“هآرتس”: “حماس” بحاجة ماسة إلى تسوية

“هآرتس”: “حماس” بحاجة ماسة إلى تسوية

عاموس هرئيل – محلل عسكري إسرائيلي —

على الرغم من أنه بقي أقل من شهرين على انتخابات الكنيست، فإن جدول الأعمال السياسي لم يستبعد تماماً حدوث تطورات أمنية. الجزء الأساسي من الاهتمام تثيره الحوادث التي تقع على الجبهة السورية- تبادل التهديدات الذي نسمعه هنا وهناك، وصولاً إلى تبادل إطلاق النار بين إسرائيل والقوات الإيرانية وحزب الله. لكن الخطر الأكبر لحدوث انفجار في الفترة التي تسبق الانتخابات ما يزال موجوداً في الجنوب، في قطاع غزة.
تضمنت تقديرات الاستخبارات العسكرية لسنة 2019، مثل العامين الماضيين، تحذيراً استراتيجياً من تدهور على الساحة الفلسطينية. تغيرات في العلاقات بين القوى الداخلية في السلطة الفلسطينية وفي العلاقات الأمنية مع إسرائيل، على خلفية تقدُّم رئيس السلطة محمود عباس في السن، وخروجه المتوقع من الحياة السياسية، يمكن أن تؤدي إلى تصعيد الإرهاب في الضفة الغربية وحتى إلى مواجهة واسعة جداً. وفي قطاع غزة، استمرار الأزمة الحادة في البنى التحتية يزيد من الضغط على حكم “حماس” ويمكن أن يدفعها إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل، على الرغم من الإدراك (الذي تحوّل إلى كليشيه) بأن لا “حماس” ولا إسرائيل ترغبان حالياً في نشوب حرب شاملة.
ليس صدفة أن الزيارة الأولى التي قام بها رئيس الأركان الجديد أفيف كوخافي لدى استلامه منصبه، كانت إلى فرقة غزة. أيضاً وافق رئيس الأركان على خطة مع جدول زمني سريع، لتحسين جهوزية الجيش لمواجهة سيناريوهات قتال متعددة في القطاع. وقد أُعطيت هذه الخطة أولوية مالية على الاستعدادات في ساحات أخرى.
بالاستناد إلى تقديرات الاستخبارات العسكرية، يريد زعيم “حماس” يحيى السنوار تغيير الوضع المدني في القطاع الذي يهدد استقرار حكمه في الظروف الحالية. مسيرات العودة على طول السياج الحدودي مع إسرائيل حققت إنجازات لـ”حماس” اتخذت شكل تسهيلات معينة منحتها إسرائيل في المجال المسموح به للصيد، وفتح معبر رفح مع مصر فترات أطول. لكن “حماس” بحاجة إلى أكثر من ذلك. الصور التي تُظهر السنوار في غزة يحضن موفد الأمين العام للأمم المتحدة نيكولاي ملادنوف، تدل على أن المخرب الذي كان مسجوناً أكثر من 20 عاماً في إسرائيل، يتصرف الآن وفق قواعد أُخرى.
السنوار بحاجة إلى تسوية مثل حاجته إلى الهواء للتنفس، وهو مستعد لأن يفعل كثيراً كي تحدث. لكن من الصعب على السنوار و”حماس” قبول تسوية لا تتضمن رفع الحصار إلى حد كبير، ومشاريع واسعة في مجال البنى التحتية، وعلى الأقل الأمل مستقبلاً بإقامة مرفأ بحري. في غياب هذا كله هو يفكّر في المبادرة إلى إيقاع حوادث على طول السياج- مثل كمائن القناصين وإطلاق صاروخ مضاد للدبابات التي استخدمتها تنظيمات أُخرى في الأشهر الأخيرة- حتى لو أدى هذا الأمر إلى تدهور الطرفين إلى حافة الحرب.
في قيادة المنطقة الجنوبية يشددون على دور حركة الجهاد الإسلامي في الأحداث. منذ استلام زياد النخالة منصب الأمين العام للحركة (الذي حل العام الماضي محل رمضان شلح في أعقاب تدهور وضعه الصحي)، تنتهج الحركة خطاً تصعيدياً حيال إسرائيل، وتتحدى “حماس” بصورة متعمدة. في الأسبوع الماضي عرضت الحركة شريطاً يوثق الحادثة التي أطلق فيها قناص النار على خوذة قائد سرية تابعة للواء المظليين خلال تظاهرة على السياج. لقد كانت هذه الخطوة استفزازية تجاه “حماس” ومصر، اللتين كانتا في ذلك اليوم تبحثان في القاهرة في شروط التسوية. إلى حد كبير كل الأطراف معلقة بمناكفات الجهاد وبمحاولاته عرقلة تحقيق التهدئة.
في الاستخبارات العسكرية وفي الشاباك أيضاً، يشعرون بالقلق أيضاً حيال محاولات “حماس” المتكررة إشعال الضفة تحت أقدام السلطة الفلسطينية وإسرائيل. أول أمس أعلن الشاباك اعتقال خمسة ناشطين لـ”حماس” من الضفة الغربية والقدس الشرقية كانوا يعملون، بحسب ادعائه، تحت قيادة الحركة في القطاع. هذه المرة أيضاً جرى إحباط المخططات. لكن المثير للانتباه أنها شملت أيضاَ محاولة إرسال ناشط من “حماس” إلى منطقة الخليل للقيام بهجوم انتحاري في باص في مدينة اللد.
لم تتخلّ “حماس” مطلقاً عن الهجمات الانتحارية، لكن استخدام هذا الأسلوب تراجع كثيراً منذ إخماد الانتفاضة الثانية. السبب الأساسي لذلك كان النجاح العملاني للأذرع الأمنية الإسرائيلية.
هناك اعتبار آخر، على ما يبدو، يتعلق بالفهم الذي تبلور لدى جزء من زعماء التنظيمات بأن إرهاب الانتحاريين يدمر أي فرصة في أن يحظى نضالهم بشرعية دولية، ويكبد المجتمع الفلسطيني ثمناً باهظاً. يدل تجدد الجهد للقيام بعمليات انتحارية على أن “حماس” مستعدة لأن تزيد من حجم رهانها في الضفة، حيث السلطة ليست في يدها.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية