هآرتس: بينت يريد إخراج إيران من سورية، في الجيش يعتقدون أن تقليص قواتها هو هدف أكثر واقعية

هآرتس: بينت يريد إخراج إيران من سورية، في الجيش يعتقدون أن تقليص قواتها هو هدف أكثر واقعية

عاموس هرئيل – محلل عسكري اسرائيلي/

في خطابه الذي ألقاه في الأول من أمس (الأربعاء) خلال ندوة في ذكرى اللواء أمنون ليفكين – شاحاك في مركز هرتسليا المتعدد المجالات، شدد رئيس الأركان أفيف كوخافي على إيران كمشكلة أمنية مشتعلة. ونشأ انطباع لدى سامعيه أن رئيس الأركان يعتبر حدوث مواجهة أشد خطورة مع طهران أمراً محتوماً. عدّد كوخافي في كلامه الانتهاكات الإيرانية المدروسة للاتفاق النووي مع الدول العظمى. من وجهة نظر إسرائيلية، أكثرها أهمية تلك المتعلقة باستئناف العمل في منشأة فوردو المبنيّة تحت الأرض، الموقع الأكثر حساسية الذي عالجه الاتفاق. وفي الوقت عينه، انتهجت طهران في الربيع الماضي سياسة أكثر عدوانية في الخليج، من خلال شن هجمات منهجية على سفن ومنشآت للنفط. ونبّه كوخافي إلى أنه لا يوجد “رد، ولا انتقام، ولا ردع”، في مواجهة هذه الهجمات، لا من جانب دول الخليج، ولا من جانب الولايات المتحدة أيضاً – على الرغم من أن رئيس الأركان لم يذكر ذلك صراحة.
الزعيم الروحي الإيراني علي خامنئي، هو الذي دفع من أجل البدء بالهجمات، رداً على تجدد العقوبات الأميركية، في أعقاب قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018. غضب خامنئي من الرئيس الإيراني حسن روحاني، واتهمه بأن إيران لم تربح شيئاً من الاتفاق النووي. على خلفية الإحباط جرّاء العقوبات الصارمة والخوف من انتخاب ترامب لولاية ثانية في سنة 2020، ومن أن يستمر في الضغط الاقتصادي على إيران أربع سنوات أُخرى، بدأت إيران هجوماً، كانت ذروته حتى الآن، الهجوم القاسي على منشآت النفط السعودية في منتصف أيلول/سبتمبر. يدّعون في الجيش [الإسرائيلي] أن الهدف الإيراني الأعلى لم يتغير. الإيرانيون يرغبون في إقناع ترامب، بالقوة إذا اقتضى الأمر ذلك، بالعودة إلى التفاوض على اتفاق نووي، مع رفع العقوبات الاقتصادية.
في الوقت عينه، غيّر الإيرانيون سياستهم إزاء إسرائيل. في الأشهر الأخيرة، قررت طهران أن ترد عسكرياً على كل هجوم إسرائيلي مهم في سورية والعراق ولبنان. ونبّه كوخافي إلى أن “ثقتهم بنفسهم ازدادت”، وعملياً، توقّع وقوع صدام في سنة 2020. لقد تعهد رئيس الأركان مواصلة التصرف “بحكمة ومسؤولية”، لكنه أضاف أن إسرائيل لن تسمح لإيران بالتمركز عسكرياً في المنطقة الواقعة شمالها. وأوضح أن الخط الأحمر الإسرائيلي يشمل أيضاً العراق.
في إسرائيل، يصورون الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والذي يركز جهود التمركز العسكري وتهريب السلاح، كرجل يخطط جيداً وعاقل وعنيد. سليماني متمسك برأيه في مواصلة مشروعه في الشمال، حتى لو اضطر، هنا وهناك، إلى تقديم تقارير مضللة إلى خامنئي بشأن حجم المقاومة التي يواجهها من إسرائيل. من خطاب كوخافي، وأيضاً من أحاديث مع مسؤولين كبار في المستوى السياسي وفي المؤسسة الأمنية، تظهر صورة موحدة جداً: إسرائيل ستزيد جهود ضرب الإيرانيين في الشمال. الهدف الأخير لهذه العمليات أقل وضوحاً. الوزير بينت يتحدث علناً عن رغبته في إخراج كل القوات الإيرانية من سورية. يبدو أن الجيش يعتقد أن الهدف الأكثر واقعية سيكون تقليص وجود الحرس الثوري والميليشيات الشيعية هناك.
تعتقد إسرائيل أنها قادرة على أن تستغل لمصلحتها التوتر الداخلي في المحور الذي ضمن انتصار نظام الأسد في الحرب الأهلية السورية. روسيا ليست سعيدة باستمرار النفوذ الإيراني في سورية، وبشار الأسد ليس مسروراً من أن الهجمات الإسرائيلية تضعه في صدام دائم مع إسرائيل (التي يدمر خلالها سلاح الجو الإسرائيلي بطاريات دفاعه الجوي)، وحزب الله لا يريد القيام بهجمات انتقامية ضد إسرائيل فقط لأن كرامة سليماني قد مُسّت.
شدّد كوخافي في خطابه على العلاقات العسكرية الوثيقة بروسيا. بنيامين نتنياهو تباهى في الأمس في إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن صداقته مع الرئيس فلاديمير بوتين منعت عدة مرات وقوع معارك جوية بين طائرات إسرائيلية وطائرات روسية في سماء سورية. وقال وزير في المجلس الوزاري المصغر لـ”هآرتس” إن موسكو تريد منا أن نقوم بدلاً منها بالعمل الوسخ في سورية، وأن نطرد الإيرانيين. وبعد ذلك ستحرص، طبعاً، على إدانة الهجمات الإسرائيلية”. هذا كلام مهم، لكنه مرتبط برهان استراتيجي كبير، سيكون اختباره رد بوتين على زيادة حدة الهجمات الإسرائيلية.
مقارنة بخطابات رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، خصص كوخافي في كلامه وقتاً محدوداً للمسائل التي تتعلق بعلاقة الجيش الإسرائيلي بالمجتمع. أيزنكوت، على عكس الهجمات المتكررة عليه من اليمين، ركّز بكثافة على نشاط هجومي واسع داخل الحدود وخارجها. لكن ولايته وقعت إلى حد بعيد في ظل الخلاف بشأن محاكمة أليؤر أزرايا [الجندي الذي قتل بدم بارد فلسطينياً جريحاً لا يشكل خطراً عليه]، ومحاولته كبح تأثير المنظمات الحريدية – القومية في ما يجري في الجيش.
يريد كوخافي أن يميز نفسه عن الذي سبقه، وهو لا ينجذب إلى هذه الموضوعات ويبدو أنه يتخوف أيضاً من التورط مع السياسيين، وخصوصاً في فترة الانتخابات التي نواجهها ولا نهاية لها. لذلك، هو يكتفي بكلام عام، من قلب الإجماع العام، عن أهمية الجيش الإسرائيلي بالنسبة إلى المجتمع الإسرائيلي. في خطابه قال إن الجيش ليس شركة ناشئة، بل “Build up” قومي للمجتمع الإسرائيلي. الشبان والشابات الذين ينهون خدمتهم العسكرية الإلزامية يصلون إلى الحياة المدنية ناضجين ولديهم خبرة أكبر. مهما كان هذا الكلام صحيحاً، فإنه لا يثير خلافات، ولن يصل إلى العناوين الأولى في الصحف.
تشديد كوخافي على زيادة فتك العمليات العسكرية، والعمل التسويقي النشيط لكل هجوم في غزة (الذي يُصوّر على الدوام بمصطلحات دراماتيكية تبالغ في وصف ما جرى في الواقع)، وحقيقة أن نتنياهو وبينت لا يريان فيه حتى اللحظة خطراً سياسياً مستقبلياً – كل ذلك يقوي مكانة رئيس الأركان الجماهيرية. في اليمين يحضنونه ويحبونه.

لقد جرى وصف رئيس الأركان هنا عدة مرات في الأشهر الأخيرة كشخص دفعته الأوضاع السياسية الاستثنائية إلى أن يكون الرجل الناضج المسؤول. في الليلة التي أُطلق فيها صاروخ على أشدود في أيلول/سبتمبر الماضي، كان مندلبليت هو الذي منع، في اللحظة الأخيرة، القيام بعملية عسكرية كان يبدو أنها خطرة. بعد مرور شهر، وعندما كان نتنياهو بحاجة ماسة إلى ذريعة من أجل إدخال حزب أزرق أبيض إلى الائتلاف بشروطه، وأطلق تحذيراً استراتيجياً قصير الأجل بشأن خطر إيراني مباشر، الجيش سايره. أيضاً عندما أراد رئيس الدولة رؤوفين ريفلين الجمع بالقوة بين نتنياهو وغانتس، وأن يفرض عليهما حكومة وحدة، رئيس الأركان ساعده بصورة غير مباشرة، من خلال التركيز على الحاجة إلى اتخاذ قرارات حاسمة بشأن الميزانية الأمنية والخطة المتعددة السنوات للجيش الإسرائيلي. الاختبارات التي سيواجهها كوخافي في المستقبل ستكون أصعب، بسبب الاحتكاك بالإيرانيين في الشمال، والتهديد الجنائي لنتنياهو، والانتخابات الثالثة التي تقترب.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية