هآرتس: الهجوم الإيراني زود ترامب بمخرج للتهرب من التصعيد

هآرتس: الهجوم الإيراني زود ترامب بمخرج للتهرب من التصعيد

حيمي شاليف – محلل سياسي اسرائيلي/

دونالد ترامب يشبه الولد المشاكس في الصف والذي يلقي خطاباً في احتفال في مدرسته، والمجتمع الدولي هو أساتذته ورفاقه الذين يتنفسون الصعداء عندما يفاجئهم بمحاضرة منظمة وعاقلة إلى حد ما. في الأمس في واشنطن كان هناك إجماع واسع على أن الهجوم الصاروخي الإيراني الذي لم يوقع إصابات وفّر لترامب مخرجاً لتفادي مواجهة عسكرية لا يرغب فيها، لكن نظراً إلى أننا نتحدث عن ترامب، يجب أن ننتظر حتى نهاية خطابه إلى الأمة للتأكد من أنه مقتنع بذلك.
غني عن القول إنه حتى عندما يحقق ترامب التوقعات، فإنه يفعل ذلك على طريقته. لقد وقف في المؤتمر الصحافي في البيت الأبيض وإلى جانبه جماعة متجهّمة من الوزراء والجنرالات، بينهم نائبه مايك بنس، والذين بدوا وكأنهم طغمة عسكرية (Junta) في أميركا الجنوبية.
يجب أن نعترف بأن خطاب الأمس كان نوعاً من اللحظات التي يجب أن نشكر الله على أن ترامب هو الرئيس وليس أوباما. لو كان أوباما هو الرئيس الذي تجاهل الاستفزاز الإيراني الواضح الذي تجاوز خطاً أحمر وضعه ترامب ضد الهجوم على جنود أميركيين في العراق قبل ساعات معدودة، ولم يتطرق إلى وقاحة تجرؤ الإيرانيين على إطلاق صواريخ باليستية لأول مرة على الجيش الأميركي، لكان اليمين في الدولة صنّفه كعضو في تنظيم الإخوان المسلمين ووصفه بأنه انهزامي.
في الخلاصة، صحيح حتى الآن أن ترامب يستطيع أن يسجل لنفسه إنجازاً حسناً، ويستطيع العالم أن يتنفس الصعداء على الأقل في الوقت الحاضر. لقد ضربت الولايات المتحدة ركناً أساسياً للنظام الإيراني وخرجت سالمة.
وإيران أظهرت أنها لا تخاف من النار – ولا تخاف من رئيس أهوج مثل ترامب – وأنها مستعدة لتحطيم كل القواعد قبل أن تفكر في الخضوع. ادّعى الإيرانيون أنهم قاموا بضربة ساحقة، وتحدثت تقارير، على طريقة “صوت العرب” من القاهرة [التي كانت تضخم خسائر إسرائيل في حرب حزيران 1967]، عن سقوط عشرات القتلى. ترامب لم يُعِر هذه التقارير أي أهمية، والطرفان خرجا راضيين.
سواء أكان الإيرانيون يمتلكون صواريخ دقيقة إلى حد أنهم يستطيعوا أن يكونوا واثقين بأنها لن تصيب أحداً، أم أن إلهة الحظ هي التي حمت الأميركيين، لأنها لم تكن مقتنعة بأن ساعة الحرب قد حانت، فإن رد طهران المدروس سمح لكل الأطراف بالنزول عن الشجرة العالية التي صعدوا إليها. إذا صدق منتقدو ترامب الذين يدّعون أن اغتيال سليماني كان خطوة متسرعة أوقعت الرئيس في ورطة كبيرة، فإن الإيرانيين هم الذين زودوه بحبل الخلاص، على الأقل حتى الآن.
أراد ترامب أن يمسك بالعصا من طرفيها. من جهة، أعلن عن زيادة حدة العقوبات واستمرار سياسة “الضغط الأقصى” على طهران، على الرغم من حقيقة أنها حققت حتى الآن نتائج معاكسة وجعلت إيران أكثر عدائية مما كانت عليه. ومن جهة ثانية، دعا ترامب آيات الله إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، على الرغم من أن إلغاء الاتفاق السابق في أيار/مايو 2018 هو الذي دفع الدولتين إلى الصدام. في القدس، من دون شك تسارع النبض عندما أسرف ترامب في مديح صفقته. مؤيدو ترامب ومنتقدوه متفقون على أن الاتفاق الذي وقّعه أوباما كان الأرضية للمواجهة الحالية.
يعتقد منتقدو الرئيس أن قراره الانسحاب من الاتفاق حشر طهران في الزاوية، وجعلها أكثر تطرفاً في عملياتها في المنطقة، وأدى في نهاية المطاف إلى تجديد محاولة الحصول على سلاح نووي. يعتقد مؤيدوه، وبينهم بنيامين نتنياهو، كما ادّعى ترامب في الأمس، أن توقيع الاتفاق وليس التخلي عنه هو الذي شجع إيران على تعميق عدوانها الإقليمي. وبحسب قولهم، قدّم الاتفاق لها أموالاً طائلة لتمويل مؤامراتها – بينها الحصول على صواريخ قصيرة المدى كتلك التي أُطلقت على القواعد في العراق، بينها مواقع للجنود الأميركيين.
يمكن القول إن خطاب ترامب رسم في الأمس نهاية بداية المواجهة الأميركية – الإيرانية المحتدمة، لكن ليس بالضرورة بداية النهاية. الرأي العام الإيراني، الذي ذُعر من اغتيال سليماني، والذي توحد بغضب في مواجهة الإدارة الأميركية، يمكن أن يكشف الفجوة الكبيرة بين تصريحات آيات الله المتغطرسة بشأن الضربة الكبيرة التي تلقاها الأميركيون، وبين بيان البنتاغون عن عدم وقوع إصابات، والجمهور الإيراني يمكن أن يطالب بتفسيرات.
كما أوضح خامنئي في الأمس، لا تعتبر طهران إطلاق الصواريخ نهاية الأمر. وخطتها التنكيد على حياة الجنود الأميركيين المنتشرين في العراق بواسطة الميليشيات الشيعية التي تحت تصرفها، لا تزال قائمة وتنطوي على مواجهة مستقبلية شبه أكيدة. لم تتراجع إيران عن تخليها عن القيود التي بقيت من الاتفاق النووي، وإذا سرّعت مشروعها النووي فعلياً، فإنها قد تدفع إلى رد عسكري كثيف من جانب الولايات المتحدة. أيضاً التهديدات العلنية التي جاءت أول من أمس من الحرس الثوري إزاء حلفاء الولايات المتحدة في الخليج الفارسي لا تنبىء بالخير وتفتح الباب أمام إساءات فهم خطرة.
تلك هي نقاط الخلاف المعروفة، لكن يجب أن نضيف إليها كل الاستفزازات الشخصية التي تبدو غير مهمة، لكن يمكن أن يتعامل معها ترامب كذريعة للحرب. يكفي أن يسخر خامنئي من ترامب على تويتر، أو يسخر منه أحد الديمقراطيين على فايسبوك، كي يشعل غضبه ويدفعه إلى الانتقام. مع ترامب لا يمكن أبداً أن نعرف. لذلك، حتى بعد التهدئة أمس، فإن الطريق لا تزال طويلة كي نستطيع النوم بهدوء.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية