هآرتس: عذراً أننا فزنا

هآرتس: عذراً أننا فزنا

أوري مسغاف – محلل سياسي اسرائيلي/

يتصرف بني غانتس في الأسبوع الأخير كأن قنبلة تزن طناً وقعت عليه. يبدو أحياناً أنه وحزبه يعكسان مزاجاً عاماً. لقد انخرط معسكر كامل بكل قوته في معركة أخيرة للجم الذين يدمرون الديمقراطية وسلطة القانون، وحقق إنجازاً هو أفضل بكثير مما كان يحلم به في الظروف الحالية – لكنه خاف من نفسه. عذراً أننا فزنا. لم نقصد ذلك. هذا أمر يمكن أن يبعث على الجنون.
يقف غانتس على رأس أكبر حزب في إسرائيل، ومن ورائه تقف كتلة مانعة مؤلفة من 57 عضو كنيست، نحو 54 منهم أوصوا به لدى رئيس الدولة – بمن فيهم مجموعة شجاعة وتاريخية مكوّنة من توازي ثلاثة أرباع القائمة المشتركة. لكن مع ذلك يتصرف هذا الحزب بتواضع وضعة نفس. يتنازل عن تفويضه تأليف أول ائتلاف حكومي، ويبدأ سلسلة محادثات ودية مع الليكود ومع المحرض والمتهم جنائياً الذي يترأسه. إن ذلك بمثابة البصق في وجه ناخبيه وسائر الأحزاب الأُخرى التي وقفت إلى جانبه، والتي تشكل موضوعاً دائماً للتحريض (اليساريون والعرب). وحتى لو كان المقصود مناورات تكتيكية ذكية، فإن هذا يثبط عزيمة المعسكر ويضعفه.
يتصرف غانتس كما لو أنه وصل إلى قمة حياته السياسية عندما استُقبل بتصفيق عاصف في حفل شلومو أرتسي. مجدداً يبرز التخوف من أن يكون الفوز كبير عليه. ربما لا يهمه فعلاً أن يكون في السلطة، كما اعترف بصدق مؤثر. لقد تضمن هذا شيئاً من الجاذبية في مقابل شهية السلطة المدمرة التي لدى بنيامين نتنياهو. لكن “التعقل” و”الرسمية” الزائدين يتركان الساحة لخصمه الذي يمثل كل شيء باستثناء التعقل والرسمية. في الحقيقة، الرئيس رؤوفين ريفلين، منذ الانتخابات، خرج عن نطاق مهمته. على ما يبدو أحبَّ أن يكون صانع الملوك والمعلم الوطني، ونسي أن القانون لا يطلب منه أن يؤدي دور الحكم والوسيط ومنظم عمليات صلح. وأيضاً ليست مهمته توضيح “إرداة الشعب”. لقد كان من الممكن أن يقدم موقفاً واضحاً ويضع خطوطاً حمراً من دون المس باحترام الرئاسة وقدسية الدولة.
لقد كان في إمكان غانتس أن يعلن أنه قبِل بلقاء نتنياهو تهذيباً، وأن يوضح مسبقاً أن جميع الاتصالات تجري في ظل المبادىء الأساسية التالية: لا يمكن أن يجلس “أزرق أبيض” مع نتنياهو في الحكومة ذاتها لأن الأخير سيخضع إلى جلسة استماع جنائي ولوائح اتهام؛ الاتصالات تجري مع الليكود فقط وليس مع أي “عصبة” (Bloc)، وإلاّ فإن غانتس سيحمل معه عصبته؛ عدم البدء بأي مفاوضات قبل أن يتعهد نتنياهو بأنه سيعيد إلى الرئيس التفويض إذا كلّفه هذا الأخير بتشكيل الحكومة وفشل. لم يحدث شيء من هذا.
الوعد الواضح والوحيد لـ”أزرق أبيض” في الانتخابات كان “فقط بيبي”. لقد كان هذا شرطاً نهائياً. بخلاف التشهير، هذا خط أيديولوجي شديد القوة. وتحديداً لهذا السبب تجمع تحت لوائه عدد قياسي، 1.151.000 ناخب إسرائيلي. من الآن فصاعداً من المفترض أن تصبح هذه مشكلة الليكود والحريديم وأفيغدور ليبرمان. عليهم هم أن يصدعوا رأسهم في مواجهة “المأزق”؟ لكن هذا تحول أيضاً إلى مشكلة بالنسبة إلى المعسكر الذي كان في المعارضة وقدم بديلاً. السبب بالطبع هو الـDNA المرضي لكلتة الوسط – اليسار، التي تتصرف دائماً كأن مصير الدولة ملقى على كتفيها على الرغم من أنها لم تعد في السلطة منذ وقت طويل.

في موازاة ذلك يدور في أوساط المعسكر نقاش مرفوض بشأن منح نتنياهو عفواً شاملاً مسبقاً، كما لو أن هناك ذرة من المنطق أو مضمون قانوني في هذا الكلام الفارغ. النتيجة الفورية لكل مظاهر الضعف هذه واحدة: “المشعوذ” الذي حل الكنيست مرتين من أجل أن يتهرب من المحاكمة وخسر بقساوة في الانتخابات استيقظ فجأة ونفض عنه الغبار، وحظي بشرعية مجدداً وعاد ليفرض القواعد وجدول الأعمال. لم يفت الأوان بعد للتحرك. سئمنا منكم أيها الإنهزاميون.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية