيين. في منتصف عام 2010، شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة مباشرة ضد إعادة انتخاب أوباما بسبب سياساته في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تدهور العلاقات. ومنذ ذلك الوقت، أنشأ نتنياهو شبكة من العلاقات مع دول مثل البرازيل والمجر والهند وغيرها، تعامل “إسرائيل” بشكل رائع، بعيداً عن إدانة معاملة “إسرائيل” للفلسطينيين.

تطلق شيندلين على ذلك تسمية “سياسة الأصدقاء الآخرين”. نتيجة لذلك، لم يعد الإسرائيليون يرون أن قبول الولايات المتحدة أمر حاسم للبقاء على قيد الحياة.

وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع القومية لدى الإسرائيليين إلى تصميم أكبر على تجاهل النقد الدولي. إن دعم واشنطن لمؤهلات “إسرائيل” الديمقراطية، وهو نوع ناعم من النفوذ الذي استخدمه الدبلوماسيون الأميركيون منذ فترة طويلة، يهم الإسرائيليين أقل الآن مما كان في السابق.

المخاطرة بالإجماع

ويُقال منذ فترة طويلة في “إسرائيل”، إن إحدى الوظائف العليا لأي رئيس وزراء هي حماية إجماع واشنطن من الحزبين على دعم “الدولة”. لذلك عندما أقام نتنياهو تحالفاً بين “إسرائيل” والجمهوريين في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى أنه أبعد أوباما عن الكونغرس، كان من المتوقع أن يدفع تكلفة سياسية في الداخل. لكن أوباما والديمقراطيين في الكونغرس لم يفعلوا الكثير لتعديل دعمهم. ثم انتخب الأميركيون ترامب، الذي خدم نتنياهو أكثر من أي رئيس سابق.

وقالت شيندلين إن الحادث غرس “شعوراً بالإفلات من العقاب. لقد تعلم الإسرائيليون أنهم يستطيعون تحمّل الحر، ويمكنهم التعامل مع القليل من العلاقات المتوترة”.

وقالت شيندلين إنها وجدت في سلسلة من مجموعات التركيز التي أجريت منذ انتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن، أن الإسرائيليين لم يعودوا يخشون الانتقام من السياسيين الأميركيين. قالت: “الناس ليسوا متأثرين. إنهم يعتقدون بأنها أميركا وأن بايدن سيكون جيداً”.

في الوقت نفسه، فقد العديد من الإسرائيليين الاهتمام بعملية السلام. وتظهر استطلاعات الرأي أن الغالبية يرون أنه محكوم عليها بالفشل، وتعتبره أعداد متزايدة أنه أولوية منخفضة، بالنظر إلى الوضع الراهن الذي يراه كثير من الجمهور الإسرائيلي على أنه مقبول.

وقالت مزراحي أرنو: “هذا يغيّر طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة”.

ولأن القادة الإسرائيليين لم يعودوا يشعرون بالضغط الداخلي للانخراط في عملية السلام، التي تمر عبر واشنطن، فهم لا يحتاجون إلى إقناع الأميركيين بأنهم يسعون إلى السلام بحسن نية. كما أن القادة الإسرائيليين يواجهون ضغوطاً متناقصة لإرضاء الأميركيين ومطالب متزايدة لتحديهم بسياسات مثل توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وحتى ضم الضفة كلياً.

وقال الكاتب إن “إسرائيل” ليست أول دولة صغيرة تسعى إلى الاستقلال من راعي لها هو قوة عظمى. لكن هذه الحالة غير عادية من ناحية: الأميركيون هم من بنى الاستقلال العسكري والدبلوماسي لـ”إسرائيل”، مما أدى إلى تآكل نفوذهم. والآن، بعد نحو 50 عاماً من عدم استخدام هذا النفوذ لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قد يختفي هذا النفوذ قريباً بشكل كامل إن لم يكن قد اختفى أصلاً.

وقالت مزراحي أرنو: “إسرائيل تشعر أنها تستطيع الإفلات بالمزيد، متى بالضبط آخر مرة ضغطت فيها الولايات المتحدة على إسرائيل؟”.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم