هآرتس: إلى أي اتفاق نووي ستعود إيران؟

هآرتس: إلى أي اتفاق نووي ستعود إيران؟

شجون عربية _

زئيف بيغن – عضو كنيست – أييليت سبيون رئيسة قسم إيران في “معهد أبحاث الإعلام في الشرق الأوسط”، ويغآل كرمون رئيس ومؤسس المعهد/

المفاوضات التي أجرتها إيران مع الدول العظمى على الاتفاق النووي في سنة 2015 كان لها فيها هدفان: الهدف الأول تمهيد الطريق إلى الاعتراف بها “دولة على عتبة النووي”، تحقَّقَ بواسطة قرار مجلس الأمن الذي أقر الاتفاق، وحدد عملياً حق إيران في إقامة الدائرة الكاملة للتخصيب النووي على أراضيها. الاختراق نحو هذا الهدف سبق أن حققته إيران في سنة 2012، عندما أعطتها الولايات المتحدة موافقتها على ذلك في رسالة بواسطة سلطان عُمان (نقلاً عن وكالة الأنباء الإيرانية تسنيم في 7/7/2015).
الهدف الثاني، فجوات تركها الاتفاق سمحت لإيران بمواصلة تطوير سلاح نووي من دون أن تُتهم بخرق الاتفاق، حققته إيران من خلال سلسلة محادثات أجرتها في الأساس مع الولايات المتحدة في جنيف (2013)، وفي لندن وڤيينا (2015). من وراء الكواليس كان المستشار في هذه المحادثات مَن كان حتى وقت قريب رئيساً للبرنامج النووي العسكري في إيران، محسن فخري زادة، كما كشف ناطق بلسان الحكومة الإيرانية قبل بضعة أشهر.
في اليوم الذي انتهت فيه المفاوضات في ڤيينا في 14 تموز/يوليو 2015 أعلن الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما أن من حق الوكالة الدولية للطاقة النووية “الوصول إلى أي مكان منشود، وفي الوقت المنشود.” هذا التصريح المتفائل لم يكن له أساس، لا في الاتفاق ولا في تنفيذه. على سبيل المثال، شبكة “صوت أميركا” أعلنت في 16 كانون الثاني/يناير 2016 أن “الولايات المتحدة أكدت أن إيران صبّت باطوناً مسلحاً في قلب المفاعل النووي في أراك، وهو ما يجعل إنتاج البلوتونيوم في هذه المنشأة لتخصيب السلاح شبه مستحيل.” لكن بعد مرور عام كشف رئيس وكالة الطاقة النووية في إيران علي أكبر صلاحي في مقابلة أن إيران لم تصب باطوناً في المفاعل نفسه، بل فقط في عدد من الأنابيب الخارجية التي يبلغ قطرها عدة سنتيمرات وطولها من مترين إلى ثلاثة أمتار. وأن عودة مفاعل أراك إلى العمل سيستغرق عدة أشهر.
بيْد أن المشكلة الأساسية في الاتفاق النووي ليست في خداع الإيرانيين، بل تحديداً في الصيغ المتفق عليها. بحسب الاتفاق، المنشآت العسكرية في إيران ظلت “خارج مجال” عمل مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فبحسب البند 74 في الاتفاق، تُقدَّم الطلبات لمراقبة هذه المنشآت “مع الأخذ في الاعتبار السيادة الإيرانية… ولا يكون هدفها التدخل في الأنشطة العسكرية أو نشاطات الأمن القومي الأُخرى لإيران.” هذه الصيغة كانت كافية كي يعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، بعد أسبوع من توقيع الاتفاق، أن زيارات من هذا النوع “تتخطى الخطوط الحمراء”، وأن إيران حققت نجاحاً كاملاً في ضمانها ألّا يسمح الاتفاق بمثل هذه الزيارات. وأعلن المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي في تلك الفترة أن “قادة الجيش لا يحق لهم إطلاقاً السماح للأجانب بتخطّي هذه الحدود، أو وقف التطوير العسكري للدولة، بحجة المراقبة والتحكم.”
جدية هذه التصريحات اختُبرت بعد عامين عندما طلبت الولايات المتحدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في آب/أغسطس 2017، فحص مواد نووية غير مسموح بها في منشآت عسكرية في إيران. بعد شهر أعلن المستشار الكبير لخامنئي علي أكبر ولايتي أن إيران لن تسمح بذلك، وفي اليوم التالي أعلن وزير الخارجية ظريف أن البند 74 من الاتفاق النووي يشدد على أن زيارة مواقع عسكرية إيرانية “لا يمكن أن تُستخدَم ذريعة لجمع معلومات سرية عن إيران.” كان هناك استثناء واحد لهذا الموقف: من أجل إنهاء النقاش السياسي الذي سبق الاتفاق بشأن نشاطات إيران العسكرية، سمحت إيران بزيارة موقع عسكري لها في بيرشين، لكنها لم تسمح سوى لرئيس وكالة الطاقة يوكيا أمانو بالدخول إلى الموقع لدقائق معدودة ومن دون هاتف خليوي. والعيّنات من الأرض لم يأخذها المراقبون بل أعطاهم الإيرانيون إياها.
حتى في المواقع غير العسكرية المشتبه بها لم يسمح الاتفاق بالزيارة في غضون فترة قصيرة، ووُضعت أمام الزيارة عدة عقبات: المرحلة الأولى، ضرورة تزويد إيران بالأساس الاستخباراتي للطلب. المرحلة الثانية، يتعين على الوكالة الدولية للطاقة الذرية تزويد إيران برسالة تفصيلية بكل المعلومات ذات الصلةـ وفي إمكانها عرض طريقتها لإثبات عدم وجود مواد نووية في الموقع من زيارته.
في حال عدم وجود اتفاق، تقترح إيران انتقال الموضوع من الطرف المهني، أي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى “لجنة مشتركة” تضم أعضاء من الأطراف الثمانية المشاركة في الاتفاق النووي، بمن فيهم إيران. بذلك تمر 3 أسابيع، وفي حال عدم الاتفاق مع إيران يمكن نقل المسألة إلى النقاش في إطار وزراء خارجية الدول المشاركة في الاتفاق مدة أسبوعين إضافيين، يمكن تمديدها في الاتفاق. بناء على ذلك أيضاً لا يسمح الاتفاق فعلياً بفحص مفاجىء لمنشآت مدنية مشتبَه بأنشطتها النووية “في المكان المنشود، وفي الزمن المنشود”.
من أجل تفجير نووي ناجع لا تكفي مواد انشطارية بل يجب التحكم أيضاً في المعرفة المطلوبة لانفجار متزامن متعدد النقاط ومتكافىء في هذه المنشأة. لذلك خصص الإيرانيون في ڤيينا اهتماماً كبيراً وخاصاً بالبند 82 في الاتفاق، والذي يقول: “إيران لن تعمل في أنشطة لاحقة تؤدي إلى تطوير أداة تفجير نووية”، “إلّا إذا وافقت اللجنة المشتركة على استخدامات غير نووية وخاضعة للرقابة.” طبعاً هناك الكثير لنتعلمه عن الاستخدامات غير النووية، لكن المشكلة الأساسية التي ينطوي عليها هذا البند هي أن ليس لهذه “اللجنة المشتركة” – السياسية – أي قدرة على الرقابة، بينما الوكالة الدولية للطاقة الذرية صاحبة القدرة المهنية أُبعدت عن قصد عن هذا الجانب الحيوي.
منذ سنة 2015 لم تطلب إيران أبداً الموافقة على أنشطة في هذا المجال أو ما شابه، وعندما طلبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سنة 2017 مراقبة إيران، بحسب هذا البند، تلقى أمانو تعليقاً مشتركاً من إيران وروسيا مفاده أن ليس من صلاحية الوكالة تطبيق هذا البند، بحسب اتفاق ڤيينا، لأن هذه المشكلة تعني اللجنة المشتركة. هكذا استغل الإيرانيون استعجال خصومهم، وبموافقتهم سمحوا لأنفسهم بالتقدم نحو قنبلة نووية كان هدف الاتفاق منعها.
ليس مستغرباً والحال هذه أن يكرر الإيرانيون الإعلان أنهم لن يوافقوا على تغيير أي بند من بنود الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في سنة 2015، والذي يعتبرونه رصيداً لأمنهم القومي. الدول التي تطالب بإجبار إيران على الامتثال للاتفاق المقصر الذي وقّعته كان عليها أن تتعلم ما هي عيوبه، وأن تدرك كيف تقودها إيران من خلاله من أنفها. إدراكاً منه مَن هم خصومه سمح علي خامنئي لنفسه بأن يهدد في خطابه الأخير في مجلس الخبراء في إيران (22/2): “إذا قررت الجمهورية الإسلامية امتلاك سلاح نووي، فإن المهرج الصهيوني ومَن هم أكبر منه لن يستطيعوا منعها.”

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية