هآرتس: لا تقولوا احتلالاً قولوا أبرتهايد – وماذا الآن؟

هآرتس: لا تقولوا احتلالاً قولوا أبرتهايد – وماذا الآن؟

شجون عربية/

إيلانا هامرمان – كاتبة ومترجمة إسرائيلية/
مصطلح “احتلال” المطبّق على الضفة الغربية، لم يعد يلائم الواقع. ما يحدث في المناطق لا يمكن أن نفهمه اليوم بمعزل عما يحدث في كل المنطقة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. هذا ما تقرره بصدق وشجاعة ورقة موقف جديدة مفصلة ومشفوعة بالقرائن والبراهين نشرتها في هذه الأيام منظمة “بتسيلم” [ مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة] تحت عنوان: “نظام التفوق اليهودي من البحر إلى النهر: هو أبرتهايد”. تقرر الوثيقة أنه في المنطقة الواقعة بين البحر ونهر الأردن يطبَّق مبدأ منهجي واحد: “الدفع قدماً بتفوق وتخليد تعوق مجموعة واحدة من الناس- اليهود- على مجموعة أُخرى- الفلسطينيون”.
وهي توثّق بالوقائع والأرقام المجالات الأربعة التي يهندس فيها هذا المبدأ، جغرافياً وسياسياً، حياة نحو 14 مليون شخص يعيشون على طرفيْ الخط الأخضر، نصفهم من اليهود ونصفهم فلسطينيون: 1- السيطرة على الأرض: تهويد تدريجي على حساب السكان الفلسطينيين، من خلال طرد ونهب ومصادرة وهدم منازل، وإعطاء الأفضلية للمستوطنات اليهودية بواسطة سلسلة طويلة من القوانين والأنظمة. 2- المواطَنة: ” يحق لكل اليهود في العالم أحفاداً وأبناء وأزواجاً الحصول على الجنسية في إسرائيل. بينما لا يحق للفلسطينيين الهجرة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيلية حتى لو كان أهلهم وأجدادهم قد ولدوا وسكنوا هناك”. 3- حرية التنقل: “يتمتع المواطنون الإسرائيليون بحرية التنقل في كل المنطقة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل (باستثناء قطاع غزة)، ويستطيعون الخروج من البلد والعودة إليه كما يشاؤون. في المقابل مطلوب من الرعايا الفلسطينيين (في المناطق) الحصول على إذن خاص من إسرائيل للانتقال من منطقة إلى أُخرى (وأحياناً داخل المنطقة نفسها)، وسفرهم إلى الخارج مشروط بموافقة إسرائيلية”. 4- مشاركة سياسية: “ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق التي احتُلت في سنة 1967 لا يستطيعون المشاركة في المنظومة السياسية التي تسيطر على حياتهم وتحدد مستقبلهم، لا بواسطة انتخابات ولا من خلال الحصول على حقوق حرية التعبير والتنظيم”.
الوثيقة الجديدة لـ “بتسيلم” تذهب إلى أبعد من ذلك: هي تقرر بوضوح أن وضع الأمور هذا قائم منذ سنة 1948. وأن الفلسطينيين أيضاً من مواطني إسرائيل “لا يتمتعون – لا بحسب القانون ولا بحسب الممارسات المعتمَدة – بالحقوق عينها التي يتمتع بها المواطنون اليهود”. فهم يخضعون لتمييز شديد في مجالات الأراضي التي حُدِّدت وتحدَّد منذ ذلك الحين وحتى اليوم بقوانين (“قانون أملاك الغائبين”، العائد إلى سنة 1948، و”قانون أساس: إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي”، العائد إلى سنة 2018)- وبأفعال: “دولة إسرائيل سيطرت على ملايين الدونمات في بلدات فلسطينية طُرد سكانها أو هربوا في سنة 1948 من بيوتهم ومنعتهم إسرائيل من العودة إليها”.
على هذه الأراضي “أقامت مئات المستوطنات من أجل السكان اليهود – من دون أن تقيم بلدة واحدة من أجل المواطنين الفلسطينيين. هذا باستثناء عدد من قرى وبلدات الغرض منها إسكان السكان البدو- المحرومين من حقوق شراء هذه الأراضي… يفرض النظام الإسرائيلي قيوداً متشددة على كل تطوير وبناء في الأراضي القليلة التي بقيت في البلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ولا تُعَدّ من أجلهم خطط تخطيط تعكس حاجات السكان، وتبقي النطاق القانوني من دون تغيير تقريباً – على الرغم من الزيادة السكانية. نتيجة ذلك تحولت هذه البلدات إلى جيوب صغيرة مكتظة، يضطر سكانها، مع عدم وجود خيار حقيقي، إلى البناء من دون تراخيص”.
المبدأ عينه تطبقه إسرائيل منذ سنة 1967 في أراضي الضفة الغربية. هناك برعاية المنظومتين السياسية والقانونية، وبدعم من مواطني إسرائيل- عملياً أو عن تقصير- تركز إسرائيل على خلق واقع لا عودة عنه بتقليص مجالات الحياة والسكن والعمل والحركة للفلسطينيين، وتوسع المجالات المخصصة لليهود فقط. تفصّل وثيقة “بتسيلم” أنه “من أجل الرعايا الفلسطينيين “أقامت إسرائيل منظومة تخطيط منفردة هدفها الأساسي منع البناء والتخطيط. سواء من خلال منع البناء في مناطق واسعة بواسطة إعلانها ‹أراض تابعة للدولة› و‹مناطق لإطلاق النار› و‹محميات طبيعية›، أو من خلال منع إعداد خطط تخطيط شاملة للبلدات الفلسطينية، تعكس الحاجات الحالية والمستقبلية في الأراضي القليلة الباقية”.
… قرأت هذه الوثيقة بإمعان واطّلعت من خلالها على ما أعرفه منذ سنوات عديدة، مثلي مثل كل مَن يريد أن يعرف: لا يوجد مبدأ واحد من نظام الأبرتهايد لم تطبّقه دولة إسرائيل منذ سنة 1948. لقد حرص الحكم العسكري على القيام بذلك بوسائل علنية وخفية إلى حين إلغائه في سنة 1966، وبعد عام على ذلك توسعت حدود الأبرتهايد الإسرائيلي بالوسائل عينها من البحر وحتى نهر الأردن والحبل على الجرّار.
ما الذي تغير الآن، ولماذا تنشر “بتسيلم” ورقة موقف هذه السنة بالذات؟ واضعو الورقة طرحوا السؤال في نهاية الوثيقة، ويجيبون: “التغيير الأساسي في السنوات الأخيرة هو في الاستعداد والحوافز لدى ممثلي السلطة، وأيضاً لدى جهات رسمية، لترسيخ مبدأ التفوق اليهودي قانونياً والتصريح علناً عن نياتهم. ذروة عملية نزع الأقنعة كانت في سن قانون أساس: إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، والنيات المعلنة بشأن ضم أجزاء من الضفة الغربية، التي قضت على التظاهر الذي حاولت إسرائيل إظهاره خلال سنوات طويلة”.
لكن مع الأسف الشديد ليس هذا فقط ما تغيّر خلال كل هذه السنوات… المجتمع الإسرائيلي أيضاً تغيّر. مئات آلاف المستوطنين الذين يسكنون في أنحاء الضفة الغربية والتأييد المطلق لهم من الأغلبية السياسية في إسرائيل، بأحزابها وحركاتها، وأيضاً غسل الدماغ الأيديولوجي في منظومة التعليم وفي الجيش غيّر بصورة عميقة موازين القوى. ويمكن الافتراض في هذه الظروف أن أغلبية ساحقة من الجمهور الإسرائيلي لن تفهم ما تتحدث عنه هذه الوثيقة.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية