هآرتس: تركيا، أختنا التوأم

هآرتس: تركيا، أختنا التوأم

جدعون ليفي – محلل سياسي اسرائيلي/

موجة مؤثرة من الإنسانية، والخوف على حقوق الإنسان، ومعارضة أعمال الاحتلال والتعاطف مع الشعوب المقموعة تجتاح مؤخراً اليمين الإسرائيلي. كل شخص عنصري تحول إلى رينيه صموئيل كاسان [1887-1976 قاض فرنسي يهودي حائز على جائزة نوبل للسلام، من الذين شاركوا في كتابة إعلان حقوق الإنسان]، وكل شخص قومي تحول إلى نيلسون مانديلا.
أولى المدافعات عن حقوق الإنسان والمعارضة المشهورة للاحتلال، كانت الأم تيريزا الإسرائيلية أييليت شاكيد: “الأكراد هم أكبر شعب في العالم من دون دولة” غردت، “شعب قديم لديه علاقة تاريخية خاصة بالشعب اليهودي. من حقه الحصول على دولة” – وتنهمر الدموع من تلقاء نفسها. ليس من الواضح إذا كان يحق للأكراد دولة بسبب علاقتهم الخاصة باليهود، سبب قوي، أو لأنهم أكبر شعب من دون دولة، لكن ماذا يغيّر ذلك. من حق شعب مسحوق الحصول على دولة. ليس في إمكان أحد أن يظل لا مبالياً حيال صرخة الحق هذه لشاكيد، ولكن الأمر ليس كما اعتقدنا. هل هناك فرق بين الأكراد والفلسطينيين! لا تضحكوا من شاكيد.
لكن هذا كان فقط البداية. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المدافع الشرس عن الحريات أكثر من شاكيد، ألقى بكل ثقله الأخلاقي المشهور: “إسرائيل تدين بشدة الغزو العسكري التركي وتحذّر من التطهير الإثني للأكراد… إسرائيل ستبذل كل جهدها لتقديم مساعدة إنسانية للشعب الكردي الشجاع”. على أقل من ذلك بكثير نال سياسيون جائزة نوبل للسلام. إسرائيل تدين غزو دولة أجنبية وتقترح تقديم مساعدة إنسانية لشعب شجاع يقاتل دفاعاً عن حريته، مستشفى ميداني تابع للجبهة الداخلية أصبح على الطريق. منذ إنقاذ يهود الدانمارك في السويد لم نشهد مثل هذه التعبئة في دولة.
لن نظلم أيضاً موشيه يعالون، إنساني آخر معروف، الذي دعا إلى تقديم مساعدة للأكراد، ويائير لبيد، مارتن لوثر كينغ الإسرائيلي الذي دعا العالم الحر الذي هو أحد زعمائه البارزين، إلى التجند من أجلهم. لبيد طالب حتى بالاعتراف الآن بالمجزرة التي حدثت للشعب الأرمني، وسجّل قمة جديدة في النفاق: اعتراف بإبادة شعب آخر كعقوبة وكانتقام.
هكذا يظهر النفاق في أبشع صوره، وهكذا يظهر العمى. فقط عين كسلى يمكنها ألّا تميز الازدواجية الأخلاقية التي تظهر في كل كلمة من كلمات دعاة الأخلاق الجدد الذين لا يرون حدبتهم. تفعل تركيا الآن تماماً ما تفعله إسرائيل منذ سنوات في غزة، وفي الضفة، وفي لبنان. لقد كنا مثل تركيا، ونحن نشبه أردوغان – فقط عيون قصيرة النظر لا تلاحظ ذلك. كل شيء متشابه بصورة مخيفة. بدءاً من اختيار اسم العملية “نبع السلام” – عملية وحشية أُخرى نقوم بها في غزة أو في لبنان، ويكون لدينا نبع سلام بعد “سلامة الجليل” [الاسم الذي أُطلق على الغزو الإسرائيلي للبنان في سنة 1982] وعملية “عناقيد الغضب” [ضد الجنوب اللبناني في سنة 1996] و”الجرف الصامد”[اسم العملية العسكرية الإسرائيلية ضد غزة في سنة 2014]. الأتراك، من سوء حظهم، نسخوا عنا أيضاً مصطلح “المنطقة الآمنة” كذريعة للاحتلال. مثلنا يسمون مئات القتلى الذين قتلوهم “إرهابيين”. كلهم مخربون. كل شهيد كردي، كل قتيل فلسطيني. طبعاً لا وجود للآلاف من المدنيين الذين ذُبحوا ، لا في شمال سورية ولا في جنوب قطاع غزة.
هل ترون الهجمات على الأكراد؟ هل ترون وحشيتها؟ هكذا تماماً يرى العالم هجمات إسرائيل على غزة. جيش يهجم على أبرياء، في بيت حانون هم أكثر براءة ممن هم في كوباني، قصف في مقابل قنبلة، غزو في مقابل غزو، ظاهرياً حرب ضد الإرهاب – في الحالتين الحرب الحقيقية ليست على الحرية. في العامين الأخيرين قُتل مئات المتظاهرين العزل على السياج الحدودي في غزة المحاصرة، واليمين الإسرائيلي مصدوم من المجزرة ضد الأكراد. جرحى ومعوقون من غزة لا يستطيعون الحصول على معالجة طبية – وإسرائيل تدعو إلى تقديم مساعدة إنسانية للأكراد، وليس إلى الجرحى والمعوقين الذين هي السبب في إعاقتهم.
مع ذلك هناك فرق واحد: في شمال سورية هناك مكان يمكن الفرار إليه، في غزة لا يوجد، فقط البحر، المحاصر هو أيضاً. لا ترون في غزة قوافل اللاجئين الفارّين كما في سورية، قوافل اللاجئين الأخيرة في غزة كانت في سنة 1948. ربما لذلك يحذر نتنياهو من تطهير إثني، وتقول زعيمة اليمين شاكيد إن من حق الأكراد الحصول على دولة. هل هناك مزحات أكثر مرارة من ذلك؟

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية