هآرتس: الهجوم التركي على سورية يمكن أن يتدهور من عملية خاطفة إلى حرب استنزاف

هآرتس: الهجوم التركي على سورية يمكن أن يتدهور من عملية خاطفة إلى حرب استنزاف

تسفي برئيل – محلل سياسي اسرائيلي/
إعلان رجب طيب أردوغان البدء بالمعركة ضد المناطق الكردية في شمال سورية، ترافق بالأمس مع هجمات من الجو على بلدة تل أبيض. الصيغة التكتيكية للحرب لا تزال غامضة، لكن بدء الحرب، تحديداً في تل أبيض، يدل على أن التوجه الاستراتيجي هو السيطرة على المناطق في شرقي الفرات، ومنها الاستمرار غرباً، للانضمام إلى القوات التركية التي استولت على مدينة عفرين في آذار/مارس 2018. بذلك تكون تركيا قد تخطت “الخط الأحمر” الذي وُضع حتى الآن للمنطقة المحمية من الهجمات الجوية بحسب الاتفاقات بين تركيا والولايات المتحدة.
تركيا لم تضيع الوقت، مع خروج القوات الأميركية وتخلّي الرئيس الأميركي ترامب عن التزاماته حيال حلفائه، الشريط الكردي تحول إلى منطقة صيد مباحة. آلاف المدنيين الأكراد بدأوا بالفرار من منازلهم، وبحسب التقارير، المواجهات أوقعت ضحايا. من جهتهما، القيادتان السياسية والعسكرية للقوات الكردية أعلنتا حالة الطوارىء والتعبئة العامة.
روسيا وعدت بأن تحاول التوسط بين الأكراد وتركيا لمنع سفك كبير للدماء ، لكن بالنسبة إليها احتلال تركي موقت يمكن أن يضمن، لاحقاً، انتقال المنطقة المحتلة إلى يدي نظام الأسد، وتسريع العملية السياسية التي تدفع بها قدماً. خيار آخر أكثر واقعية هو أن يبدأ الأكراد حرب عصابات واسعة ضد القوات التركية، تحول المنطقة الكردية إلى فيتنام تركية. من الممكن أيضاً أن يحاول الأكراد نقل الحرب إلى داخل المناطق التركية بواسطة هجمات كبيرة والمسّ مباشرة بالمراكز السكانية في المدن التركية، وفقاً لنموذج الهجمات التي قام بها حزب العمال الكردستاني في السنوات الأخيرة.
الوقت هو عامل مهم جداً في هذه المعركة، وخصوصاً بالنسبة إلى الجانب التركي. كلما كانت الحرب واسعة وقوية وسريعة أكثر وتؤدي إلى حسم عسكري قاطع، تستطيع تركيا التهرب من الضغوط الدولية المتصاعدة والمتكثفة. الأكراد، في المقابل، ليسوا في عجلة من أمرهم. حرب استنزاف طويلة وناجعة يمكن أن تجند رأي عام مؤيداً، سواء في الدول الأوروبية أم في الولايات المتحدة، وهي في الأساس يمكن أن تحرك احتجاجاً جماهيرياً في تركيا نفسها.
من أجل خفض عدد القتلى في الحرب البرية، تكلف تركيا ميليشيات “الجيش السوري الحر” الذي يعمل إلى جانب القوات التركية، مهمة الاحتلال البري. بحسب الناطق بلسان هذه الميليشيات، فإن المطلوب منها استخدام” يد قوية ونار حرة” ضد المقاومة الكردية. لكن عندما يكون المقصود خط حدود يمتد على اكثر من 450 كيلومتراً وبعمق نحو 30 كيلومتراً، لا مفر من دخول قوات مدرعة وراجلة تركية إلى ساحة القتال.
فرص حل سياسي سريع للأزمة مرتبط في هذه المرحلة بروسيا التي تستطيع أن تمارس ضغطاً فعالاً على تركيا للجم مواصلة هجومها. من المحتمل أن روسيا تنتظر كي ترى كيف ستجري المعركة العسكرية التي أثارت انتقادات من جانب إيران، كي تقرر هل ستقف مع الأكراد ومع الجيش السوري، أم ستسمح لتركيا باحتلال المناطق الشمالية ثم تجري معها مفاوضات على إخلائها. وذلك كي تتيح لجيش الأسد السيطرة عليها من دون معارك إذا هُزمت القوات الكردية.
الولايات المتحدة التي تخلت نهائياً عن الأكرادـ هددت تركيا بتدمير اقتصادها إذا خرقت “الخطوط الحمراء” التي اتفق عليها أردوغان وترامب في محادثة هاتفية أجراها الإثنان؛ لكن يبدو أن هذا التهديد فارغ تماماً مثل تحذير ترامب بمعاقبة تركيا إذا اشترت منظومات صواريخ أس-400 من روسيا. السياسة الأميركية، إذا كان يمكن تسميتها كذلك، هي حالياً مشابهة تماماً لسياسة الرئيس جيرالد فورد وهنري كيسنجر في مطلع السبعينيات إزاء الأكراد.
لم يكن الرئيس فورد الرئيس الأميركي الوحيد الذي وجّه صفعة مدوية للأكراد. أيضاً الرئيس جورج بوش الأب تعامل مع المذبحة التي ارتكبها صدام حسين ضد الأكراد والشيعة بصفتها “مسألة داخلية”. أيضاً اليوم ليس للأكراد عنوان في الولايات المتحدة التي قال رئيسها: “كان يجب الخروج منذ وقت طويل من هذه الحروب الغبية”، والذي يعتبر الدخول إلى الشرق الأوسط أكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة.
ليس فقط الدعم الأميركي تبخر، لا يستطيع الأكراد في سورية الاعتماد على تضامن كردي يساعدهم من خارج حدود سورية. توجد بين زعامة الإقليم الكردي في العراق وبين الزعامة الكردية السورية خلافات أيديولوجية عميقة، وشكوك حيال نية زعامة الإقليم الكردي في العراق السيطرة على الحركة الكردية في سورية. وتوجد علاقات اقتصادية وسياسية قوية بين الإقليم الكردي في العراق وبين تركيا، وزعامته تشارك في الحرب التركية ضد حزب العمال الكردستاني.
التخوف الكردي حالياً هو من أن تحظى الحرب التركية ضد الأكراد بلقب “حرب داخلية”، أو على الأكثر أن تثير تعاطفاً دولياً بسبب النتائج الإنسانية القاسية المتوقعه منها. وهكذا يمكن أن تتحول “المشكلة الكردية” في سورية إلى حكاية تحرمهم القدرة على التفاوض على حقوقهم ووضعهم، عندما تنضج المفاوضات السياسية وتبدأ مناقشة الدستور السوري الجديد.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية