هآرتس: نتنياهو الغارق في أزماته السياسية والقانونية يسخّن المعركة مع إيران عن قصد

هآرتس: نتنياهو الغارق في أزماته السياسية والقانونية يسخّن المعركة مع إيران عن قصد

شجون عربية _

عاموس هرئيل – محلل عسكري إسرائيلي/

الهجوم الأخير المنسوب إلى إسرائيل، الذي تسبب بإصابة سفينة إيرانية في البحر الأحمر بانفجار لغم بحري يوم الثلاثاء الماضي، لم يكن عملية عادية، فهي تختلف عن سابقاتها من حيث نوعية الهدف المختار وتوقيتها وسياقها.
“سافيز” السفينة التي هوجمت هي في الأساس باخرة شحن، بحسب الشركة التي تعمل في تحليل بيانات السفن، قضت في السنوات الأخيرة معظم وقتها في المنطقة التي هوجمت فيها، بين سواحل اليمن وأريتريا. وتدّعي مصادر استخباراتية غربية أن السفينة تعود إلى الحرس الثوري الإيراني، وتُستخدَم كقاعدة بحرية مسؤولة عن عمليات استخباراتية، وعن الكوماندوس. وهي مجهزة بقوارب سريعة ورافعات تسمح بإنزالها إلى المياه.
والتقدير أن السفينة لعبت دوراً في تقديم المساعدة من طهران إلى المتمردين الحوثيين في اليمن في الحرب الأهلية الدائرة هناك، بالإضافة إلى عمليات موجهة ضد السعودية المجاورة. “سافيز” تؤمّن وجوداً دائماً للحرس الثوري في منطقة حساسة لإيران، هي محور مرور بحري مركزي، يربطها (كما يربط دول وسط شرق آسيا) بالبحر المتوسط وأوروبا.
كما ذكرت “هآرتس” في الشهر الماضي، أنه خلال الثلاث سنوات الأخيرة وقعت عشرات الهجمات البحرية ضد سفن إيرانية، معظمها في البحر المتوسط والقليل منها في البحر الأحمر. الجزء الأكبر من الهجمات كان موجهاً ضد سفن عملت على تهريب شحنات من النفط من إيران إلى سورية، بينما المال الذي دُفع ثمناً له موّل شراء السلاح لحزب الله. مؤخراً، وبالاستناد إلى تقارير في وسائل إعلام دولية، تجددت الهجمات ضد سفن تهرّب السلاح إلى موانىء في شمال سورية.
السفينة الأخيرة التي هوجمت هي هدف من حجم كبير آخر. ويبدو أن الهدف من الهجوم عليها، بحسب التقارير، إرسال رسالة إسرائيلية واضحة إلى طهران بعد الهجوم الذي شنه الإيرانيون – رداً على هجوم ضدهم – قبل نحو شهر، على سفينتين تملكهما بصورة جزئية شركات إسرائيلية في منطقة بحر العرب. هذا ضرر مباشر للحرس الثوري بالإضافة إلى الضرر الجسيم الذي لحق بالسفينة.
هنا يُطرح سؤال التوقيت. نظراً إلى أن “سافيز” كانت في المنطقة وقتاً طويلاً، يبدو أن الأمر لم يكن متعلقاً بفرصة زمنية ضيقة فرضت تنفيذ العملية، تحديداً في الموعد الذي حدثت فيه. على الرغم من ذلك فإن الهجوم وقع، بالاستناد إلى مصادر أميركية، في ساعات الصباح من يوم الثلاثاء، قبل ساعات قليلة من بدء الاجتماع الأول ضمن إطار المفاوضات بين إيران والدول العظمى، والهادف إلى التحضير لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع طهران.
“التاريخ علمنا أن مثل هذه الاتفاقات مع مثل هذه الأنظمة المتطرفة لا يوازي شيئاً”، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في يوم ذكرى المحرقة. وأضاف: “وحتى لأصدقائنا المقربين أقول منعاً لأي خطأ: اتفاق مع إيران يمهد الطريق لسلاح نووي لن يكون مُلزماً لنا.”
فيما يتعلق بالهجوم، نشرت “النيويورك تايمز” أن إسرائيل أعلمت الولايات المتحدة به فور وقوعه. من الصعب التصديق أن الأمر مجرد صدفة. إعلان الهجوم يلمّح إلى أن إسرائيل تواصل نهجها العدواني إزاء إيران أيضاً في وقت انتجهت واشنطن نهجاً تصالحياً وتريد العودة بسرعة إلى الاتفاق النووي.
التقرير الذي نشرته”هآرتس” عن المعركة البحرية سبقه تقرير آخر قليل التفصيلات نشرته مجلة “الوول ستريت جورنال”. إذا كان مصدر التقرير في بداية آذار/مارس هو إدارة بايدن، من المحتمل أنه يدل على رغبة الأميركيين في تحييد الضجيج الإسرائيلي على خلفية العودة إلى المفاوضات النووية. فإذا كانت هذه هي الرغبة الأصلية فإنها اخطأت هدفها. ما حدث هو العكس: فقد نشرت “هآرتس” تفصيلات تتعلق بمهاجمة الإيرانيين سفينة يملكها إسرائيليون، وأن إسرائيل، بحسب تقارير جديدة، ردت على ذلك بهجوم أعلى درجة من جهتها.
ما يجري بين الطرفين الآن يمكن وصفه بمعركة بحرية وليس حرباً. سلاحا البحر للدولتين ليسا كبيرين، ومعظم القطع البحرية لديهما ليست موجودة بالقرب من بعضها البعض. لكن هذه المعركة آخذة في التوسع إلى ساحات بعيدة، وهي تشمل عشرات الهجمات، قرر الإيرانيون مؤخراً الرد عليها. هذه الخطوات لن تنعكس بالضرورة فقط على الساحة البحرية. لدى إيران عدد كبير من الاحتمالات الأُخرى للعمل ضد إسرائيل، من استخدام المسيّرات (مثل الهجمات ضد منشآت النفط في السعودية)، وصولاً إلى إطلاق صواريخ قصيرة المدى نسبياً من الحدود السورية.
إسرائيل الرسمية لم ترد على الأحداث. وزير الدفاع بني غانتس تطرق في الأول من أمس فقط إلى التقارير. حتى الآن ليس من الواضح ما إذا كان وزير الدفاع شريكاً كاملاً في بلورة سياسة الهجمات، أو فقط جرى تبليغه بها بعد دخولها في حيز التنفيذ قبل نحو عام، أو ما إذا كان مجلس الأمن القومي الذي لا يعمل بصورة طبيعية في الصورة. على أي حال، رئيس حزب أزرق أبيض قال إن المؤسسة الأمنية “تستعد في هذه الأيام لمواصلة المواجهات التي تفرضها إيران علينا، سواء بصورة مباشرة أوغير مباشرة، بواسطة وكلائها في الشرق الأوسط.”
يمكن التقدير أن المعركة البحرية تطورت من الأسفل إلى الأعلى . وكما تجري هذه الأمور بصورة عامة، سلاح البحر كشف تحدياً (مساعدة اقتصادية إيرانية لحزب الله) وعرض إمكان عرقلتها (عملية سرية للكوماندوس البحري شايطيت 13). جرت المحافظة على قواعد اللعبة: من دون التسبب بقتلى، ومن دون ضرر كبير، ومع أقل قدر ممكن من “الضجيج”، إلى أن بدأت التسريبات. بالاستناد إلى التفصيلات التي سُرّبت لا شك في أن الإيرانيين تكبدوا ضرراً كبيراً – من خلال خسارة إيرادات تقدَّر بمليارات الدولارات التي لن تصل إلى هدفها النهائي لدى حزب الله، وأيضاً من خلال الكشف عن حجم خسارتها.
السؤال كالعادة هو إلى أي حد يخدم هذا المسار العملاني المتواصل والناجح الهدف النهائي- المسّ بقدرة إيران ومكانتها – وما هو الخطر الذي ينطوي عليه بالنسبة إلى إسرائيل. الهجومان الإيرانيان المضادان كانا رمزييين في الأساس وتسببا بضرر ضئيل واستهدفا سفناً لها علاقة بإسرائيل بصورة غير مباشرة. لكن احتمال هجمات مستقبلية في البحر كبير للغاية، لأن كل تجارة إسرائيل تجري عن طريق البحر، ولها علاقة بقنوات ملاحة طويلة من الصعب جداً الدفاع عنها بصورة فعالة.
استمرار سياسة الهجمات البحرية هو موضوع خلاف داخل المؤسسة الأمنية، وأيضاً في هيئة الأركان العامة للجيش. هناك مسؤولون رفيعو المستوى يعتقدون أن الفائدة من المعركة البحرية محدودة والرهان عليها مبالَغ فيه والخطر الذي تنطوي عليه كبير جداً.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية