هآرتس: المحادثة الهاتفية لم تحدث، لكن العملية السياسية بين الولايات المتحدة وإيران لم تمت

هآرتس: المحادثة الهاتفية لم تحدث، لكن العملية السياسية بين الولايات المتحدة وإيران لم تمت

تسفي برئيل – مراسل سياسي اسرائيلي/

الجهود الفاشلة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء محادثة هاتفية بين دونالد ترامب وحسن روحاني، تذكّر بجهود الخاطب في مسلسل “شتيسل” [مسلسل إسرائيلي عن عائلة حريدية يحاول فيها الأب أن يخطب امرأة لابنه]. على ما يبدو جرى الإعداد لكل شيء. فقد جرى تركيب خط هاتفي محمي خاص في فندق “هيلتون ميلينيوم” في نيويورك حيث كان ينزل روحاني. ترامب كان ينتظر بنفاذ صبر بالقرب من الهاتف في البيت الأبيض أن يخرج روحاني من جناحه ويعبر عشرات الأمتار إلى حيث يوجد الهاتف، ومعاً يصنعان التاريخ. لكن هذا لم يحدث. روحاني لم يأتِ حتى بعد أن تجمّع ماكرون ورجاله أمام بابه، وبقيت السماعة مرفوعة في يد ترامب. ليس من الواضح من العديد من الروايات بشأن ما جرى بأنه كان هناك تعهد بإجراء الحديث، وهل تراجع روحاني في اللحظة الأخيرة؟ وهل بادر ماكرون إلى القيام بترتيبات تقنية على أمل حدوث ذلك؟ أم أن ما حدث هنا كان سوء تفاهم.
رغبة ترامب في إجراء حديث مباشر مع روحاني تحول إلى هاجس تقريباً. في قمة الدول الصناعية السبع في بياريتس في فرنسا في آب/أغسطس الماضي حاول ترامب أن يفرض نفسه على الاجتماع الذي جرى بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وماكرون. ماكرون حاول وظريف رفض الضغط. أولاً، يجب على الولايات المتحدة رفع العقوبات وبعدها تأتي الصورة، أوضح ظريف الموقف الأساسي للسياسة الإيرانية. هذا الموقف عززه أيضاً روحاني في خطابه في الأمم المتحدة: “الصورة التذكارية تؤخذ بعد المفاوضات وليس قبلها”.
بعدها دعا ترامب ظريف إلى زيارة البيت الأبيض. الدعوة ظلت في الدرج. بعد وقت قصير فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين كبار في الإدارة الإيرانية. والآن – لم تحدث المكالمة الهاتفية. من المثير للاهتمام أن نرى كيف سينتقم الآن ترامب للإهانة.
لكن عدم قيام اجتماعات مصورة لا يدل على أن العملية السياسية ماتت. لقد غيّرت إيران منذ وقت موقفها إزاء البدء بمفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة ومع سائر الدول التي وقّعت الاتفاق النووي. وبدلاً من الرفض المطلق لإجراء أي مفاوضات قبل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات وتسترجع عضويتها في الاتفاق النووي جاء موقف أكثر مرونة. في البداية اقترحت إيران توسيع نظام الرقابة على منشآتها النووية بصورة تتخطى ما جاء في الاتفاق النووي كبادرة حسن نية للدفع قدماً بالمفاوضات. الاقتراح رفضه ترامب الذي استند إلى رأي جون بولتون – الذي أُقيل في هذه الأثناء من منصبه كمستشار للأمن القومي – ووزير الخارجية مايك بومبيو.
هذا الشهر، قال المرشد الأعلى علي خامنئي “إذا تراجعت الولايات المتحدة عن انسحابها من الاتفاق النووي، تستطيع المشاركة في المفاوضات في إطار الدول الخمس زائد واحد”. في الأمس أعلن روحاني أن إيران أجرت في نيويورك لقاءات مهمة مع وزراء خارجية الدول التي وقّعت الاتفاق النووي – من دون الولايات المتحدة – جرت خلالها “بلورة الإعداد لمفاوضات بين إيران ومجموعة الدول الخمس زائد واحد، ووافق كل الأطراف على الإطار الذي ستجري فيه المفاوضات”. لم يوضح علامَ جرى الاتفاق، لكنه قال إن الولايات المتحدة رغم ذلك ستكون جزءاً من المفاوضات.
كلام روحاني هو استمرار للتصريح الذي أدلى به في نيويورك وقال فيه: “ما نعتقده هو أن الاتفاق النووي لا يعبّر عن الحد الأعلى من التوافقات (التي من الممكن التوصل إليها). هو يعبّر عمّا كان ممكناً في ذلك الوقت. الآن، إذا أردنا القيام بشي ما يتخطى الاتفاق، فإن هذا ممكن. لكنه مرتبط أولاً بالتطبيق الشامل والدقيق للاتفاق”. ويجب الانتباه إلى أن كلام روحاني المشجع جاء بعد أن فهم من الرئيس الفرنسي ومن زعماء آخرين أن ترامب سيكون مستعداً لرفع العقوبات عن إيران عندما تبدأ المحادثات.
فور ذلك، لم يكتفِ ترامب بتكذيب كلام روحاني، بل فرض أيضاً مجموعة عقوبات إضافية هي الـ 16 منذ بداية هذه السنة. مع ذلك، وعد روحاني بالكشف عن تفصيلات إضافية بشأن الاتفاقات التي تحققت عندما سيخطب أمام البرلمان في بلده.
لم تبق الولايات المتحدة لامبالية حيال المرونة الإيرانية، وتقدمت بشروط أكثر تواضعاً لإجراء مفاوضات. وبدلاً من الطلبات الـ12 التي قدمتها إلى إيران في أيار/مايو 2018، والتي تضمنت طلباً بزيارة المنشآت في إيران في أي وقت، وانسحاب كل القوات الإيرانية من سورية، ووقف تأييد حزب الله، ونزع سلاح فيلق القدس، ووقف تقديم الدعم للمتمردين الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى تجميد مشروع الصواريخ الباليستية وتقرير عن مشاريع سابقة لإيران من أجل تطوير سلاح نووي لأهداف عسكرية – بلور البيت الأبيض 4 أهداف ستدور حولها أي مفاوضات مستقبلية مع إيران: التعهد بعدم تطوير سلاح نووي لوقت طويل، وقف مساعدة الحوثيين والمساعدة في إنهاء الحرب في اليمن، تطبيق خطة لضمان الملاحة في مضائق هرمز، وعدم التدخل في نزاعات إقليمية.
هذه أيضاً شروط ضبابية تسمح، من جهة، بمرونة كبيرة في إجراء مفاوضات، ومن جهة ثانية، يمكن أن تؤدي إلى مفاوضات لا تنتهي، واحتمال فشلها كبير. يبدو أن إيران مستعدة للدخول في هذا النوع من المفاوضات بشرط الحصول أولاً على تنازلات ملموسة في موضوع العقوبات. وهي لا تثق بالوعود الأميركية، وخاب أملها بجهود الدول الأوروبية للالتفاف على العقوبات.
من خلال قراءة التعليقات في وسائل الإعلام الإيرانية يمكن أن نستخلص أن سياسة إيران تستند إلى فرضيتي عمل: إيران لا تواجه خطر هجوم عسكري أميركي عليها، وهي لا تزال قادرة على مواجهة الضغط الاقتصادي الذي تفرضه العقوبات. والافتراض الثاني أن الاقتصاد الإيراني – الذي تضرر بصورة قاسية – ليس مدمَّراً ، وفي الأساس لم تؤدِّ العقوبات إلى ثورة مدنية تشكل خطراً على النظام.

ثمة تقدير إيراني آخر هو أن ترامب بحاجة حالياً إلى إنجاز سياسي أكثر من إيران، لذلك هناك فرصة جيدة للحصول على تنازلات كثيرة من الجانب الأميركي، لكن لهذه الغاية يجب البدء بمفاوضات قريباً، وعدم الانتظار حتى نهاية ولاية ترامب. هكذا انقسمت الآراء داخل إيران بين من يدعم عدم إجراء مفاوضات مع الأميركيين، والعودة إلى المشروع النووي الأصلي، وبين من يؤيد إجراء محادثات تؤدي إلى إنهاء الأزمة الاقتصادية التي تهدد استقرار النظام. وهذا ليس انقساماً تقليدياً بين محافظين وإصلاحيين، بل هو بين أطراف متعددة بزعامة المحافظين، وبين قيادة الحرس الثوري وبين روحاني. في الفترة المقبلة من المنتظر أن ينتقل هذا الخلاف إلى الحديث العام بواسطة وسائل الإعلام، حينئذ سيكون من الممكن تقدير ماهية القرار الاستراتيجي الذي سيتخذه النظام.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية